قضايا و اراء

41081‏السنة 123-العدد1999مايو29‏13 من صفر 1420 هـالسبت

صنع في مصر .. ليس انحيازا عاطفيا
بقلم : جمال بدوي

كشفت الفجوة الواسعة بين التصدير والاستيراد عن تصور في الحس الوطني‏,‏ وضعف في الخلق الاجتماعي لايقل ضررا عن القصور في التوجهات الاقتصادية التي تعوق عملية التصدير‏,‏ وتعجز عن كبح عملية الاستيراد‏,‏ وهي حلقة خاض فيها المختصون في شئون الاقتصاد‏,‏ وبحثوا أسبابها ومسبباتها‏,‏ أما نحن المتابعين لاتجاهات الرأي العام‏,‏ فالذي يعنينا تحليل هذه الظاهرة بتداعياتها الاجتماعية والنفسية والخلقية‏.‏ وما تمثله من دلالات علي عدم الثقة بالنفس‏,‏ واهتراء حبل الانتماء‏.‏ والانبهار بالغريب‏.‏
ولا شك أن انفتاح شهية المجتمع علي السلع المستوردة تحركه عوامل سلبية دفينة تعود الي الولع بكل ما هو أجنبي‏,‏ والتباهي باقتنائه كمظهر للوجاهة والاستغلاء الاجتماعي‏,‏ يقابله النفور من المنتج المصري كأنه عورة تستدعي الإخفاء‏.‏ تري ذلك في سلوك الفرد كما تراه في حرص بعض شركات البناء علي طمأنة زبائنها بأن تشطيب شققها من السيراميك المستورد والرخام الأجنبي‏(!!)‏ في حين أن المنتج المصري من هذه الأشياء لا يقل إتقانا عن مثيله الاجنبي‏,‏ وحتي اذا كان الأجنبي أفخم درجة أو درجتين‏,‏ فإن المصلحة الوطنية تقتضي التغاضي عن هذا الهامش كضريبة يدفعها المواطن راضيا من أجل رواج وتشجيع وازدهار الاقتصاد القومي‏.‏
ولا ينبغي الرد بأن كل إنسان حر في إنفاق أمواله علي الوجه الذي يرضي مزاجه‏(...)‏ طالما أنه يسدد الضرائب‏,‏ ويؤدي الفرائض‏,‏ ويدفع الرسوم الجمركية‏,‏ فالحرية الفردية تحكمها المصلحة الجمعية‏,‏ والمزاج الشخصي لابد أن يراعي الشعور العام ولا يستفزه أو يستعديه‏,‏ وإلا فقد المجتمع وحدته وتحول إلي فئات متناحرة يتحكم فيها الحقد والتربص‏.‏ ولنا أن نتصور حالة الرأي العام عندما يسمع ويقرأ عن الأثرياء الذين يستوردون في حفلاتهم لحوم الكانجارو من أستراليا‏..‏ والزهور من أندونيسيا‏..‏ وكأن مصر عقمت عن إنتاج اللحوم والزهور‏(!!)‏ ولكنها الفشخرة التي تصيب بعض الأثرياء الجدد‏,‏ فتدفعهم الي السفه والحمق‏..‏ ولنا أن نقارن هذا السلوك المستفز بما كان عليه المصريون عند إنشاء بنك مصر وشركاته بأموال مصرية صميمة‏,‏ فكان المصري يشعر بالعزة والفخر لأنه يلبس من صوف المحلة‏,‏ وحرير كفر الدوار‏,‏ ويركب الطائرة أو الباخرة المصرية‏,‏ وإن كانت أقل فخامة من مثيلتها الأجنبية‏,‏ وكان الناس يسمعون من الراديو صوت مطربة لا أذكر اسمها تتغني بمصنوعات بلدها وتقول لمحبوبها‏:‏ لبسني من صنع بلادي‏..‏ أوهب لك روحي وفؤادي‏,‏ وكان حب مصر حبا حقيقيا تتجلي مظاهره في سلوك الفرد ووعيه‏,‏ وليس شقشقة لسانية‏,‏ أو شعارات لفظية فارغة من المضمون‏.‏
كان شعار‏(‏ صنع في مصر‏)‏ تعبيرا عن الانتماء الي وطن يسعي الي تثبيت وجوده أمام العالم الخارجي‏,‏ وكان تشجيع الانتاج الوطني ومقاطعة السلع الاجنبية من أقوي الأسلحة التي شهرها المصريون اثناء ثورتهم الشعبية في وجه بريطانيا بجيوشها وأساطيلها‏,‏ يستوي في ذلك الفلاح الذي يستخدم البذور والسماد المحلي‏,‏ وعلية القوم الذين قاطعوا المنتجات الأجنبية بكل ما فيها من رقة ونعومة‏,‏ واستعملوا السلع المصرية وقد تكون أقل جودة وأكثر خشونة‏,‏ وعندما بعث الزعيم سعد زغلول من منفاه في سيشل في أغوار المحيط الهندي‏,‏ يطلب من المصريين مقاطعة البضائع الانجليزية‏,‏ لم يتخلف عن دعوته أحد‏..‏ ويحضرني في هذا المقام مسلك قطب الحركة الوطنية فخري عبد النور الذي جمع كل محتويات قصره من المنتجات الانجليزية ـ بما فيها العطور ـ ووضعها أمام باب بيته بالعباسية وأشعل فيها النار‏,‏ واتجه إلي استعمال نوع من الكولونيا المصرية ـ وكانت صناعة وليدة وبدائية ـ فاذا ضمخ وجهه بعد الحلاقة بهذه الأصناف الرديئة‏,‏ شعر بالصهد يدب في وجهه‏,‏ فلا يملك إلا أن يصيح مرددا‏:‏ منك لله يا سعد باشا‏(!!)‏ ولم يكن سعد باشا في مصر ليراقب تصرفات أعوانه‏,‏ ولكنهم كانوا يفعلون ذلك اتساقا مع ضمائرهم الحية‏,‏ واتفاقا مع أخلاقهم المتينة التي تضع مصلحة الوطن فوق المتعة الشخصية‏,‏ والرفاة الاجتماعي‏.‏
وهذه الروح الوطنية المنحازة الي الصناعة المصرية‏,‏ من أبرز صفات الرئيس مبارك‏,‏ فهو لا يدخر وسعا في الدعوة إلي رواج المنتج المصري‏,‏ وأذكر ـ أثناء رحلة للرئيس إلي ليبيا ـ ونحن داخل الطائرة سمعت الرئيس يحدث الوزراء الليبيين عن ميزات صناعة الملابس الجاهزة المصرية‏,‏ ويشيد بالقمصان المصنوعة من القطن المصري‏,‏ وبالصدفة‏,‏ كنت أرتدي قميصا من نفس النوع الذي يتحدث عنه الرئيس‏,‏ فنهضت من مقعدي وتقدمت نحو الرئيس‏,‏ وقلت له إن هذا القميص من النوع الذي يتكلم عنه‏,‏ فأخذ الرئيس يتفحصه بأصابعه‏,‏ ويطلب من الوزراء الليبيين أن يتأكدوا من جودة الصناعة المصرية‏(...)‏ فإن هذه الروح البناءة تقابلها نزعة مضاءة تعمل علي الترويج للسلع المستوردة عن طريق الدعاية والإعلان‏..‏ وتستغل عقدة الاعجاب بالاجنبي لتعميق النفور من الصناعة المحلية‏(!!)‏
نحن في حاجة إلي صحوة نفسية تعين للمستهلك المصري ثقته في منتجات بلاده‏,‏ وتوضح له خطورة التكالب علي السلع المستوردة‏,‏ علي أن تشمل هذه الصحوة جماعة رجال المال والأعمال الذين آلت اليهم تعاليم الاستيراد والتصدير‏,‏ فنشطوا في الأولي‏,‏ وتكاسلوا في الثانية‏,‏ حتي اتسعت الفجوة بينهما‏,‏ وتضاءل حجم التصدير الي رقم متواضع بالقياس الي المليارات التي تبتلعها فوهة الاستيراد‏.‏ ولعل فئة رجال الاعمال هم أولي الناس بأن يكونوا مثلا وقدوة في تشجيع ما تنتجه بلادهم‏,‏ وأن يظهر ذلك عمليا في سلوكياتهم وملابسهم وطعامهم وشرابهم وحفلاتهم حتي يصدق الناس أنهم منحازون فعلا الي الصناعة الوطنية‏.‏
وليس معني الانحياز للوطن التغاضي عن عيوبه‏,‏ بل العكس هو المطلوب‏..‏ يعني لابد من الجدية والحزم والرقابة علي عملية الانتاج حتي يكسب المنتج المصري ثقة أهله وأصحابه قبل أن يسعي الي كسب ثقة الآخرين‏..‏ ولابد من الالتفاف حول الصناعة المحلية وتجديدها والارتقاء بها حتي تقف علي قدم المساواة مع غيرها‏,‏ وبذلك تضيق الفجوة وتزداد فرص العمل والمهارة أمام شباب مصر‏,‏ وتستطيع مصر اللحاق بالدول المصدرة التي كانت‏,‏ قبل سنوات معدودة‏,‏ في عداد الدول المتخلفة‏,‏ ولكنها استطاعت أن تختزل مسافة التخلف بالجهد الصادق‏,‏ والعمل الخلاق‏,‏ واحترام قيمة الزمن‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب