قضايا و اراء

41083‏السنة 123-العدد1999مايو31‏15 من صفر 1420 هـالأثنين

فسحة الأمل
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

فلينهش التليفزيون أوقاتنا ما طاب له النهش وليبتلع عقول أطفالنا ما أمكنه ذلك وليلحق به الأنترنيت والكمبيوتر وكل ما يتفتق عنه عصرنا من مخترعات فهيهات أن تكون هناك ثقافة ذات وزن أو قيمة إلا بالكتاب فانها المنبع الأساسي لاستقامة الذهن واستيعاب الثقافة‏.‏
فقد أصبح التليفزيون لافي مصر وحدها بل في العالم أجمع أداة تسلية لا تثقيف تدور أغلب مسلسلاته حول الجريمة والنشاطات البوليسيه الأمر الذي يعتبره المثقفون بعيدا كل البعد قصيا غاية القصي عن الثقافة ولهذا اتفقت الآراء واجتمعت علي أن كتاب هذا الصنف من الروايات لا يرتفع قدرهم إلي مستوي الروائيين ذلك لأنه من الحتم أن يقول الروائي شيئا بروايته فإن لم يفعل فلا قيمة لما دبج من عمل روائي ولا ينطبق هذا الشرط علي الرواية البوليسية فهي عادة بلا هدف أو غاية إلا إثارة التشويق عند القارئ وربما نجحت في ذلك ولكن المؤكد أنها بلا أعماق بل هي عمل سطحي لا يحاول صاحبه أن يرسي أي معني من المعاني في نفس القارئ‏.‏
والتليفزيون عندنا إذا تناول عملا روائيا لكاتب متمكن من كتاب الرواية تجد العمل حين يظهر علي الشاشة مشوها أو مضافا إليه ما ليس فيه والقائمون علي التليفزيون لا ذنب لهم في هذا الأمر فهم أبرياء منه غاية البراءة وإنما يقع وزر هذا التشويه علي المعد الذي يتجاوز ماهو مفروض فيه محاولا أن يؤلف مع المؤلف الاصلي والمعد أيضا ليس طليق اليد فيما يكتب بل يتدخل المخرج والممثلون بسطوة معطرة بأريج الرجاء أو مشوبة بطغيان الأمر إذا كان المتدخل مخرجا فيصبح العمل شئا فشيئا بعيدا عن الرواية الأصلية لا تكاد تعرفه وتكاد لا تتبين ملامحها فيه‏.‏
وربما أكون أنا أكبر ضحية لعدوان المعدين والمخرجين لأعمالي سواء في السينما أو في التليفزيون وإن كانت السينما أرفق بي في هذا المضمار ولكن هذا الرفق لم يمنع أنني منذ سنوات بعيدة دعيت لأري فيلما لي في عرض خاص فذهبت وشاهدته وأقسم غير حانث انني لولا رؤيتي لاسمي علي الشاشة في مقدمة الفيلم ماعرفت أن الفيلم روايتي أو أنه مأخود عنها‏.‏
وإن كان هذا قد حدث لي مرة واحدة في السينما فكثير من رواياتي في التليفزيون تعرضت للزيادة أو النقصان إلا أن واحدة منها لم تصل بي إلي حد الجهل بها وأذكر واقعة حدثت منذ قرابة ثلاثين عاما كانت قصتي تروي عن شاب دخل كلية الطب و‏,‏تزوج وأنجب طفلا وذكر المسلسل التليفزيون ذلك كما جاء في روايتي أن الشاب دخل كلية الطب وتم زواجه وإنجابه في سنة واحدة ورأينا علي الشاشة الطفل في لفائفه محمولا علي الأكتاف ويتخرج الأب في كلية الطب ويصبح طبيبا ولكن السنوات السبع التي مرت منذ دخوله الكلية إلي أن صار طبيبا تمر عليه وحده ولا تمر علي الطفل فهو مازال في لفائفه محمولا علي الأكتاف ولن أذكر اسم الرواية حتي لا أسئ إلي المعد والمخرج وكلاهما اليوم في ذمة الله‏.‏
فإذا استثنينا الأعمال الروائية للكتاب الجادين نجد أن مسلسلات التليفزيون تزيد النشء جهلا علي جهل وهيهات لا أن تكون مصدر ثقافه‏.‏
الكتاب وحده هو مصدر الثقافة للإنسان في جميع مراحل حياته وقد أصبح الكتاب في أيامنا هذه مسكينا أسيفا كسيفا منطويا قليل التوزيع حتي إن الناشرين الشرفاء الذين يأبون الكتب الهازلة أو الهزيلة أو الداعرة أصبح هؤلاء الناشرون في حال يرثي لها فمع وجود التليفزيون والانترنيت الأمر الذي يجعل القراء قليلين يزيد الرثاء لهم بغلاء الورق وأدوات الطباعة بصورة تجعلهم مضطرين الي رفع سعر الكتب وإني أكتب هذا الذي أكتبه مطالبا الحكومة أن تعفي الورق وأدوات الطباعة من رسوم الجمارك ويزيد تشبثي بهذه المطالبة ما قرأته من أن دار الأوبرا ستنفق ثلاثمائة مليون جنيه علي حفل تستقبل به عام‏2000‏ والرقم مذهل ومرعب ومع أن الأستاذ كمال الشاذلي وزير ششئون مجلسي الشعب والشوري نفي هذا النبأ في مجلس الشعب إلا أن الصحف مازالت مصرة علي صحته والمؤكد الذي لا شك فيه أن الغاء الرسوم علي أوراق الطباعة وآلاتها لن يصل إلي هذا الرقم في عشر سنوات‏.‏
والاحتفال في دار الأوبرا ساعات وتنقضي‏,‏ ودعم الكتاب استثمار للعقول البشرية في مختلف سنوات عمرها ولن تستثمر دولة ما خيرا من الإنسان ليس فقط من الناحية الأدبية والعلمية وإنما أيضا وبنوع خاص من الجانب الاقتصادي فالإنسان إذا تثقف أصبح أعظم مورد للمال في الدولة‏.‏
وإن كنت قرأت عن إاحتفال الأوبرا فزلزلت وروعت فإن نبأ آخر علمته ملأني سعادة وغبطة وهو أن وزير التربية والتعليم د‏.‏ حسين كامل بهاء الدين أصدر أمرا بأن يكون بكل مدرسة في الريف مكتبة وأكمل أمره أن تظل هذه المدراس مفتوحة بعد الفترة الدراسية لتستجيب المكتبة لراغبي القراءة سواء كانوا تلامذة في هذه المدراس أو لم يكونوا كما أكمل أمره أن يكون في كل حي من مدن مصر جميعا عدد من المدراس كافية مزودة بمكتبات مفتوحة للجميع ولو لم يكن للوزير في تاريخه الوزاري إلا هذا الأمر لكفاه فخرا‏.‏
ومعروف طبعا انني كتبت في هذا الأمر حتي بح صوتي‏,‏ وبح قلمي‏,‏ إذا صح هذا التعبير وكان مما قلت انه ليس من المعقول أن يكون في كل قرية ناد للرياضة ولا يكون في القري مكتبات فنفع الرياضة فردي يعود علي ممارسها فقط‏,‏ أما الكتاب ففائدته عميقة تشمل المجتمع بأكمله وليس من المعقول أن نهتم بالأقدام ونهمل العقول‏.‏
وإني لأقدم الشكر غاية الشكر للوزير العظيم د‏.‏ حسين كامل بهاء الدين بهذا الأمر الذي أصدره وشفعه بأن الوزارة ستكافئ القائمين علي شئون هذه المكتبات مكافآت خاصة غير المرتب الذي يتقاضونه‏.‏
كم هو رحيم بعباده سبحانه وتعالي ففي سحابات الجهل لا نعدم منه وميض رجاء وفسحة أمل‏,‏ وإني أدعوه جل علاه أن يلقي الاخلاص في أداء الأمانة علي الذين سينفذون هذا الأمر كما تكرم وألهم الوزير بإصداره إنه سبحانه هو الشفوق بعباده جزيل العطاء‏,‏ ذو الأيد تقدست أسماؤه‏....‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب