|
|
|
كشفت الفجوة الواسعة بين التصدير والاستيراد عن تصور في الحس الوطني, وضعف في الخلق الاجتماعي لايقل ضررا عن القصور في التوجهات الاقتصادية التي تعوق عملية التصدير, وتعجز عن كبح عملية الاستيراد, وهي حلقة خاض فيها المختصون في شئون الاقتصاد, وبحثوا أسبابها ومسبباتها, أما نحن المتابعين لاتجاهات الرأي العام, فالذي يعنينا تحليل هذه الظاهرة بتداعياتها الاجتماعية والنفسية والخلقية. وما تمثله من دلالات علي عدم الثقة بالنفس, واهتراء حبل الانتماء. والانبهار بالغريب. ولا شك أن انفتاح شهية المجتمع علي السلع المستوردة تحركه عوامل سلبية دفينة تعود الي الولع بكل ما هو أجنبي, والتباهي باقتنائه كمظهر للوجاهة والاستغلاء الاجتماعي, يقابله النفور من المنتج المصري كأنه عورة تستدعي الإخفاء. تري ذلك في سلوك الفرد كما تراه في حرص بعض شركات البناء علي طمأنة زبائنها بأن تشطيب شققها من السيراميك المستورد والرخام الأجنبي(!!) في حين أن المنتج المصري من هذه الأشياء لا يقل إتقانا عن مثيله الاجنبي, وحتي اذا كان الأجنبي أفخم درجة أو درجتين, فإن المصلحة الوطنية تقتضي التغاضي عن هذا الهامش كضريبة يدفعها المواطن راضيا من أجل رواج وتشجيع وازدهار الاقتصاد القومي. ولا ينبغي الرد بأن كل إنسان حر في إنفاق أمواله علي الوجه الذي يرضي مزاجه(...) طالما أنه يسدد الضرائب, ويؤدي الفرائض, ويدفع الرسوم الجمركية, فالحرية الفردية تحكمها المصلحة الجمعية, والمزاج الشخصي لابد أن يراعي الشعور العام ولا يستفزه أو يستعديه, وإلا فقد المجتمع وحدته وتحول إلي فئات متناحرة يتحكم فيها الحقد والتربص. ولنا أن نتصور حالة الرأي العام عندما يسمع ويقرأ عن الأثرياء الذين يستوردون في حفلاتهم لحوم الكانجارو من أستراليا.. والزهور من أندونيسيا.. وكأن مصر عقمت عن إنتاج اللحوم والزهور(!!) ولكنها الفشخرة التي تصيب بعض الأثرياء الجدد, فتدفعهم الي السفه والحمق.. ولنا أن نقارن هذا السلوك المستفز بما كان عليه المصريون عند إنشاء بنك مصر وشركاته بأموال مصرية صميمة, فكان المصري يشعر بالعزة والفخر لأنه يلبس من صوف المحلة, وحرير كفر الدوار, ويركب الطائرة أو الباخرة المصرية, وإن كانت أقل فخامة من مثيلتها الأجنبية, وكان الناس يسمعون من الراديو صوت مطربة لا أذكر اسمها تتغني بمصنوعات بلدها وتقول لمحبوبها: لبسني من صنع بلادي.. أوهب لك روحي وفؤادي, وكان حب مصر حبا حقيقيا تتجلي مظاهره في سلوك الفرد ووعيه, وليس شقشقة لسانية, أو شعارات لفظية فارغة من المضمون. كان شعار( صنع في مصر) تعبيرا عن الانتماء الي وطن يسعي الي تثبيت وجوده أمام العالم الخارجي, وكان تشجيع الانتاج الوطني ومقاطعة السلع الاجنبية من أقوي الأسلحة التي شهرها المصريون اثناء ثورتهم الشعبية في وجه بريطانيا بجيوشها وأساطيلها, يستوي في ذلك الفلاح الذي يستخدم البذور والسماد المحلي, وعلية القوم الذين قاطعوا المنتجات الأجنبية بكل ما فيها من رقة ونعومة, واستعملوا السلع المصرية وقد تكون أقل جودة وأكثر خشونة, وعندما بعث الزعيم سعد زغلول من منفاه في سيشل في أغوار المحيط الهندي, يطلب من المصريين مقاطعة البضائع الانجليزية, لم يتخلف عن دعوته أحد.. ويحضرني في هذا المقام مسلك قطب الحركة الوطنية فخري عبد النور الذي جمع كل محتويات قصره من المنتجات الانجليزية ـ بما فيها العطور ـ ووضعها أمام باب بيته بالعباسية وأشعل فيها النار, واتجه إلي استعمال نوع من الكولونيا المصرية ـ وكانت صناعة وليدة وبدائية ـ فاذا ضمخ وجهه بعد الحلاقة بهذه الأصناف الرديئة, شعر بالصهد يدب في وجهه, فلا يملك إلا أن يصيح مرددا: منك لله يا سعد باشا(!!) ولم يكن سعد باشا في مصر ليراقب تصرفات أعوانه, ولكنهم كانوا يفعلون ذلك اتساقا مع ضمائرهم الحية, واتفاقا مع أخلاقهم المتينة التي تضع مصلحة الوطن فوق المتعة الشخصية, والرفاة الاجتماعي. وهذه الروح الوطنية المنحازة الي الصناعة المصرية, من أبرز صفات الرئيس مبارك, فهو لا يدخر وسعا في الدعوة إلي رواج المنتج المصري, وأذكر ـ أثناء رحلة للرئيس إلي ليبيا ـ ونحن داخل الطائرة سمعت الرئيس يحدث الوزراء الليبيين عن ميزات صناعة الملابس الجاهزة المصرية, ويشيد بالقمصان المصنوعة من القطن المصري, وبالصدفة, كنت أرتدي قميصا من نفس النوع الذي يتحدث عنه الرئيس, فنهضت من مقعدي وتقدمت نحو الرئيس, وقلت له إن هذا القميص من النوع الذي يتكلم عنه, فأخذ الرئيس يتفحصه بأصابعه, ويطلب من الوزراء الليبيين أن يتأكدوا من جودة الصناعة المصرية(...) فإن هذه الروح البناءة تقابلها نزعة مضاءة تعمل علي الترويج للسلع المستوردة عن طريق الدعاية والإعلان.. وتستغل عقدة الاعجاب بالاجنبي لتعميق النفور من الصناعة المحلية(!!) نحن في حاجة إلي صحوة نفسية تعين للمستهلك المصري ثقته في منتجات بلاده, وتوضح له خطورة التكالب علي السلع المستوردة, علي أن تشمل هذه الصحوة جماعة رجال المال والأعمال الذين آلت اليهم تعاليم الاستيراد والتصدير, فنشطوا في الأولي, وتكاسلوا في الثانية, حتي اتسعت الفجوة بينهما, وتضاءل حجم التصدير الي رقم متواضع بالقياس الي المليارات التي تبتلعها فوهة الاستيراد. ولعل فئة رجال الاعمال هم أولي الناس بأن يكونوا مثلا وقدوة في تشجيع ما تنتجه بلادهم, وأن يظهر ذلك عمليا في سلوكياتهم وملابسهم وطعامهم وشرابهم وحفلاتهم حتي يصدق الناس أنهم منحازون فعلا الي الصناعة الوطنية. وليس معني الانحياز للوطن التغاضي عن عيوبه, بل العكس هو المطلوب.. يعني لابد من الجدية والحزم والرقابة علي عملية الانتاج حتي يكسب المنتج المصري ثقة أهله وأصحابه قبل أن يسعي الي كسب ثقة الآخرين.. ولابد من الالتفاف حول الصناعة المحلية وتجديدها والارتقاء بها حتي تقف علي قدم المساواة مع غيرها, وبذلك تضيق الفجوة وتزداد فرص العمل والمهارة أمام شباب مصر, وتستطيع مصر اللحاق بالدول المصدرة التي كانت, قبل سنوات معدودة, في عداد الدول المتخلفة, ولكنها استطاعت أن تختزل مسافة التخلف بالجهد الصادق, والعمل الخلاق, واحترام قيمة الزمن.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|