|
|
|
رسالة جوهانسبرج : محمد صابرين
|
 | | مبيكى الرجل القادم بعد مانديلا |
شعوب العالم الثالث كثيرا ما تدهش المراقب الغربي واحيانا النخبة المثقفة ذاتها التي تقيم بين ظهرانيها, فلا أحد يمكن علي وجه الدقة أن يحدد لحظة الأنفجار وبدء عملية السخط الاجتماعي في الخروج بقوة إلي السطح بعد ماراثون طويل من الصبر والاحتمال لظروف شديدة القسوة وجنوب أفريقيا ليست استثناء من هذه الظاهرة التي تشكل ملامح البشر في العالم الثالث, وفي الوقت الذي ترسم فيه أحزاب المعارضة وتقارير مراكز الابحاث الدولية صورة قاتمة بل بائسة للواقع بجنوب أفريقيا مما يجعل الرجل القادم إلي سدة الحكم هنا تابومبيكي في عين الاعصار الا ان الغالبية السمراء من أهل البلاد يبدو ان لها رأيا أخر. فوفقا لاستطلاعات الرأي العام الأخيرة قفزت بشعبية المؤتمر من57% إلي62% ليصبح قريبا من أغلبية الثلثين ويأتي هذا التقدم حصيرا للمراقبين ـ علي خلفية إصرار المعارضة ومراكز الابحاث الدولية علي وصفا رصيد الحكومة بالضعف والكشف يوميا عن اخطاء تراها أقرب إلي الخطايا بداية من ارتفاع معدلات الجريمة والعنف واختفاء نصف مليون فرصة عمل في سنوات حكم المؤتمرالخمس وقضايا الفساد والوعود الكثيرة التي لم تتحقق وهنا تبدو الصورة صارخة ومحيرة أمام الرجل القادم إلي الحكم بجنوب أفريقيا والمراقبين معا ومعه السؤال الملغم: تري هل يفتح الباب أم يغلقه؟! وتري أين الوصلان كانت موجودة كي تهدي إلي استشراف نقطة الانفجار او نهاية اثرها الذي تبدي جماهير محرومة الا من الامل عليه وعلي حزبه..؟
من النشوة إلي عدم اليقين؟! من المثير هنا ان يرصد المرء كيف تبدلت حالة النشوة الدولية بجنوب أفريقيا في ظل تحولها التاريخي من العنصرية البغيضة إلي حكم الأغلبية السمراء, ويبدو ان الاساتذة الأمريكيين الذين جاءوا إلي هنا ومعهم البريطانيون وغيرهم للعمل لفترات بمراكز الابحاث كانوا هم أنفسهم اما أسري مناخ الكرنفال الذي صاحب وصول مانديلا إلي الحكم من السجن بعد27 عاما وراء القضبان أو أنهم ساروا علي ركب القادة الرؤساء وزعماء الحكومات الذين تقاطروا هنا للتهنئة و عمل البيزنس أو للظهور في الصورة مع أسطورة القرن نيلسون مانديلا فعلي مدي السنوات الأربع الماضية كان هناك ما يشبه الاجماع علي ان الدولة الوليدة هي محط الأمل و النموذج للعالم الثالث بل ولأيرلندا وبقاع اخري في العالم علي امكانية التعايش بين فرقاء الماضي والأهم مركز الهام للأفارقة في تحقيق معجزة سياسية وأقتصادية تستلهم رايات النظام العالمي الجديد: التعددية السياسية والانفتاح الاقتصادي, وحقوق الانسان وأجندة اجتماعية ليبرالية للغاية: من أباحة الاجهاض والاعتراف بحقوق الشواذ والغاء عقوبة الاعدام ـ لانها بربرية ـ والسماح لصناعة الثقة بالوجود الشرعي! وفجأة يتبدل المناخ مع بدء الاستعداد لرحيل الاسطورة وتولي تابومبيكي لمقاليد الحكم, وبالطبع فان الشهادة التي حملها كتاب الدول المحورية: إطار جديد للسياسة الأمريكية والذي نشره الأهرام مؤخرا ـ يحمل صورة اكثر قربا من الواقع المعاش وبأختصار فان الكتاب يرصد مشكلات هيكلية مميته لجنوب افريقيا في مجالات عدة: فالجريمة تهدد النظام العام, ويتعرض مجتمع البيزنس لعمليات اختطاف وسلب والخوف من الجريمة يهدد الاستثمار الأجنبي والسياحة, بالاضافة إلي انتشار الاسلحة بثمن بخس بسبب الحروب والصراعات في الدول المجاورة وعلي الصعيد الاقتصادي تواجه البلاد انخفاض النمو وسوء توزيع الدخل(53% يعيشون تحت خط الفقر, لا تتجاوز النسبة بين البيض2%), وعلي الصعيد السياسي فان جنوب افريقيا تحت حكم مانديلا تفادت الحرب العنصرية وأرست تقاليد التعددية السياسية والمساواة القانونية الا ان بعد رحيله عن الساحة فان مستقبل جنوب أفريقيا السياسي في حالة عدم يقين! ويقفز الكتاب إلي نتيجة حاسمة ومثيرة بالقول ان جنوب افريقيا لن تكون دولة صناعية حديثة, كما أنها لن تكون ذات اقتصاد عفي, أضافة إلي ان نظامها تهدده الجريمة والمشكلات وبالتالي فانها ستتحرك في المجال الأقليمي والدولي مثقلة بمشكلاتها الداخلية.!
توقعات مبالغ فيها؟! ومنذ عدة أيام أصدر معهد الدراسات الاستراتيجية بلندن تقريرا آخر حول جنوب أفريقيا ومكانتها في المنطقة, وأول ما يصدره التقرير من حكم هو ان التوقعات التي جري الرهان بها علي جنوب أفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري كانت مبالغا فيها ففي عام1994 كان هناك أمل في ان جنوب أفريقيا الحرة والديمقراطية والمتصالحة مع نفسها ـ سوف تحول الجنوب الأفريقي ان لم يكن القارة بأكملها كما بدأ تابومبيكي نائب الرئيس في الحديث عن النهضة الأفريقية واقتصاد وجنوب أفريقيا المتحرر من العقوبات الدولية والمنفتح علي بقية افريقيا كان هناك امل في ان يتطور ويوفر الحوافز الاقتصادية الضرورية لانتشال المنطقة من الفقرة وبينما ظل مانديلا رئيسا للبلاد فان هذه الأحلام ظلت حية فهي علي الأقل أحلامه وعندما يتقاعد بعد انتخابات2 يونيو فان الحكم عليه سيكون لقد كان رجلا رائعا وأعظم انجازاته هي رؤية الانتقال من الفصل العنصري وتجنب الكارثة, ولكن في ظل رئاسة فان جنوب افريقيا الدولة والاقتصاد والمجتمع لم تتحرك بالسرعة وإلي المدي الذي انت بحاجة اليهما!. ويذهب التقرير الذي أذاعه تليفزيون جنوب أفريقيا فقرة خاصة به من لندن مع تعقيب من سفارتهم عليه إلي ان المجتمع متصدع حيث أن الاقتصاد لم يسجل أي نمو عام1997 وقد فقدت العملة25% من قيمتها ومن المرجح ان الفشل في تحقيق نمو اقتصادي علي المدي الطويل سوف يوجد مشاكل سياسية اذا لم تتمكن الحكومة من توفير حياة أفضل للغالبية العظمي من الأفارقة, ويقول التقرير ان عملية الانحسار التي واجهت جنوب افريقيا تعود الي أمور داخلية وخارجية منها تباطؤ الاقتصاد العالمي مما أثر علي الطلب علي منتجات جنوب أفريقيا وهروب الأموال من جميع الاسواق الصاعدة وعلي الصعيد الداخلي هناك القوانين العمالية الجامدة وارتفاع تكلفة العمالة اللتين تسببتا في عدم تشجيع المستثمرين الاجانب علي القدوم بالأضافة إلي صورة جنوب افريقيا التي تسيطر عليها الجريمة, وفيما يتعلق بالوضع السياسي الداخلي فان المعارضة الداخلية الجادة التي تواجه المؤتمر تأتي من جانب حلفائه ـ نقابات العمال والحزب الشيوعي ـ فعلي الرغم من انهم مستمرين في التحالف الان الا انه من الصعب رؤية استمرارهم علي المدي الطويل في ظل سياسات السوق المفتوح التي يقولون انها لم تعرف بحياة افضل للمواطنين.
الرجل القادم! ويلقي التقرير الضوء علي أول عملية انتقال للسلطة في جنوب افريقيا الجديدة مشيرا إلي ان السؤال الكبير هو ما الذي سيجري بعدما يرحل مانديلا؟ ويقول انه علي الرغم من ان البعض يري ان عملية الانتقال قد تمت بالفعل نظرا لأن مبيكي كان يدير دفة الأمور منذ سنوات عدة ولكن ستكون هناك اختلافات من ابرزها التصور الدولي لجنوب افريقيا بدون مانديلا فمانديلا كان يمثل حركة التصدي الاسود ولكنه ايضا المصالحة العرقية مع البيض خلال فترة التحول, ولكن مبيكي في المقابل سيكون حريصا علي توصيل ثمار الحرية إلي مواطنيه وهذا ليس أمرا يتعلق بالتفضيلات الشخصية وانما يتعين علي مبيكي ان يفعل ذلك حتي يستمر سياسيا. ويضع التقرير يده علي مشكلة صعبة بالقول انه في ظل اقتصاد يعاني من الكساد فان مبيكي سيكون غير قادر علي اعطاء السود دون الأخذ من البيض وفي ظل هذه الظروف السياسية فان الجميع سينظرون إلي كبش فداء يثير واضع التقرير إلي أن الأمر الاكثر أهمية علي المدي الطويل هو ان مبيكي سيدير حكومة جنوب افريقيا بصورة تشبه تلك التي يدير بها الزعماء الأفارقة الأخرون بلدانهم إلا وهي تحويلها للدوران حول شخصه. ويوضح التقرير ان في مقابل مانديلا الذي كان لديه ثقة عظيمة في المؤسسات والذي أعطي عظيم تأييده حتي للمؤسسة القضائية التي استدعته للشهادة امامها, فان مبيكي هو رجل الدائرة الضيقة حيث انه من المرجح عند تعاملاته مع الوزراء ان يتصل باحد خلصائه المقربين كي يكشف عن رغباته بدلا من العمل من خلال الهياكل الرسمية, ومع خروج العديد من الوزراء من العمل بالتقاعد أو بالأجبار ـ فان العديد من الوزراء الذين هم أصغر بقليل من مانديلا أفسحوا المجال لمبيكي لاختيار مؤيدين في الوظائف الكبري, ويطرح التقرير نقطة اختلاف اخري تتعلق بمدي استجابة مانديلا ومبيكي للنقد ففي حين أن الأول كان يتعامل مع النقد بصورته جادة ويحاول الاجابة عليه الا ان مبيكي أظهر نفسه اكثر حساسية تجاه النقد والأمر الاخر هو ان مبيكي لم يلتزم بكثير من المواعيد وعلي غرار العديد من الزعماء الافارقة فانه من المرجح ان يلتزم بما يعتقد انه مهم اكثر من الحفاظ علي جدول أعمال!
بدون مانديلا؟! ويخلص التقرير إلي ان المكانة الشخصية المتألقة لمانديلا قد أعمت الكثيرين عن حقيقة ان جنوب افريقيا قد اصبحت بصورة تدريجية دولة افريقية عادية, فهي تتأرجح مابين النجاح الاقتصادي الذي ميزها ذات مرة بأنها مختلفة والانزلاق إلي ظروف الجريمة والفقر والاضطراب واقتصاد جنوب أفريقيا يعاني من تأثيرات تباطؤ الاقتصاد العالمي مع انحسار الاسواق العالمية والتمويل الاستثماري الذي تحتاجه البلاد بشدة, ويحذر واضعوا التقرير من انه اذا ما استمرت جنوب أفريقيا في النهج الذي تسير عليه حاليا فانه سيكون في حكم المؤكد ان تصبح دولة فاشلة وفي نفس الوقت فان تراث مانديلا كرجل هندس الانتقال من التفرقة العنصرية الي الديمقراطية هو أمر مأمون, ولكن من اجل منع انجازه ان يصبح الخطوة الأخيرة بدلا من الاول ـ تجاه مستقبل سعيد فان خليفته سيحتاج لأن يعمل أكثر من مجرد التجارة بسمعة مانديلا!.
العدو الأول: السخط الاجتماعي ولا يختلف جاي سوريرية مدير مركز الدراسات الامنية بجنوب افريقيا عن دوتمباسونو الاستاذ بكلية الادارة بجامعة بريتوريا ورئيس معهد العلاقات العرقية في التوصيف للعدو الأول لجنوب افريقيا وحكومة حزب المؤتمر الا وهو السخط الاجتماعي ويذهب د سونو احد ابرز المثقفين السود والذي يثير بمقالاته أجواء الحياة السياسية الثقافية هنا إلي هذا السخط الاجتماعي الذي يهدد استقرار البلاد اكثر من الارهاب واليمين المتطرف خاصة اذا لم تلجأ حكومة المؤتمر الي مزيد من الافعال اكثر من الكلام واذا لم تنجح في خفض البطالة والتعلم في الجريمة ويري الرجل ان مبيكي الرئيس القادم في موقف صعب للغاية لان جنوب أفريقيا ليست غنية بالدرجة الكافية حتي يمكنها ان تنظم برنامجا ضخما لاعادة توزيع الثروة والعمالة بشكل كبير وان املها الوحيد ان تمدد اقتصادها بحيث تتوسع القاعدة الخاصة بتحصيل الضرائب التي بدونها سيكون علي الحكومة الاعتماد علي المعونة الدولية, وهذا بدوره علي حد تعبير الرجل القادم من الولايات المتحدة بعد تدريسه في جامعاتها لن يساعد علي تحرير جنوب افريقيا ويسارع د. سونو ليؤكد أن بلاده لا يجب تتبع نموذج موجابي يقصد رئيس زيمبابوي ـ ومحاولة ايجاد نموذج اشتراكي لانه نموذج فاشل ويقول بحسم ان الشيوعية والتأميم قد فشلا! ويري د. سونو ان الحكومة الجديدة عليها ان تعمل علي رفع مستوي هؤلاء الذين يحتاجون الرعاية وجري استبعادهم من قبل النظام الاقتصادي السابق( يقصد اثناء الحكم العنصري), وهذا الأمر مطلوب بأسرع ما يمكن وتحتل مكان القلب منه عملية التحول الاقتصادي ويركز علي أن العديد من المواطنين السود بحاجة إلي التخرج من الفقر إلي الملكية, وفي كتابه الأخير الذي صدر خلال الشهر الماضي تحت عنوان من الفقر إلي الملكية يضع خمس خطوات: يبدؤها بضرورة وضع الأساسيات في مكانها السليم حتي يمكن ان يعمل الناس بدافع مصالحهم الذاتية وذلك بأعتباره المفتاح لعملية التحول في اقتصاد جنوب افريقيا بالأضافة إلي تلبية التوقعات للمواطنين من خلال النمو والتوظيف واعادة توزيع الثروة واتباع سياسات الفوز للجميع ويضيف د. سونو في خطة عمله التي يبدو أنها تخاطب أهل الحكم بضرورة توزيع غنائم الديمقراطية ومنح الأراضي للمشردين وايجاد مناطق للأسكان الخاص وتوفير مناطق للتنمية الاقتصادية وبيع ممتلكات الدولة لسداد ديون الحكومة. وبالاضافة إلي ذلك يدعو الحكومة إلي تحديد أهداف العملية الانتقال برفاهية المواطنين والضمان الاجتماعي للمحتاجين بحيث يستفيد من هم في حاجة فقط بصورة مباشرة كلما أمكن ذلك.
معضلة الحكومة المقبلة؟! بالرغم من أن جنوب افريقيا بحاجة لعمل قطيعة مع الماضي من اجل تأمين المستقبل إلا ان الدمار الذي خلفته الحقبة العنصرية سوف يستلزم عقودا طويلة لاعادة اصلاحه, ويقر د. سونو بأنه لا توجد طريقه مرضية بصورة كاملة يمكن لأي حكومة ديمقراطية ان تحمل علي عاتقها اعادة توزيع الثروة دون ان تتصرف بصورة ماعلي نحو غير عادل, وفي ظل الضغوط التي تتعرض لها الحكومة من اجل تلبية توقعات الأغلبية فانه من السهل ان يسفر الأمر عن زيادة عهد الضرر الذي تسبب فيه الفصل العنصري, فعملية نقل الموارد والفرص بصورة تقليدية من المحظوظين ان الأقل حظا من شأنها ان تسفر عن زيادة التوتر العرقي في البلاد بل يمكنها ان تؤدي إلي هجرة الأموال والمهارات التي تحتاجها البلاد بشدة وستؤثر بصورة حاسمة في مستقبل المواطنين الذين ترغب الحكومة في رفع مستواهم ويؤكد د. سونو أن جنوب أفريقيا بحاجة أكثر إلي أعادة توزيع الثروة الحالية بل عملية ديناميكية لايجاد الثروة حتي يمكنها توفير فرص عمل كافية للأعداد المتزايدة التي تترك المدارس, ويري أن أفريقيا سوف تنمو بصورة أسرع في ظل اقتصاد اكثر حرية وعدالة ويعتمد علي التبادل الطوعي مابين المواطنين وهاجم سونو التشريعات الأخيرة ومشروعات التشريعات المطروحة وبخاصة قانون العدالة الوظيفية نظرا لان يحابي نقابات العمال علي حساب أصحاب الأعمال والمتعطلين عن العمل, ويشير إلي ان الضغوط من قاعدة الناخبين تلعب دورا في تمرير مثل هذه القوانين الا ان الحكومة يتعين ان تقاوم ذلك لأن التأثير طويل المدي سيكون سلبيا وبخاصة بالنسبة للفقراء والعاطلين. ويبقي في النهاية أن تابومبيكي الرجل القادم إلي مقعد الحكم في جنوب أفريقيا سيواجه تركة ثقيلة لا تنحصر فقط في ضغوط الشركات المتعددة الجنسيات والقوي الغربية ومؤسسات التمويل الدولية من اجل الاسراع ببرامج الاصلاح الاقتصادي ـ والأهم خصخصة الكيانات الاقتصادية العملاقة وتخفيف القوانين الحمائية والالتزام بقوانين حماية الملكية الفكرية ـ مثل النزاع حول قوانين الدواء مع الولايات المتحدة أو صادرات الصلب من جنوب افريقيا للسوق الأمريكية, بل ان مبيكي يتعرض لضغوط من الناحية الاخري من حلفاء التحالف ـ الحزب الشيوعي ونقابات العمال ـ كي لا يستجيب لهذه الوصفة الليبرالية ذات الثمن المر وان يشدد من قوانين العمل ولا تنتهي الضغوط عند هذا الحد بل ان جيوش العاطلين والمحرومين تطلب حلا سريعا لمأساتهم لا ان يضيف مبيكي بسياساته مزيدا من العاطلين( نصف مليون وظيفة تبخرت خلال5 سنوات) وان يضيف مدارس جديدة ومستشفيات وان يطعم مزيدا من الافوة الجائعة, والأخطر أن عليه ان يفعل كل ذلك بقبضة من حديد وفي ظل صرخات تنطلق في وجهه من جميع الاتجاهات تدعوه لأن يكون عنيفا في مواجهة الجريمة فالأمر لم يعد يحتمل فكل يوم يلقي اكثر من60 شخصا مصرعهم و130 سيدة يتم اغتصابها واذا كانت الجريمة والعنف والارهاب باتت القاسم المشترك لحياة البيض والسود, وبالطبع في مقابل الضغوط هناك مغريات كثير ستواجه الرجل القادم إلي مقعد الحكم تصاحب الضغوط السابقة, فبينما الجميع يصيح في وجهه حقق الوعود والمطلوب والا المصير غير مأمون؟! فان ذلك يحل أغواء تركيز السلطات خاصة اذا تكبروهو الأرجح من الفوز بأغلبية الثلثن واذا ما لحق مانجستوبوتيايزي زعيم حركة انكاثا والمعروف بقبضته القوية إلي سفينة الحكم كنائب للرئيس في صيغة تحالف مع المؤهل مثلما هو يتردده بقوة ـ وفي هذه الحالة فانه ليس هناك مايكبح انزلاق جنوب أفريقيا كي تكون دولة افريقية اخري وان يتم التضحية بهوامش الحرية وبذور الديمقراطية الوليدة علي مذبح دولة الحزب الحاكم الواحد ومن اجل السيطرة والاستقراب والوفاء بالوعود, وايا ما كان الطريق الذي سيختاره مبيكي فانه لايمكن بل ولا يمكننا نحن ايضا ان نعرف إلي متي سوف يستمر تأييد الغالبية السمراء قبل ان تقرر كفاية ـ كفاية وتسحب التفويض وتبدأ حالة السخط الاجتماعي البعض يعطي المؤتمر خمس سنوات اخري واخرون يذهبون الي ابعد من ذلك ولكن ليس بكثير والمهم اننا لا نملك سوي ان نراقب لان جنوب افريقيا بصورة او باخري تبدو الرهان الاخير علي النجاح او انتكاسة قصة نجاح ديمقراطية في القارة الافريقية.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|