ثقافة و فنون

41110‏السنة 123-العدد1999يونيو27‏13 من ربيع الأول 1420 هــالأحد

هذا ما حدث في سلاح الفرسان
بقلم : محمود عبداللطيف حجازي
من الضباط الاحرار

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ قرأت تحقيقكم في جريدة الاهرام بتاريخ‏1999/6/6‏ عن لقائكم والسيد حسين الشافعي‏.‏ ودعني أولا أتفق معك علي أن ما يكتب في جريدة الاهرام يؤخذ علي أنه الحقيقة نظرا لما اشتهر عنها من الحيدة والتحقيق‏.‏ أيضا دعنا نتفق علي أن ما يكتب ولا يتم تصحيحه في حالة كونه خطأ سيؤخذ بعد ذلك بعين الاعتبار عند كتابة تاريخ هذه الحقبة‏.‏
وعليه رأيت لزاما علي أن أكتب اليك تصحيحا لبعض ما جاء بهذا التحقيق حتي لا يؤخذ علي أنه حقيقة وهو غير ذلك‏.‏
جاء في المقال أن قرار ترقية عبدالحكيم عامر هدد بعنف الموقف في الجيش حيث شهد حالات من التمرد كان أعنفها وأقساها ما حدث في سلاح الفرسان‏.‏ ويومها ذهب جمال عبدالناصر بنفسه والتقي بالضباط المتمردين ودار بينه وبينهم حوار استمر حتي الثالثة صباحا‏.‏
لهذا ارجو أن تأذن لي في سرد احداث هذا الاجتماع وأتحدي أن يناقضني في مقولتي أحد حيث كان لي عظيم الشرف في أن أكون أحد من دعوا لهذا الاجتماع وأيضا ممن تكلموا بصراحة شديدة ومواجهة أشد لعبد الناصر كلفني كما كلفت غيري من ضباط السلاح الكثير والكثير الذي مازلنا نعاني منه‏.‏
جاءني الصديق المرحوم الملازم وقتئذ أحمد علي المصري عصر يوم‏24‏ فبراير‏1954‏ في مكان تدريبنا بطريق الفيوم الصحراوي وأخطرني بأن هناك شائعة تقول ان مجلس قيادة الثورة سيتخلي عن اختصاصاته ويتركوا الحكم بالكامل لمحمد نجيب‏.‏ ونظرا لعدم قبولنا لهذا الرأي عدت معه مساء الي سلاح الفرسان بكوبري القبة حيث تقابلنا مع بعض الزملاء أذكر منهم ما لم تخني ذاكرتي‏.‏ اليوزباشي سامي ترك واليوزباشي عبدالفتاح علي أحمد وعبدالله فهمي وفتحي الناقه والملازمين أحمد حموده وأحمد المصري وفاروق الأنصاري وتوجهنا لمقابلة حسين الشافعي بمجلس قيادة الثورة ولم نتمكن من مقابلته لوجوده في اجتماع للمجلس‏.‏ ولكن وجدنا مجموعة من اسلحة الجيش المختلفة ووسطهم صلاح سالم واقفا فوق كرسي ينهي حديثا لم نحضره يقول نصا بقدر ما أمسكت الذاكرة والأن يا اخوان إما أن نبقي معه كما نحن ــ يقصد نجيب ــ وهذا محال‏...‏ تصفيق‏,‏ وإما أن نترك له الحكم ليحكم حكم الديكتاتور المفرد ونعود نحن لمنازلنا‏...‏ صراخ وإستنكار‏.‏ وإما يذهب هو ويتركنا لننطلق في آفاق العمل والتقدم‏...‏ تصفيق وهرج ومبروك‏...‏ خلصنا منه‏...‏ وتعليقات بذيئة‏.‏ ثم أنفضوا‏.‏ وبقينا نحن في حالة استغراب وإستغراق شديدين بالطريقة التي يدار بها مثل هذا الأمر الخطير‏.‏
ولما طال مكوثنا حضر لنا أركان حرب المبني يسأل عن سبب تخلفنا فقلنا له لنا اثنان يمثلوننا في المجلس في الاجتماع إما أن ينزل لنا احدهم ليحمل رأينا ويناقشه في المجلس أو يتفضلا لنرسل غيرهما‏.‏ وكما انفض السامر وعاد الضباط ثانية للقاعة واستبدلوا صلاح سالم بأخيه جمال سالم المعروف بشراسته ظنا منهم أنه قادر علي كبحنا ولكن كانت النتيجة مواجهة له مني ثم من الأخ أحمد المصري خرج علي اثرها غاضبا وصعد الي المجلس‏.‏ ثم حضر لنا خالد محيي الدين وأفادنا أن رأيا مماثلا لرأينا يناقش بالمجلس ــ وهو عودة الدستور ــ وعند ذلك ولثقتنا في خالد وحسين وكذلك ثروت عكاشة غادرنا المبني وكانت بواكير فجر يوم‏2/25‏ قد أطلت فتوجهنا الي المعسكر‏.‏
وفي نشرة الصباح فوجئنا باعلان تنحية محمد نجيب‏.‏ وطوال اليوم تعرضنا لنقد شديد من جميع ضباط السلاح ظنا منهم أننا كنا ضمن من أعطوا الرأي بخلع نجيب‏.‏ فأفهمناهم أننا لم نكن مدعوبل للإجتماع ولكن هيهات‏.‏
في مساء ذات اليوم وعند توجهنا لمنازلنا عرجنا علي أحد المحال للعشاء وكنا أحمد المصري وفاروق الأنصاري وأنا‏.‏ وعلي هذا العشاء تقرر دعوة سلاح الفرسان لأخذ رأي الضباط في الاستمرار في الحكم العسكري أم العودة الي الحكم النيابي ثم عمل محضر بنتائج الإجتماع ورفعها الي مجلس قيادة الثورة‏.‏ علي أن أقوم أنا بدعوة ضباط الدبابات وأحمد المصري دعوة ضباط السيارات المدرعه وفاروق الأنصاري باقي الوحدات الإدارية ويكون الإجتماع بالميس الأخضر الساعة السابعة مساء يوم‏1954/6/26.‏ وتم الإجتماع في موعده‏.‏ وطلبنا من اليوزباشي محمد سامي ترك الإتصال بحسين الشافعي مدير السلاح لحضور الإجتماع‏.‏ فأعتذر وطلب حضور مندوبين عن الضباط الي منزله وحدد العدد بعشرة ضباط ورفض الضباط هذا العرض وبدأالإجتماع‏.‏ وكانت أول فقراته كلمة من أحمد المصري ذكر فيها ماأكده التاريخ من فساد الحكم العسكري المطلق وأنه يودي بالبلاد وإن كان يخلق زعماء كما حدث مع نابليون في فرنسا وهتلر في المانيا‏...‏ الخ‏.‏ وأنهي حديثه وقمت لاخذ الرأي علي واحد من الخيارين الحكم الديمقراطي أو الحكم العسكري وللتاريخ ولشرف ضباط سلاح الفرسان في ذلك الوقت كانوا جميعا وعلي إطلاقهم في جانب العودة الي الدستوروالحياة النيابية‏.‏
ولكن كانت أنظارهم متجهة الي باب الميس الواقع خلفي مباشرة فاستدرت‏..‏ لأجد جمال عبدالناصر‏...‏ لاأكتمك فقد إنتاتني وقتها حالة من الاستغراب الشديد سريعا ما ذهبت لأسأله‏.‏ إنت هنا من إمتي فرد من ساعة ومد يده يمينا ويسارا مقلدا حركتي عند أخذ رأي السادة الضباط الوطنيين الأشراف‏.‏
فقلت له طيب يافندم الرأي واضح أمامك‏.‏ أتفضل وأدخلناه الميس وجلس فعلي ذلك يكون الرأي قد أخذ بمنتهي الهدوء والعقلانية‏,‏ كذلك في مواجهة جمال عبدالناصر وأيضا وهو مهم جدا أن عبدالناصر طوال الإجتماع لم يتلق منا لفظا خارجا‏...‏ فأين التمرد‏...‏ عجبا‏.‏
وبدأ الإجتماع ولكن كلنا يعلم كان لعبدالناصر سطوة شخصية وتأثير شديد وحضور لا ينكروا اذا بالضباط الذين كانوا يشتغلون حماسا قد جلسوا وكأنهم سيتلقون محاضرة من أحد الاساتذة‏.‏ وكان هذا هو الجو الذي ينتظره عبدالناصر فيطلق شعارين وكلمتين حماسيتين وينفض الاجتماع‏.‏ إلا أن ذلك لم ينطل علينا وما لهذا تجشمنا مخاطرة الدعوة للاجتماع‏.‏ فقمت وقلت لهيا أفندم إن كنت في حاجة لهذا الحشد من الضباط الذين حضروا معك وأنك محتاج لهم لحمايتك فيمكننا تقديم الضيافة وأعتبار أن الإجتماع أنتهي‏*‏ أما إن كنت حريصا علي مناقشتنا ومعرفة مطالبنا فنرجو صرفهم حتي نتحدث معك بكامل حريتنا فإشتعل حماس الضباط وإنحل الطلسم وهاجوا وتبادلوا الكلمات الجارحه مع هذه المجموعة لأنه كان منها من هو متهم بسرقة صرة المحمل هكذا قال له أحد ضباطنا‏.‏ وهنا صاح السيد حسين الشافعي دول ضيوفنا ولكن هيهات‏.‏ فرفع عبدالناصر يده فسكت الجميع وقال شوفوا لهم ميس تاني يقعدوا فيه واستمر الإجتماع حتي الثالثة صباحا ولك أذكر بعض ما أتذكر‏.‏
ــ رأي يعطي مجلس قيادة الثورة أماكن في مجلس النواب والشيوخ حتي لاتصدر قوانين أو تشريعات في غيبة قيادات الثورة‏.‏
ــ رأي من يريد العمل السياسي عليه أن يترك الخدمة العسكرية ليتفرغ للعمل السياسي وأيضا ليظل الجيش بمنأي عن السياسة‏.‏
ــ رأي إن كان بداخلكم الخوف من عودة الأحزاب بمساوئها فنحن موجودون وجاهزون لحماية البلد منهم‏.‏
ــ رأي مين قال إن البلد مش جاهزة تحكم نفسها‏.‏ يعني نستورد حكام واللا نبدأ في العمل الديمقراطي مع مراجعة كل فترة لتصحيح ما يظهر من فساد أو أخطاء‏.‏ ولكن بشكل دستوري يتفق عليه‏.‏
ــ مصادمات‏.‏ عندما قلت له نحن لا نصلح للحكم حيث توقف تعليمنا العام عند التوجيهية قال نحن معنا بكالوريوس فقلت له بكالوريوس في تخصص ضيق لا يصلح لمزاولة الحكم في هذه الفترة‏.‏ فقال يعني مستخسرين فينا نبقي وزارء بعد اللي عملناه فقلت إحنا عملنا ثورة والثوار لا يؤجرون‏.‏
‏.‏ عندما عدد بعض الزملاء بعض الانحرافات لبعض الرموز الثورية قلت له ماذا نقول للشعب؟ فصاح مغضبا ثائرا إنت مين فوضك تتكلم باسم الشعب فقلت له نحن برلمان هذا الشعب الي أن يكون له برلمان الي آخر محادثة طويلة تنتهي بقولي نحن علي أبواب ديكتاتورية عسكرية‏.‏
وفي الحقيقة كان كل متكلم لا يراعي غير صالح مصر وكان الجميع متخوفين من الانزلاق الي أن تنفرد مجموعة أو شخص بالحكم‏.‏ وعند نهاية الاجتماع ولما لم يجد مناغير الإصرار علي الدستور قال طيب والله يفوت علي ماهر الصبح أنا مكلفه هوو السنهوري بلجنة الدستور أستعجلهم‏.‏ فقال له أحمد المصري يافندم الدستور جاهز ولكنهم غير واجدين منكم رغبة‏.‏ فلو سيادتك كلمتهم الدستور هيكون عندك في أقل من أسبوع‏.‏
وتم الاتفاق بأن جمال عبدالناصر سيراجع علي باشا ماهر صباح اليوم وقام ليبارح الميس وهنا قام زميل سوداني‏!‏ إن لم أكن مخطئا فهو نور الدين بن وزير الشئون الاجتماعية في السودان في ذلك الوقت وكان من مشجعي ومؤيدي الوحدة مع مصر‏.‏ قال الزميل السوداني أنتم أتكلمتم عن مصر وما أتكلمتوش عن السودان
جمال‏:‏ يعني أيه يانور
نور‏:‏ يعني حزب الأمة والانجليز بيقولوا أنتم شيلتم محمد نجيب علشان أمه سوداني قولوا بنعبد اشخاص بنعبد أصنام قولوا اللي تقولوا إنما أحنا بنحب محمد نجيب وإذا كنتم عاوزين تقارب مع السودان يبقي لازم محمد نجيب يرجع‏.‏
جمال‏:‏ أنا في دي عضو مجلس‏.‏ ماأقدرش آخد قرار لوحدي‏.‏ مجلس قيادة الثورةفي حالة إجتماع لحد ما أرجع لهم‏.‏ وأنا سأقوم بعرض الكلام ده علي المجلس‏.‏ إنتم كمان تظلوا هنا لحين عودتي لكم برأي المجلس‏.‏
وغادر جمال عبدالناصر وبرفقته حسين الشافعي‏.‏
وفي الخامسة صباح يوم‏1954/2/27‏ عاد جمال عبدالناصر ومعه خالد محيي الدين وطلب الإجتماع في مكان بعيد عن الصف والعساكر فأدخلناه حجرة المكتبة بذات الميس وبدأ قوله المجلس قرر القرارات التالية ولن يرجع في قرارات
أولا عودة محمد نجيب رئيسا لجمهورية برلمانية
ثانيا نحن لا نثق في قدرة محمد نجيب لهذا سيكون خالد معه رئيسا للحكومة
ثالثا سنخرج ونأخذ معاشاتنا وسنظل في بيوتنا
رابعا نحن في خدمة خالد دون أن نتولي وظائف عامة
خامسا الاجتماع تم في سلاحكم ورئيس الحكومة من سلاحكم قد يظن باقي ضابط الجيش أن هذا تم نتيجة ضغط معين منكم ولهذا أنا طالب مندوبي الاسلحة لإفهامهم أن هذه القرارات أخذها المجلس بكامل حريته‏.‏
إتفضلوا شوفوا حد يروح مع خالد يشوف رأي نجيب في كده أيه‏...‏ وغادرنا في عصبية شديدة‏.‏ وحاولت وغيري أن نثنيه عن ذلك لعدم تصورنا أن يكون هناك حكومة دون أعضاء مجلس الثورة وجمال أيضا وكذلك لأن هذه النقلة دون ترتيب قد يكون لها تأثير شعبي مضاد‏.‏ وأن مثل هذه الأمور يجب الترتيب لها باحكام ورغم أن هذه القرارات جاءت ملبية لأكثر مما كنا نأمل‏.‏وقلت وغيري لخالد هذا بلف أي خدعة فقال خالد رغم ثقتي فيكم الا أن ثقتي بزملائي أعضاء المجلس أكبر‏.‏ وأن أي بلد تحكم عسكريا تلزمها قرنان لتعود للحكم المدني‏.‏ وهذه فرصة مصر للخروج من الحكم العسكري‏.‏ وأن أي واحد منكم يمكنه بعد ستة شهور ـــ إن لم أسلم البلد لحكومة ديمقراطية ــ أن يأتي لمكتبي ويضربني بالنار وغادرنا أيضا ومعه بعض الضباط الي منزل محمد نجيب‏.‏
ما تلا ذلك من احداث لن أخوض فيها فقد كانت مهزلة بكل المقاييس‏.‏ ولكن ذكرت بعض ما تم في الميس الأخضر‏.‏ لعله يوضح موقف ضباط سلاح الفرسان‏.‏ ولعله يكون كافيا لوقف السيل الذي لاينقطع في توجيه الإتهامات لنا وفي يقيني أن من يقول بغير ماذكرت إما جاهل يردد ما نقل اليه من غيره‏.‏ أو محاول للتقليل من شأن هذه الوقفة التي كلفت الكثيرين مستقبلهم واستقرار عائلاتهم من عام‏1954‏ وحتي الأن‏.‏ وذلك ليعطي لنفسه مبررا لعدم انضوائه تحت لواء الدستور‏.‏
أو لم يجد في نفسه القدرة علي مواجهة عبدالناصر فيحاول التقليل من شأن هذه الومضة الوطنية الخالصة لوجه الله ووجه مصر‏.‏
ما كنت أرجو أن أواجه أحدا أو أراجع صديقا أحببته طوال عمري رغم كل شيء إلا أن حبي لبناتي وأحفادي أكبر‏.‏ فموقفي في عام‏1954‏ هو الميراث الوحيد الذي أتركه لهم‏.‏ فلا تحرموني منه كما حرمتموني وحرمتم غيري من عمل أحببته وعشقته وهو الجندية التي أهلت نفسي لها‏.‏

موضوعات أخرى

حقائق للتاريخ ... بقلم : محمد صلاح إبراهيم سعده

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب