قضايا و اراء

41104‏السنة 123-العدد1999يونيو21‏7 من ربيع الأول 1420 هــالأثنين

واغوثاه
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

ما أحسب إلا أن اللغة العربية تصيح هذه الصيحة لما تعانيه من تحطيم وتدمير علي أقلام كاتبيها وألسنة المتحدثين بها فإنها ـكان الله لهاـ لم تنكب في أي عصر من العصور مثلما هي منكوبة في الملاوة أو الفترة التي نعيشها اليوم‏.‏ وشر ما تلاقيه اللغة من إتلاف ينشب أظفاره فيها هو هذا الذي يصيبها من الذين يفترض فيهم أن يعلموها ويصونوا جلالها وحرمتها‏.‏ فأين هؤلاء من الذين كانوا يدرسون لنا اللغة العربية من خريجي الأزهر ودار العلوم يوم كان حفظ القرآن حتميا لمن يريدون الالتحاق بصرح من هذين الصرحين الشامخين فكان المتخرجون فيهما يجيدون اللغة العربية إجادة تامة من نحوها إلي صرفها إلي متنها ومن هؤلاء الخريجين كانت الصحف تختار المصححين فكان يستحيل أن تقرأ خطأ لغويا في صحيفة أو مجلة مهما كان شأن هذه الصحيفة أو تلك المجلة أما اليوم بعد أن ألغي شرط الحفظ للقرآن لمن ينتسب لقلعتي اللغة العربية السامقتين الأزهر ودار العلوم فنجد لغتنا أسيفة شاحبة ويندر أن تقرأ صحيفة تخلو من خطأ لغوي إن لم يكن نحويا فليكن في الصرف أو المتن‏.‏
وسبحانه وتعالي يمن علي عباده بأنه اختار العربية لسانا لقرآنه الكريم واقرأ معي هذه الكلمات البينات ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين الآية‏103‏ من سورة النحل صدق الله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل فقد أصبح لسان المصريين أعجميا بفضل الجهود الضخمة التي بذلت لجعل اللسان العربي غير عربي وإنها نفسها الجهود التي بذلت للنيل من إسلامنا في عهد الطغيان ولا ننسي يوما أغبر صدرت فيه الأوامر بمنع الاحتفال بمولد سيد البشر أجمعين صلي الله عليه وسلم وفي نفس العام صدرت الأوامر من المصدر نفسه بالاحتفال بمولد كبير الملحدين لينين‏.‏ ومادام العهد قد استهان بالإسلام ونبيه فما أيسر عليه أن يحطم لغة القرآن في ركنيها الركينين الأزهر الشريف ودار العلوم الشماء‏.‏
علي كل حال هذا أمر نفذ ولا حيلة لنا فيه وإني أشكر هنا مولانا الإمام الأكبر الشيخ محمد السيد طنطاوي والأستاذ الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم علي جهدهما الحثيث في إصلاح بعض ما أفسده الطغيان فإني أراهما يهتمان بحفظ القرآن في جامعة الأزهر التي أصبحت مدنية مثل آلاف الجامعات في العالم وحجب عنها الجبروت النور الذي كان يشع منها في العالمين‏.‏
المهم أن يهتم المسئولون بجعل مدرسي اللغة العربية يجيدونها إجادة تمكنهم من تدريسها ولقد كتبت في مقالات عديدة وأعيد ما كتبته أن خطابات كثيرة تصل إلي من مدرسين للغة العربية أجد فيها أخطاء نحوية بل إنني أحيانا ـربما تكون قليلةـ أجد أخطاء إملائية ولما كان فاقد الشيء لا يعطيه فمن المستحيل أن يكون أولئك الخطاؤون مدرسين للغة لا يتقنونها ولذلك فإن أول ما أرجوه أن تهتم وزارة التعليم العالي بعلاج اللسان العربي للمدرسين الذين يدرسون اللغة وإني أري من الدكتور مفيد شهاب تحمسا واضحا ومشكورا باللغة العربية ولكن من الحتم أن يقيم لسان مدرسيها بادئ ذي بدء‏.‏
وإذا تركنا المدارس وألقينا نظرنا إلي حال اللغة العربية في المجتمع الأدبي لهالنا الأمر ومسنا الذعر علي المصير الذي ألقيت إليه اللغة العربية وربما كانت أكبر كارثة تواجهها هو جهل الأدباء والقصاصين والروائيين بل والذين يسمون أنفسهم شعراء أيضا باللغة العربية جهلا يكاد يكون تاما وسمعت أن قصاصا سئل مرة عن جهله باللغة العربية فقال إنني قصاص ولست مدرسا للغة العربية وإن كان هذا الأديب قد صرح بتلك القالة الغريبة فإن كثيرا من كتاب الرواية والقصة اليوم يسيرون علي هذه الفلسفة الشوهاء دون أن يصرحوا بأنهم ليسوا معلمين للغة العربية‏.‏ والواقع الذي لاشك فيه أن كتاب الرواية أو القصة أو الشعر المزعوم مدرسون للغة العربية شاءوا أو لم يشاءوا فإن قراءهم يأخذون عنهم اللغة فإذا كانوا مصممين علي الجهل باللسان الذي يكتبون به أعمالهم الأدبية فليبحثوا لأنفسهم عن مراجع متمكن من اللغة ليعيد ما يكتبونه إلي اللسان العربي‏.‏
والكارثة الأخري أن الثقافة بعيدة كل البعد عن الأدب العربي وما عليك إلا أن تستعرض المسرحيات التي تقدمها مسارح الدولة فإنك إن فعلت لن تجد مسرحية باللغة العربية إلا المسرحيات النادرة التي تفلتت إلي المسرح ولست أدري ما هو العداء المستحكم بين الجهات الثقافية في مصر وبين مسرحيات شوقي وعزيز أباظة وهما الشاعران اللذان يشبهان شكسبير في الأدب الإنجليزي تري هل يعلم رواد الثقافة الرسميون أن انجلترا تفخر بأن شكسبير جاء عليه حين من الدهر كان لا يمر يوم إلا ومسرحية من مسرحياته تمثل في مسرح من مسارح العالم الناطق بالإنجليزية وهل يعلم هؤلاء الرواد الكلمة الخالدة التي قالها تشرشل الزعيم الإنجليزي الذي كسب الحرب العالمية الثانية والذي تعتبره انجلترا واحدا من أعظم زعمائها علي مدي التاريخ‏.‏ هذا الزعيم العظيم قال ـفي خطاب لهـ لو لم تكن انجلترا قد أنجبت من العظماء إلا شكسبير لكفاها مجدا وأن الناطقين بالعربية المحبين لها يقولون لو لم يكن في شعراء مصر إلا أحمد شوقي لكفاها مجدا ولكن شوقي وخليفته عزيز أباظة وروايتهما محجوبة عن هذا الجيل ولاشك زن رواد الثقافة المصرية يجهلون أن الإنجليز خلدوا شاعرهم بأن أقاموا في البلدة التي كان يعيش فيها ـ وهي قريبة من لندن ـ مسرحا لا تمثل عليه إلا روايات شكسبير كما جعلوا بيته في هذه البلدة مزارا به سجل ضخم يوقع فيه الزائرون وقد كان لي حظ زيارة البيت ومشاهدة رواية ماكبث علي مسرح شكسبير الخاص‏.‏
ولشوقي في العالم العربي هذه المكانة نفسها واقرأ ما قاله عندما زار دمشق‏:‏

وحولي فتية غر صباح ........................... لهم في الفضل غايات وسبق
علي لهواتهم شعراء لسن ....................... وفي أعطافهم خطباء شدق
رواة قصائدي فأعجب لشعر ................... بكل محلة يرويه خلق

وأذكر أنني حين كنت أنتظر نتيجة الشهادة الابتدائية عام‏1939‏ قرأت رواية مجنون ليلي واحدا وعشرين مرة متعاقبة‏.‏
ولكن شوقي مغضوب عليه من القائمين علي شأن الثقافة اليوم وهو الذي أقامه شعراء العربية أميرا للشعر العربي‏.‏

ولا نملك إلا أن نصيح مع الشاعر القديم‏:‏
وظلم ذوي القربي أشد مرارة ................... علي النفس من وقع الحسام المهند

ولا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب