ملفات الأهرام

41081‏السنة 123-العدد1999مايو29‏13 من صفر 1420 هـالسبت

اوراق القرن العشرين
اليابان تنتصر علي روسيا في خليج تسوشيما
‏27‏ مايو‏1905‏

إعداد‏:‏ ليلي حافظ
تتجمع الظروف لكي تبني قوة عظمي‏,‏ وتدمر قوة أخري‏,‏ ثم تأتي الحرب لكي تحسم الامور‏.‏ وكانت الحرب اليابانية الروسية في عام‏1905‏ والمعركة التي وقعت في خليج تسوشيما في‏27‏ مايو من نفس العام‏,‏ حين دمرت اليابان اخر سفن الاسطول الروسي القادمة من الغرب‏,‏ هي العنصر الذي حسم الامور في المنطقة لكي تنزوي روسيا القيصرية كقوة كبري في العالم الي الابد‏,‏ وتصعد اليابان لتشهد إزدهارا عسكريا واقتصاديا وإعترافا عالميا بانها قوة عظمي جديدة‏.‏
ففي بداية القرن العشرين كانت روسيا القيصرية إمبراطورية كبيرة ولكن ضعيفة‏,‏ بسبب نظامها السياسي الاستبدادي‏,‏ وتدهور الوضع الاقتصادي‏,‏ مما اشعل المعارضة بين المثقفين والطبقة العمالية الجديدة فيها‏.‏ وفي السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهدت روسيا موجة من العمليات الارهابية التي نظمتها جماعات مختلفة من بين الطبقات العمالية والمثقفين‏,‏ مما بات يهدد القيصر الضعيف‏,‏ نيقولا الثاني‏,‏ وتحولت تلك العمليات الارهابية الي موجة ثورية اختلطت فيها الافكار الشيوعية والليبرالية‏,‏ ففي ذلك الحين كان فلاديمير ايليتش لينين قد بدأ تنظيم‏'‏ الوحدة من اجل تحرير الطبقة العمالية‏',‏ وفي نفس الوقت كانت الحركة الثورية الليبرالية قد بدأت تتشكل من بين ابناء الطبقة البرجوازية‏,‏ مثل الاطباء والمحامين الذين كانوا يطالبون بحلول غربية مثل الملكية الدستورية والنظام البرلماني والاصلاح الزراعي والصناعي‏,‏ وتشكل‏'‏ الاتحاد من اجل الحرية‏'.‏
أمام تلك الفورات الثورية بين طوائف الشعب الروسي‏,‏ لم يكن امام النظام الضعيف الا أن يبحث عن مخرج خارجي كما قال بليفي‏,‏ وزير الداخلية‏:'‏ اننا في حاجة الي حرب صغيرة ننتصر فيها لوقف المد الثوري‏'.‏ وقد كان‏.‏ فقد انتهج القيصر الروسي نيقولا الثاني سياسة مغامرة في مانشوريا‏,‏ مما أعطي اليابان الفرصة لكي تعلن الحرب علي روسيا ثم تهزمها‏.‏
لم تكن اليابان بعيدة عن التطور العالمي الاقتصادي والاجتماعي‏,‏ فمنذ منتصف القرن التاسع عشر أدركت أن عليها تطبيق سياسة التحديث حتي تستطيع حماية إمبراطوريتها من العدو الخارجي‏.‏ فقامت بتطبيق النظم الأوروبية لخدمة التقاليد اليابانية‏.‏ وخلال سنوات قليلة قامت بثورة إجتماعية حقيقية الغت خلالها النظام الاقطاعي‏,‏ والطبقية‏.‏ واضطرت الارستقراطية في النهاية الي الرضوخ أمام الثورة الجديدة‏.‏ ثم طبقت ثورة سياسية حيث تم تأسيس ملكية مركزية ونظام دستوري‏.‏ وفي نفس الوقت قامت بتحولات إقتصادية فقامت بجذب رؤوس الاموال الاجنبية وببناء شبكة من السكة الحديد وشبكة تلغراف وأسطول تجاري ضخم‏,‏ وتلا التحولات الاقتصادية ثورة صناعية خاصة في قطاع النسيج‏,‏ كما عملت علي استجلاب الات صناعية حديثة‏.‏
لحماية كل تلك التحولات التي صاحبت اليابان مع بداية القرن العشرين كان لابد لها من تاسيس جيش قوي ودائم بدلا من الساموراي‏,‏ يقوم علي التجنيد الاجباري ويضع أساسه المستشارون الالمان‏.‏ فوصل الجيش الي‏120‏ الف جندي مع بدايات القرن العشرين‏,‏ كما تشكل اسطول حربي بمساعدة الضباط البريطانيين والمهندسين الفرنسيين‏.‏ ومع العقلية اليابانية المتفانية في خدمة الامبراطور والوطن‏,‏ تحول الجيش الي أداة تثير الخوف في الدول الاخري‏.‏ فكان لابد في ذلك الحين وبعد أن حققت اليابان قوتها الداخلية ان تتجه الي الخارج‏,‏ فغزت الصين اولا‏,‏ ثم هزمت روسيا ثانيا‏.‏
من الناحية العسكرية كانت أسباب الحرب اليابانية الروسية هو إصطدام المصالح بين البلدين في نفس المنطقة‏.‏ فقد كانت روسيا تعمل علي توسيع رقعة ممتلكاتها الخارجية في الشرق الاقصي‏,‏ خلال القرن التاسع عشر‏,‏ وفي نهاية القرن وقعت روسيا مع الصين إتفاقية بمد خط سكة الحديد عبر سيبيريا الي فلاديفوستوك في الشرق‏,‏ ليمر في مانشوريا‏,‏ مما اعطي الروس سيطرة جزئية علي الاقليم‏.‏ وفي عام‏1898‏ استطاعت روسيا تأجير هضبة ليادونج من الصين حيث قامت ببناء قاعدة بحرية‏,‏ لوشون‏,‏ او بورت أرثر‏,‏ كما قامت ببناء ميناء لودا مما سمح لها بمد سيطرتها علي كوريا أيضا‏.‏
ولكن اليابان شعرت بالخطر عليها من تحركات روسيا في الشرق الاقصي‏.‏ فبدأت تستعد للحرب مع روسيا في عام‏1901,‏ وفي عام‏1905‏ قطعت اليابان علاقاتها الدبلوماسية مع روسيا وفي فبراير بدأت عمليات الهجوم علي الاسطول الروسي في لوشون‏,‏ بورت ارثر‏,‏ بدون تحذير‏.‏ ثم أعلنت الحرب علي روسيا في‏10‏ فبراير‏.‏
كانت القوات الروسية تبدو أقوي من اليابانية‏,‏ ولكن روسيا لم تكن تملك عددا كافيا من القوات‏,‏ في الشرق الاقصي‏,‏ وكان عليها إستجلاب القوات عبر ثمانية الاف كيلومترا من غربي روسيا‏.‏ بينما كانت اليابان تملك‏200‏ الف جندي في شمالي الصين‏,‏ وجيش أخر بالقرب من المنطقة‏.‏ ولذلك استطاعت اليابان ضرب الاسطول الروسي القائم في المحيط الهادئ‏,‏ في قاعدة بورت أرثر‏,‏ وقضت علي السفن التي حاولت الهرب الي فلاديفوستوك في معركة بحر اليابان‏.‏ وكانت المعركة الاخيرة التي جرت في‏27‏ مايو عام‏1905‏ هي المعركة الحاسمة‏,‏ فقد أمرت روسيا بإستقدام أسطولها من البلقان الي الشرق الاقصي‏,‏ فتقدم هذا الاسطول من البلقان ليدور حول افريقيا عبر المحيط الهندي الي خليج كوريا‏,‏ فكان قد أستهلك تماما قبل الوصول الي ارض المعركة‏,‏ مما جعل اليابانيون ينجحون في تدميره تماما في موقعة تسوشيما‏.‏
كانت لتلك الموقعة القول الحاسم في نتيجة الحرب الروسية اليابانية‏,‏ وفي مصير القوتين الامبراطوريتين لسنوات طويلة قادمة‏.‏ فنتيجة لها تم توقيع معاهدة بورتسماوث في الولايات المتحدة‏,‏ حيث استولت اليابان علي جزيرة الساخالين وأجبرت روسيا علي سحب قواتها من مانشوريا وقاعدة بورت أرثر وميناء لودا‏,‏ والتنازل عن كوريا لليابان‏.‏ ولكن أكثر من تلك النتائج العسكرية‏,‏ أسفرت الهزيمة في الحرب الي تفجر الثورة في روسيا عام‏1905,‏ التي ارست لاول مرة النظام الليبرالي في البلاد‏,‏ ومهدت الطريق الي ثورة‏1917‏ البروليتارية‏.‏
أما بالنسبة لليابان فقد مهد انتصارها في الشرق الاقصي لان تتحول الي قوة عظمي في العالم معترف بها‏.‏ فقد كانت الحرب الروسية اليابانية هي أول حرب ينتصر فيها شعب أسيوي علي شعب اوروبي أبيض‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب