|
|
|
إعداد: ليلي حافظ
|
|
تتجمع الظروف لكي تبني قوة عظمي, وتدمر قوة أخري, ثم تأتي الحرب لكي تحسم الامور. وكانت الحرب اليابانية الروسية في عام1905 والمعركة التي وقعت في خليج تسوشيما في27 مايو من نفس العام, حين دمرت اليابان اخر سفن الاسطول الروسي القادمة من الغرب, هي العنصر الذي حسم الامور في المنطقة لكي تنزوي روسيا القيصرية كقوة كبري في العالم الي الابد, وتصعد اليابان لتشهد إزدهارا عسكريا واقتصاديا وإعترافا عالميا بانها قوة عظمي جديدة. ففي بداية القرن العشرين كانت روسيا القيصرية إمبراطورية كبيرة ولكن ضعيفة, بسبب نظامها السياسي الاستبدادي, وتدهور الوضع الاقتصادي, مما اشعل المعارضة بين المثقفين والطبقة العمالية الجديدة فيها. وفي السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين شهدت روسيا موجة من العمليات الارهابية التي نظمتها جماعات مختلفة من بين الطبقات العمالية والمثقفين, مما بات يهدد القيصر الضعيف, نيقولا الثاني, وتحولت تلك العمليات الارهابية الي موجة ثورية اختلطت فيها الافكار الشيوعية والليبرالية, ففي ذلك الحين كان فلاديمير ايليتش لينين قد بدأ تنظيم' الوحدة من اجل تحرير الطبقة العمالية', وفي نفس الوقت كانت الحركة الثورية الليبرالية قد بدأت تتشكل من بين ابناء الطبقة البرجوازية, مثل الاطباء والمحامين الذين كانوا يطالبون بحلول غربية مثل الملكية الدستورية والنظام البرلماني والاصلاح الزراعي والصناعي, وتشكل' الاتحاد من اجل الحرية'. أمام تلك الفورات الثورية بين طوائف الشعب الروسي, لم يكن امام النظام الضعيف الا أن يبحث عن مخرج خارجي كما قال بليفي, وزير الداخلية:' اننا في حاجة الي حرب صغيرة ننتصر فيها لوقف المد الثوري'. وقد كان. فقد انتهج القيصر الروسي نيقولا الثاني سياسة مغامرة في مانشوريا, مما أعطي اليابان الفرصة لكي تعلن الحرب علي روسيا ثم تهزمها. لم تكن اليابان بعيدة عن التطور العالمي الاقتصادي والاجتماعي, فمنذ منتصف القرن التاسع عشر أدركت أن عليها تطبيق سياسة التحديث حتي تستطيع حماية إمبراطوريتها من العدو الخارجي. فقامت بتطبيق النظم الأوروبية لخدمة التقاليد اليابانية. وخلال سنوات قليلة قامت بثورة إجتماعية حقيقية الغت خلالها النظام الاقطاعي, والطبقية. واضطرت الارستقراطية في النهاية الي الرضوخ أمام الثورة الجديدة. ثم طبقت ثورة سياسية حيث تم تأسيس ملكية مركزية ونظام دستوري. وفي نفس الوقت قامت بتحولات إقتصادية فقامت بجذب رؤوس الاموال الاجنبية وببناء شبكة من السكة الحديد وشبكة تلغراف وأسطول تجاري ضخم, وتلا التحولات الاقتصادية ثورة صناعية خاصة في قطاع النسيج, كما عملت علي استجلاب الات صناعية حديثة. لحماية كل تلك التحولات التي صاحبت اليابان مع بداية القرن العشرين كان لابد لها من تاسيس جيش قوي ودائم بدلا من الساموراي, يقوم علي التجنيد الاجباري ويضع أساسه المستشارون الالمان. فوصل الجيش الي120 الف جندي مع بدايات القرن العشرين, كما تشكل اسطول حربي بمساعدة الضباط البريطانيين والمهندسين الفرنسيين. ومع العقلية اليابانية المتفانية في خدمة الامبراطور والوطن, تحول الجيش الي أداة تثير الخوف في الدول الاخري. فكان لابد في ذلك الحين وبعد أن حققت اليابان قوتها الداخلية ان تتجه الي الخارج, فغزت الصين اولا, ثم هزمت روسيا ثانيا. من الناحية العسكرية كانت أسباب الحرب اليابانية الروسية هو إصطدام المصالح بين البلدين في نفس المنطقة. فقد كانت روسيا تعمل علي توسيع رقعة ممتلكاتها الخارجية في الشرق الاقصي, خلال القرن التاسع عشر, وفي نهاية القرن وقعت روسيا مع الصين إتفاقية بمد خط سكة الحديد عبر سيبيريا الي فلاديفوستوك في الشرق, ليمر في مانشوريا, مما اعطي الروس سيطرة جزئية علي الاقليم. وفي عام1898 استطاعت روسيا تأجير هضبة ليادونج من الصين حيث قامت ببناء قاعدة بحرية, لوشون, او بورت أرثر, كما قامت ببناء ميناء لودا مما سمح لها بمد سيطرتها علي كوريا أيضا. ولكن اليابان شعرت بالخطر عليها من تحركات روسيا في الشرق الاقصي. فبدأت تستعد للحرب مع روسيا في عام1901, وفي عام1905 قطعت اليابان علاقاتها الدبلوماسية مع روسيا وفي فبراير بدأت عمليات الهجوم علي الاسطول الروسي في لوشون, بورت ارثر, بدون تحذير. ثم أعلنت الحرب علي روسيا في10 فبراير. كانت القوات الروسية تبدو أقوي من اليابانية, ولكن روسيا لم تكن تملك عددا كافيا من القوات, في الشرق الاقصي, وكان عليها إستجلاب القوات عبر ثمانية الاف كيلومترا من غربي روسيا. بينما كانت اليابان تملك200 الف جندي في شمالي الصين, وجيش أخر بالقرب من المنطقة. ولذلك استطاعت اليابان ضرب الاسطول الروسي القائم في المحيط الهادئ, في قاعدة بورت أرثر, وقضت علي السفن التي حاولت الهرب الي فلاديفوستوك في معركة بحر اليابان. وكانت المعركة الاخيرة التي جرت في27 مايو عام1905 هي المعركة الحاسمة, فقد أمرت روسيا بإستقدام أسطولها من البلقان الي الشرق الاقصي, فتقدم هذا الاسطول من البلقان ليدور حول افريقيا عبر المحيط الهندي الي خليج كوريا, فكان قد أستهلك تماما قبل الوصول الي ارض المعركة, مما جعل اليابانيون ينجحون في تدميره تماما في موقعة تسوشيما. كانت لتلك الموقعة القول الحاسم في نتيجة الحرب الروسية اليابانية, وفي مصير القوتين الامبراطوريتين لسنوات طويلة قادمة. فنتيجة لها تم توقيع معاهدة بورتسماوث في الولايات المتحدة, حيث استولت اليابان علي جزيرة الساخالين وأجبرت روسيا علي سحب قواتها من مانشوريا وقاعدة بورت أرثر وميناء لودا, والتنازل عن كوريا لليابان. ولكن أكثر من تلك النتائج العسكرية, أسفرت الهزيمة في الحرب الي تفجر الثورة في روسيا عام1905, التي ارست لاول مرة النظام الليبرالي في البلاد, ومهدت الطريق الي ثورة1917 البروليتارية. أما بالنسبة لليابان فقد مهد انتصارها في الشرق الاقصي لان تتحول الي قوة عظمي في العالم معترف بها. فقد كانت الحرب الروسية اليابانية هي أول حرب ينتصر فيها شعب أسيوي علي شعب اوروبي أبيض.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|