قضايا و اراء

41062‏السنة 123-العدد1999مايو10‏24 من شهر محرم 1420 هـالأثنين

أنكر الأصوات
بقلم ‏:‏ ثروت أباظة

الصوت المرتفع لا يؤدي إلي اقتناع من يسمعه سواء كان الصوت مرتفعا في النقاش الشفهي أو في الحوار القلمي فالإنسان لا يحب الضجيج بطبيعته وكلما كان هذا الإنسان رقيقا كان بغضه للضجيج أشد‏.‏
ارقب إثنين يتنافشان فإنك واجد أعلاهما صوتا هو أضعفهما حجة‏.‏
وكذلك الصوت المرتفع في الكتابة فإن كثيرين ممن يحملون أقلاما ولا أسميهم كتابا هم قوم اغتصبوا القلم وامسكوا به عنوة دون أن يكون لهم أسلوب الكاتب أو مهارته أو موهبته وفرضوا أنفسهم علي صحف أومجلات وصاروا حملة أقلام وأصحاب منافذ في الصحافة‏.‏
سارقو الأقلام هؤلاء هم أصحاب الأصوات الشديدة الصخب‏,‏ يوصمون بأنهم أشد الأصوات نكيرا يصدق عليهم قوله تعالي‏(‏ إن أنكرالأصوات لصوت الحمير‏)‏ هم كما أنهم يشبهون الحمير في أصواتهم يماثلونها أيضا في عقولهم وأقرب
دليل علي ذلك أنهم في تناولهم للأمور لا يناقشونها رأيا برأي وحجة بحجة‏,‏ وإنما تقتصر كتاباتهم علي السب والقذف والشتم والهجوم علي أصحاب الفكر الذين يخالفونهم في أشخاصهم لا في أفكارها وياليتهم في عدوانهم علي هؤلاء الذين لا يتفقون معهم في الرأي يراعون الله والحقيقة وإنما هم برعونتهم وسقوطهم يختلقون لمخالفيهم من الأوصاف والشتائم ماهم منه براء كل البراءة وماهم عنه يعيدون أقصي البعد ولكن متي لشتام ذمة أو ضمير‏.‏
دعك من هؤلاء فهيهات وألف هيهات أن تصبح لهم قيمة أو وجود عند قراء الصحف أوالمجلات التي ينفثون فيها سمومهم‏,‏ ودعنا ننظر إلي الروايات الأدبية أو المسرحيات التي ترتفع فيها النغمات بالحكم والوعظ والإرشاد أو تلك الروايات والمسرحيات التي تعلو فيها الأصوات بالفحش والانحطاط الحقير من جنس إلي كفر إلي غير هذين من الموبقات‏.‏
إن الأصل في الأعمال الفنية أن تكون دعوة إلي المثل العليا التي يفترض في كتابها أنهم متمسكون بها ساعون إليها بأقلامهم وليست الأعمال الفنية كما يدعي البعض تصورا للواقع كما هو وأنما هو تصوير للواقع كما يتمناه الروائي أو المسرحي‏.‏
والمفروض أن الأخلاق الرفيعة التي يبثها كاتب العمل الفني الا تكون خطابة مرتفعة الصوت عالية النبرات‏,‏ فإنها حين تكون كذلك تجعل القارئ ينفر منها لأنه حين يقرأ الرواية إنما يبحث عن المتعة الرفيعة ولذلك حتم علي كاتب الرواية أن يجعل مثله العليا التي يؤمن بها تتسلل في خفاء إلي نفس القارئ وحينئذ
تصل إلي الأعماق منه وتثبت في ضميره لأنها لم تصل إليه عن طريق النصيحة‏,‏ فإن النصائح
كما قال شاعرنا عزيز أباظة هي أثقل الطيبات علي النفوس‏.‏ وقارئ الرواية لا يبحث عمن ينصحه وإنما هو يريد السعادة الفنية وعلي الكاتب حين يبث آراءه إلي قارئه أن يجعل هذه الآراء تتخفي بنسيج الرواية‏,‏ ولا تعلن عن نفسها بالصوت الجئير فإنها أن علامنها الصوت تخطيءالطريق إلي مشاعر قارئها ويفشل الكاتب أن يصل بآرائه ومثله إلي حس من يطالعه‏.‏
وإن الأعمال الفنية رواية كانت أو مسرحية أوتمثيلية حين تلجأ إلي الزعيق فإن مصيرها المحتوم هو السقوط المروع‏.‏
وأضخم مثال علي ذلك هي الأعمال الفنية السوفيتية فقد كان الحكم الديكتاتوري يفرض علي كتابه ألا تخرج كتاباتهم عن القلب الشيوعي ولهذا لم يظهر في العصر السوفيتي كاتب روائي إلا الأثنان اللذان تمردا علي القالب
الأحمر وهما بسترناك وسولجستين وإنها لعجيبة أن الدولة التي أنتجت تولستوي ودستويفسكي وجوركي عجزت في ظل البلشفية أن تنتج كاتبا يعتنق الماركسية وحكمها المتعسف والجبار‏,‏ ولم يكن ذلك إلا لأن الدولة كانت تملي علي كتابها ما يخطون ولم يكن من حق الكاتب أن يكتب رأيا نابعا من دخيلته‏,‏ أو هواه فإنه إذا فعل فالموت أو النفي والتعذيب والتنكيل أقل ما يفعله به الحكم البالغ الظلم والجور والجبروت‏,‏ ولهذا لم يكن غريبا أن ينافق الكتاب الدولة نفاقا مروعا‏,‏ ولهذا أيضا ومن أجل أن يعيشوا وينقذوا أنفسهم من الأهوال الحكومية
كان كتاب العصر السوفيتي يصيحون بأعلي صوت لهم بعظمة الشيوعية وعدلها بل إنهم كانوا يكتبون عن مدي السعادة‏,‏ التي يحيون فيها والأمن والأمان والطمأنينة التي يزعمون أنهم ينعمون بها‏.‏
فلم يكن غريبا إذن أن عقمت الدولة السوفيتية أن تنجب روائيا واحدا يؤمن حقا بالمذهب الشيوعي‏.‏
ولم يكن غريبا أن يبوء الكتاب الشيوعيون في مصر والعالم العربي جميعا بالفشل والبعد كل البعد عن القراء‏,‏ رغم تهليلهم وتصفيقهم لبعضهم البعض فإن الضجة الكاذبة لا يلاقيها الجمهور إلابالسخرية والهزء والاستنكار‏.‏
وإنه لمن طبيعة الأمور أن ينأي الشعب المصري المؤمن عن الشيوعية وإلحادها الكافر‏.‏ فالشعب المصري من أكثر الشعوب حرصا وتمسكا بالإيمان ومن الطبيعي أن تضل الفئة الملحدة سبيلها إلي قلوب الشعب المصري‏.‏
وحسبها إلحادها سببا لفشلها‏,‏ فإذا صاحب الإلحاد من كتابهم الذين يريدون أن يؤلفوا الروايات‏,‏
الصوت المرتفع النكير فالفشل التام هو مصيرهم المحتوم‏.‏
أما الكتاب الذين يحالون إثارة الغرائز الرخيصة فهيهات أن يحظي واحد منهم باحترام القارئ‏.‏
أما الكفرة الزنادقة فإنهم أفراد يريدون أن يشتهروا ويثيروا حولهم الضجيج الصادر من المؤمنين الصادقين‏,‏ وقد يصلون إلي هذه الشهرة لفترة وجيزة ثم هم بعد ذلك نكرات لا تسمع عنهم صوتا ولا ركزا فكأنهم وهم احياء أموات منبوذون‏.‏
ولينصرن الله من ينصره ولا يبقي للكفرة إلا خزيهم ونحمدك اللهم علي نعمة الإيمان بك تقدست آلاؤك‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب