الكتاب

41081‏السنة 123-العدد1999مايو29‏13 من صفر 1420 هـالسبت

لاشيء غير المرأة
بقلم‏:‏ محمد إبراهيم الشوش

الزوبعة التي تثيرها بعض الجماعات هذه الأيام حول قرار أمير الكويت تصحيح وضع دستوري عجزت عن تصحيحه هيئات المثقفين والمؤسسات الديمقراطية‏,‏ بمنح المرأة الكويتية كامل حقوقها السياسية في الانتخابات والترشيح لمجلس الأمة‏,‏ تمثل حلقة في معركة مستمرة تمتد من بداية النهضة الحديثة في بداية القرن الماضي‏,‏ وهي معركة تتكرر بكل تفاصيلها وأدوارها‏,‏ كما لو كان الزمن قد توقف في هذا الجانب من الأرض‏,‏ أو كما لو كانت مسرحية أسطورية اغريقية قديمة يعرف الرواد ممثليها وأحداثها ومشاهدها مسبقا‏,‏ ويحفظون كلماتها عن ظهر قلب‏.‏
هؤلاء هم حراس المرأة الأزليون‏,‏ والقائمون علي عفتها وطهرها من الفساد والانحلال وعيون الرجال‏.‏ لاشيء يلهيهم عن هذه المهمة المقدسة‏.‏ بل لاشيء آخر في الوجود يثير نخوتهم وغيرتهم علي الدين‏:‏ لاظلم الطغاة‏,‏ ولاقهر المستبدين ولاالرشوة والسرقة العلنية والمستترة ولامجون واستهتار أصحاب النفوذ والسلطان‏,‏ ولا التخلف والفقر‏,‏ ولاحتي الهزيمة وضياع الأرض والعرض والكرامة‏.‏ الجنس والجنس وحده هو غاية همهم‏,‏ ومحط اهتماماتهم ومحور تدينهم‏.‏
في أيام محمد علي والي مصر هرع إليه بعض هؤلاء الحراس فزعين مرتاعين بوصفهم وفدا من علماء الدين‏,‏ ربما بحكم زيهم المميز منذ عهود سلاطين الاتراك‏,‏ ورفعوا إليه عريضة يستعطفونه فيها العدول عن قراره بتعليم المرأة لأن في ذلك مفسدة لها واخراجها من خدرها أحد الكبائر وعلامة من علامات الساعة‏,‏ ولم يكن محمد علي عالما بالشريعة‏,‏ ولكنه لسبب ما فضل قيام الساعة علي العدول عن قرار رأي فيه اساس نهضته التي شرع في بنائها‏,‏ وفي السودان تعرض المربي بابكر بدري للاعتداء لأنه حصل علي اذن بفتح مدرسة أولية للبنات‏.‏
وكما هو متوقع أيضا‏-‏ وبرغم بعد الزمان واختلاف المكان‏-‏ ما إن صدر القرار الأميري بمنح المرأة حقوقها السياسية حتي هبت بعض الجماعات التي تنسب نفسها إلي التيار الإسلامي لماهضته مدعومة بكتيبة من الائمة لتحريض البسطاء من الناس في المساجد‏,‏ وتجنيد نواب القبائل المحافظين ضد هذا الخظر الداهم علي الإسلام‏.‏ وخرجت البيانات التحريضية تحذر من الانسياق وراء دعاة تحرير المرأة واقحامها بما يعود بالمفسدة والضرر علي المجتمع الكويتي‏,‏ ويؤدي إلي تفشي الأمراض الاجتماعية وكما فعلت هذه الجماعات في كل المعارك التي خاضتها لم تذكر سابقة سلبية واحدة من التجربة الكويتية العامرة بالانجازات التي حققتها المرأة في المجالات الاكاديمية والادارية والثقافية وكانت فيها رأس الرمح في مناهضة الغزو العراقي وفضحه واثبتت في كل ذلك أنها أرجح عقلا وأكثر وعيا من كثير من هؤلاء الذين نصبوا انفسهم حراسا وأوصياء عليها‏.‏
والعقلية التي ناهضت تعليم المرأة في عهد محمد علي هي العقلية نفسها التي تقف الآن ضد منح المرأة حقوقها السياسية‏.‏ الفرق ان الاستعطاف حينذاك قد تحول الآن إلي تحد وتمرد صارخ‏,‏ وذلك يحسب للديمقراطية الكويتية‏.‏ والدستور الذي اباح الحرية لهذه الجماعات هونفسه الذي يحمي ايضا حق المرأة بنص صريح يحدد حقوق المواطنين وواجباتهم بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين‏.‏
وإذا كان الدستور يمنح هذه الجماعات الحق في التعبير عن رأيها وإن جاء مخالفا لأعلي سلطة في البلاد‏,‏ فهو لايمنحها حق ادعاء الحديث باسم الإسلام وتكفير المخالفين‏,‏ لأن القبول بذلك يجعلها فوق الحكم وفوق الدستور وفوق القانون‏,‏ ولقد ـ أنكر عليهم الاستاذ فهي هويدي في مجال الجدل حول الاختلاط في الجامعات‏:‏ فكان نصيبه‏-‏ وهو الذي جند قلمه للدفاع عن القضايا الإسلامية‏-‏ هجوما يخرجه عن الملة نشرته صحيفة موالية لهذه الجماعات جعلت عنوانه المثير‏:‏ اتحاد المرأة ومجلة شيوعية وثالثهما فهمي هويدي‏-‏ الثلاثي المثير يدعو للاختلاط ويتجاهل النصوص الشرعية المانعة له‏.‏
ان حق المرأة هو حق دستوري لايقبل النقض من قبل أي جهة‏,‏ والمطروح علي مجلس الأمة هو تحديد آلية التنفيذ لا مبدأ الحق الدستوري‏,‏ وكما خاب مسعي وفد محمد علي‏,‏ وشاركت المرأة في نهضة مصر‏,‏ وكما خاب أمل الذين اعتدوا علي المربي بابكر بدري وتحولت البذرة التي غرسها إلي مدارس وجامعة الاحفاد وهي الآن من أهم جامعات السودان‏,‏ ستنتخب المرأة الكويتية وستجلس في مقاعد البرلمان وستتولي المناصب الوزارية وستنجح كما نجحت في كل المناصب العليا التي تبوأتها بجدارة وكفاءة وستكتمل للكويت نهضته السياسية والفكرية لأنه لاشيء يوقف عجلات الزمن وستسكت اصوات المرجفين كما سكتت من قبل وستبتلعها ـ من حيث انبثقت أول مرة‏-‏ أغوار الكهوف‏,‏ ربما هذه المرة إلي الأبد‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب