أقتصاد

41081‏السنة 123-العدد1999مايو29‏13 من صفر 1420 هـالسبت

اسعار البترول‏..‏ هل تحدد مستقبل التنمية العربية ؟

رسالة لبنان يكتبها ـ أسامة غيث
في عام‏1998‏ دخل الصراع البترولي العالمي الي مرحلة بالغة الحرج والخطورة مع انهيار سعر برميل النفط الخام لنحو خمسة دولارات امريكية فقط لا غير وتعرضت اقتصاديات الدول المنتجة للنفط وعلي الأخص كبار المنتجين والمصدرين الرئيسيين في سوق النفط العالمية للكثير من الصعوبات مع تدهور عائداتها من النقد الاجنبي وهي التي تمثل العنصر الرئيسي لعوائدها وايراداتها وتعكس قدرتها علي الأنفاق العام من خلال موازنات الدول السنوية‏.‏
وما يحدث في السوق البترولية العالمية نموذج واضح علي قدرة الاقوياء والاكثر تقدما والاكثر نفوذا وفعالية في نطاق الاقتصاد الدولي للتأثير وإعادة ضبط الاحداث وتوجيهها وتعديل مسارها بما يحقق مصالحهم ورغباتهم من خلال تخطيط طويل الأجل تتعدد حلقاته وتتشابك معاملاته‏,‏ ويتم تنفيذه بعمل مشترك وتنسيق واسع النطاق وصولا الي الأهداف المحددة والمرسومة والمخططة‏.‏
وقد نجح الأقوياء في الدول الصناعية الكبري التي تستهلك الجزء الكبير من الانتاج العالمي للنفط في تقنين وتخفيض الاستهلاك من البترول ومنتجاته من خلال استغلال التكنولوجيا الاكثر تقدما المدخرة للطاقة‏,‏ كما قاموا ببناء نظام متكامل لتخزين احتياطات بترولية ضخمة قادرة علي تجاوز الازمات مهما بلغت حدتها وقسوتها وابعادها الزمنية‏,‏ وفي نفس الوقت تم تنفيذ مخطط متكامل الحلقات للسيطرة علي المصادر الرئيسية لانتاج النفط وتوسعوا في الاعتماد علي مصادر الطاقة البديلة وانفقوا مئات المليارات من الدولارات علي الأبحاث والدراسات اللازمة لها‏,‏ بالاضافة الي توجيه الاستثمارات البترولية لاكتشاف مناطق جديدة للانتاج علي استيراد خريطة العالم‏.‏
وفي المقابل فإن دول منظمة الأوبيك التي تضم أكبر المنتجين وكبار المصدرين للنفط الخام دخلت في مرحلة من الافتقار للتخطيط المشترك الفعال القادر علي مواجهة متغيرات السوق البترولية العالمية وتنافست فيما بينها لتجاوز حصص الانتاج المقررة لكل دولة داخل الأوبيك وقامت في بعض المراحل بالاتفاق علي حصص للإنتاج اكبر كثيرا من احتياجات السوق العالمية مما أدي الي تخمة في الاسواق ووفرة المعروض بما يتعدي بمراحل احتياجات الطلب‏,‏ وكانت النتيجة الطبيعية والمنطقية أن تتدهور الأسعار ويتدني سعر برميل النفط الخام ليصبح أقل تكلفة من سعر برميل الماء‏,‏ ويصل بالنسبة لبعض الدول الي سعر لا يغطي تكاليف الاستخراج والانتاج‏.‏
ومع بدايات العام الحالي قادت دول الخليج العربي في مقدمتها المملكة العربية السعودية تحركا نشيطا وفعالا لدول منظمة الأوبيك‏,‏ وفي نطاق اكثر اتساعا مع كبار المنتجين والمصدرين من خارج الأوبيك للسعر الجاد لاعادة الانضباط للسوق العالمية البترولية عن طريق التوصل لاتفاق يضمن تخفيض المعروض من الانتاج البترولي في السوق الدولية بما لا يقل عن‏2‏ مليون برميل يوميا‏,‏ ونجح هذا التحرك مع لحظاته الأولي في رفع سعر خام برنت الحقيقي الذي يعد اساس تقويم اسعار النفط الخام الي نحو‏16‏ دولارا للبرميل وهو ما يعني في المتوسط سعرا يصل الي‏13‏ اأو‏12‏ دولارا للبرميل من النفط المنتج في العديد من مناطق العالم‏.‏
وحول مستقبل الصراع البترولي العالمي وامكانيات ضبط ايقاع السوق النفطية الدولية والوصول بالسعر الي هوامش السعر العادل تركز جانب هام من مناقشات المؤتمر السنوي الخامس لأسواق رأس المال العربية الذي عقد في بيروت‏,‏ ونظمته مجموعة الأقتصاد والأعمال اللبنانية وشارك فيه خبراء الاقتصاد والمال والأعمال والبترول وكبار المسئولين في الدول العربية والهيئات المتخصصة‏.‏

ضخامة الثروة البترولية العربية
وقد عكست المناقشات والتحليلات الأهمية الكبري التي يمثلها قطاع البترول للاقتصاديات العربية وارتباطه المباشر بمستقبل التنمية وتوجيهاتها علي امتداد الخريطة العربية سواء في الدول المنتجة او غير المنتجة للنفط وما ينتج عن انخفاض عائدات النفط من تزايد العجز الكبيرفي الموازنات العامة للدول‏,‏ وما يعنيه من انخفاض للأنفاق العام اللازم للمرافق والخدمات العامة‏,‏ وكذلك للاسثتمارات التي مازالت الحكومات وعلي الاخص في الدول البترولية تقوم بدور هام ورئيسي في نطاقها ومجالاتها المختلفة‏,‏ وكذلك انعكاساته علي مساندة برامج وسياسات التنمية في الدول العربية وغير النفطية‏.‏
وجاءت كلمة المهندس علي بن ابراهيم النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية لتحدد الكثير من معالم الصراع البترولي الدولي وتقديرات السعر العادل واساليب الاصلاح والعلاج والمواجهة وفي مقدمتها ما يلي‏:‏
‏1‏ـ هناك ثلاث عشرة دولة دول عربية يمثل سكانها حوالي‏70%‏ من جملة سكان العالم العربي تعتبر دولا منتجة ومصدرة للبترول الذي يمثل واحد من أهم مصادر الدخل القومي وميزانية الدولة ويمتلك الوطن العربي نحو‏62%‏ من الاحتياطي العالمي للنفط تمثل‏643‏ مليار برميل من النفط الخام كما يمتلك أيضا‏22%‏ من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي تمثل‏33,5‏ تريليون متر مكعب مما يؤكد الموقع الرئيسي للوطن العربي علي خارطة البترول العالمية‏.‏
‏2‏ـ وفقا لتوقعات الطلب العالمي للسنوات القادمة فإن العالم العربي يطالب بمضاعفة انتاجه البترولي من‏20‏ مليون برميل يوميا في الوقت الحاضر إلي حوالي‏40‏ مليون برميل يوميا بحلول عام‏2020‏ بما يعني زيادة أهمية الدور البترولي العربي عالميا في المستقبل‏.‏
‏3‏ـ مع نهاية السبعينيات كان السوق البترولية سوقا للبائع يقرر فيها السعر ويؤثر في جميع جوانب السوق وكان البائع ممثلا في دول الأوبك في موقع القيادة وكان البترول سيسا في ظل الصراع العالمي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب وجاء عام‏1986‏ وحدثت زة هذه في السوق البترولية الدولية عندما انهارت الاسعار من حوالي‏30‏ دولارا للبرميل إلي أقل من عشرة دولارات وجاء ذلك نتيجة لانخفاض الاستهلاك العالمي وزيادة الانتاج من خارج الأوبك وكان العلاج بقرار من الأوبك لتخفيض انتاج دولها من أكثر من ثلاثين برميلا يوميا الي أقل من خمسة عشر مليونا‏.‏
‏4‏ـ في جانب الاستهلاك حدث تغير كبير في استخدام البترول بشكل خاص والطاقة بشكل عام وعلي الأخص في الدول الصناعية الكبري التي تمثل القاعدة الرئيسية للاستهلاك فقد تم تخفيض كثافة استخدام الطاقة من الوحدة الواحدة من الانتاج بنسبة‏25%‏ وبالنسبة للبترول انخفضت هذه الكثافة بنسبة‏35%‏ مع تقليص استخدامه في العديد من الانشطة الاقتصادية مثل توليد الكهرباء والتدفئة والصناعة ويعمقان من تغيير الخريطة والمعادلات والتطورات التكنولوجية العامة في مجال استكشاف وانتاج البترول التي ساعدت في اكتشاف البترول في اماكن صعبة مع تخفيض تكلفة الاستكشاف والانتاج بشكل واضح والمتغيرات المرتبطة بالسوق وفي مقدمتها مصر وسوق مستقبلية للمعاملات للعائلات البترولية ودخول المؤسسات المالية والمضاربين

عوائد النفط والسعر العادل
معدل توقعات المستقبل وسيناريوهات المواجهة والاصلاح يشير المهندس علي النعيمي إلي أنه في ظل توقعات ارتفاع الطلب علي البترول عالميا بمقدار‏30‏ مليون برميل خلال العشرين عاما القادمة وتوقعات قيام الدول العربية بتوفير ما لا يقل عن‏70%‏ من هذه الزيادة في الطلب والتي تتركز في الدول الاسيوية بشكل خاص أو الدول النامية بشكل عام ويتطلب ذلك من كبار المنتجين أصحاب الاحتياطيات العالمية في العالم العربي العمل علي استقرار البترول العالمي بالحرص علي توازن العرض والطلب واستقرار الاسعار بمعني عدم التذبذب بالانخفاض أو الارتفاع بشكل كبير ليس لأن الاضطراب في السوق الناتج عن عدم توازن العرض والطلب أو ارتفاع الاسعار وانخفاضها بشكل كبير ليس في صالح الدول العربية كما أنه ليس في صالح الاقتصاد العالمي والدول المستهلكة ويضر بالصناعة البترولية بصورة عامة حيث يؤدي نقص العرض إلي ارتفاع الاسعار بدرجة كبيرة وهو ما يقود إلي انخفاض الطلب مع التحول الي مصادر أخري للطاقة‏.‏
وفي هذا الاطار من التحليل فإن وزير البترول والثروة المعدنية السعودي يقول إن متوسط مدي الاسعار المقترح للكثير من المنتجين الرئيسيين للبترول يتراوح ما بين‏18‏ و‏20‏ دولارا باعتباره الحد الذي يلزم الدفاع عنه بعدما حرك دول الأوبك والمنتجيون خارجها للتحرك نحو تحقيق الانتاج البترولي بحوالي‏5‏ ملايين برميل يوميا لاعادة التوازن للسوق البترولية مع الأخذ في الاعتبار التحديات التي يشهدها العالم لحماية البيئة وماتمثله من ضغوط علي الصناعة البترولية العالمية مع سعيها لتقليص استخدام البترول كمصدر للطاقة والتشجيع علي التحول لمصادر أخري للطاقة وزيادة الضرائب علي البترول ومشتقاته وتطوير تكنولوجيات متطورة تضمن تخفيض استخدامه وهو مايمكن ان يؤدي في حالة تطبيقه الي تخفيض الطلب علي البترول خلال العشرين عاما القادمة بحوالي عشرة ملايين برميل يوميا بحيث تقتصر الزيادة في الطلب علي عشرين مليون برميل بدلا من‏30‏ مليون برميل يوميا وهو مايحتم مواجهة هذه المشاكل بشكل دقيق لعدم صحة العديد منها‏.‏
وأوضحت المناقشات والحوارات ان أحد الأساليب الهامة والسياسات الفعالة لتصويب توازنات العرض والطلب في السوق البترولية العالمية يرتبط بوضع قواعد صلبة لبناء صناعة بترولية قوية تأخذ في الاعتبار أيضا ثروات الغاز الطبيعي وتحديد إمكانيات أن يصبح العالم العربي أهم المراكز العالمية في صناعة البتروكيماويات لما يعنيه من زيادة القيمة المضافة للثروة البترولية عن طريق تصنيع جانب منها وتحويله الي منتجات بترولية وبتروكيماوية تضيف إلي قائمة الصادرات العربية وتجنبها الصدمات الفجائية التي تتعرض لها صادرات النفط الخام وتحقق المزيد من الايرادات والنشاط للاستثمارات الخاصة وتفتح أمامها مجالات عمل جديدة وتجذب الاستثمارات العالمية والتكنولوجيا المتقدمة والمعارف الفنية المتطورة بما يدعم القاعدة الصناعية والانتاجية ويسهم في التحديث والتقدم‏.‏

علاج عجز الموازنات العامة
وفي ضوء الصدمات البترولية المتوالية والتوقعات الحذرة بالنسبة لمستويات اسعار النفط في الأجل القصير والمتوسط والطويل فإن قضية الايرادات العامة للخزا نة العامة للدول والتي تعد حجر زاوية رئيسي للانفاق العام في كافة المجالات علي الأخص في الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة للنفط والتي يرتفع نصيب العوائد النفطية علي‏90%‏ من إيرادات النقد الأجنبي للتصدير وايرادات الموازنات العامة فإن قضية البحث عن بدائل جديدة لتوفير احتياجات الموازنات العامة من الايرادات يرتبط بتبني نمط للتنمية قائم علي التوسع في التصنيع بدرجة كبيرة وتنشيط الخدمات وتوسيع مشاركة رأس المال الخاص في عمليات التنمية‏,‏ وتبني سياسات للخصخصة قائمة علي توسيع قاعدة الملكية الفردية وضم فئات جديدة من المواطنين الي هذه القاعدة من خلال بيع جزء من الأسهم للعاملين في الشركات التي يتم خصخصتها وتقديم التيسيرات والحوافز اللازمة لمشاركتهم الفعالة في الملكية‏.‏
وأكدت المناقشات ان ايرادات الخصخصة أو الجزء الأكبر منها في المرحلة الراهنة يجب أن يوجه لتحسين المناخ الاستثماري عن طريق ضخ استثمارات اضافية في مجال المرافق العامة كالطرق والمطارات والموانيء والاتصالات وتوليد الطاقة والتوسع في توفير كافة الخدمات التي تجذب الاستثمار الخاص علي نطاق واسع والاهتمام بالتوسع في مشاركة القطاع الخاص الوطني والخارجي في إقامة المرافق العامة بنظام‏'B.O.T'‏ مع النظر في الاصلاحات الضريبية اللازمة‏,‏ وكذلك الاصلاحات اللازمة لهيكل التشريع الاقتصادي بصفة عامة بما يتفق مع متغيرات العصر والاتفاقيات الدولية الحاكمة للتجارة والاستثمار ومدفقات رأس المال في ظل العولمة والاندماج الاقتصادي الدولي الذي تتشابك حلقاته عبر ارجاء الكرة الأرضية بصورة متزايدة يوما بعد يوم‏.‏
وكشفت المناقشات عن ضرورة اصلاح الموازنات العامة للدول باعتبارها ركيزة رئيسية للاصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي والسيطرة علي التضخم واستقرار اسعار الصرف وأن متوسط العجز الاجمالي في الموازنات العامة للدول العربية يبلغ‏10%‏ من الانتاج المحلي الاجمالي وهناك بعض الدول التي تعاني من ظاهرة عجز الموازنة العامة بصورة واضحة وعلي سبيل المثال فإن العجز في الموازنة العامة اللبنانية يزيد علي‏40%‏ من الناتج المحلي الاجمالي ويفرز من مشكلات عجز الموازنات ارتفاع قيمة المديونيات الداخلية والخارجية للدول بصورة تفوق كثيرا المعدلات العالمية ومعدلات الأمان الأقتصادي المتعارف عليها دوليا والمحددة لصحة وعافية اقتصاديات الدول‏..‏ علي هذا النطاق كانت هناك اشادة واضحة بالتجربة المصرية للاصلاح وماحققته من نجاح بارز في نطاق السيطرة علي عجز الموازنة العامة وتخفيض معدلات التضخم وتحقيق احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي مع النجاح في تنفيذ برنامج للخصخصة والاهتمام بأن يتم مجمل البرنامج الاصلاحي بشكل تدريجي لتلافي الآثار السلبية للاصلاح علي محدودي الدخل وتوفير معدلات معقولة من الدعم والمساندة لتحسين اوضاعهم المعيشية‏.‏
لايمكن التقليل او التهوين من تأثير العائدات النفطية علي مستقبل التنمية العربية ككل وعلي الأخص اوضاع التنمية في الدول الكبري المنتجة والمصدرة للنفط وأن الجانب الحاكم في العائدات النفطية يرتبط بالوصول الي سعر معقول عالميا للنفط الخام ويوقف الصدمات المتلاحقة المؤدية الي تدني اسعار النفط الخام الي معدلات بالغة الانخفاض‏.‏
وقد اصبح واضحا لكافة الأطراف أن جانبا رئيسيا من المسئولية عن استقرار اسعار النفط يرتبط بالدول المنتجة وقدرتها علي ضبط معدلات الإنتاج والتوقف عن الافراط والمغالاة في الإنتاج مع ضرورة مراجعة الحصص المقررة لدول الأوبك بمايتفق مع احتياجات الاستهلاك العالمي وأوضع السوق الدولية ومتغيراتها الاقتصادية والتكنولوجية‏.‏
وتبقي في النهاية نقطة حيوية ترتبط برصيد العائدات البترولية المتوافرة لدي بعض الدول والأهم من ذلك الفوائض البترولية العربية للأفراد والحكومات والمستثمرين علي امتداد السوق العالمية وضرورة الاسراع بوضع تخطيط جديد لاعادة استثمارها في نطاق العالم العربي وفقا لبرنامج متكامل لدعم التكتل والتجمع العربي بكل مايتطلبه ذلك من حوافز ورعاية للمال العربي والاستثمارات العربية حتي يتوقف نزيف خسائرها في اسواق المال والعملات الدولية؟‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب