مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 41006‏1999مارس 15‏27 من ذى القعدة 1419 هـالأثنين

كلمات عقادية
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

أكرم الله أستاذنا العملاق عباس محمود العقاد وأنزله فسيح جناته كما أكرمه في الحياة وجعل منه هذا الهرم الشامخ في سبيل الله وفي التاريخ الإسلامي بما خطه قلمه من عبقريات وكتب أخري يفني الزمان ويبقي بهاؤها سامقا رفيع الذري عميق الجذور‏.‏
وقد كانت له في الشعر والنثر أقوال مأثورة أشكر الأستاذ رجائي عطية المحامي الشهير والأديب اللامع أنه ذكر لي أربع جمل وجدت نفسي أعجب بها غاية الإعجاب وحلا لي أن أجعلها موضوع مقالي اليوم أما المؤثورات فهي قوله‏:‏ إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح‏.‏
وأما الجملة الثانية وهي مكملة للجملة الأولي فقوله وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن أما الجملة الثالثة فهي جامعة مانعة وهي قوله بعض الكرهات خير لك من بعض المحبات وأما المأثورة الرابعة فهي قيمتك في نفسك أحري بالعناية من غاياتك‏.‏
وجدت في هذه المأثورات نوعا من جوامع الكلم فهي قواعد إنسانية رفيعة فهو يقول إذا أحبك الناس مخدوعين فلاتفرح‏.‏ وكل إنسان يسعد أن يحبه الناس ولكن مامعني هذا الحب إذا شعرت أنت أنه نابع عن مظان كاذبة في خلقك‏,‏ فرضاؤك أنت عن نفسك أهم ألف مرة من حب كاذب يسعي إليك‏,‏ فإذا علمت أن بعض الناس يحبونك واهمين إنك علي خلق ليس من شيمك‏,‏ وأنت تدري أنهم مخدوعون فيك‏,‏ فحبهم لك ينافي ماتعرفه أنت عن نفسك وحينئذ لا يجوز لك أن تفرح بهذا الحب‏,‏ بل أولي بك أن تحزن وتأسي‏,‏ أنك لست كما يظنون بك وخليق بك أن تكون أسيفا لأنك لست اأهلا لهذا الحب الذي يتوجه إليك ممن يجهل حقيقتك‏,‏ وفرحك به مزيد من خداعك لنفسك وماأصدق الشاعر الذي قال ولكم تخادع نفسها النفس ولكنها مهما خادعت نفسها فهي تعلم في العميق العميق من جذورها الحقيقة من أمرها ومهما خادعت فهو خداع ساقط في بؤرة الصدق مع النفس والصدق ينفي الخداع‏,‏ ولا يقبله والصدق هو الغالب علي الوهم‏,‏ وحين يغلب صدق نفسك ـ وهو غالب ـ علي أوهامها فلا مجال أن تفرح بحب الواهمين بل أن الحزن بك أولي‏.‏
وأما الجملة الثانية فهي كأنها شطر ثان من بيت لا يكمل المعني إلا به حين قال وإذا كرهك الناس مخدوعين فلا تحزن‏,‏ وكم هي صادقة تلك الجملة فأنت أعلم الناس بنفسك وأصدق الخلق معرفة بحقيقة ذاتك‏,‏ فإذا ماسبك السبابون وشتمك الشتامون بماليس فيك‏,‏ فسبابهم وشتمهم يزيدك فخرا فأنت تعلم أنهم كاذبون عداة علي الحق فإذا كرهك هؤلاء فإن كرههم يزيدك ثقة بنفسك ويزيد من يعرفون حقيقتك إيمانا بك فالشتامون أمرهم عند الناس هوان واحتقار‏,‏ والذين يستبدلون النقاش بالسباب هم الضائعون الذين تنأي عنهم الحجة ويبهتهم الحق فلا يجدون لأنفسهم الوضعية ملاذا إلا الهجاء والشتم‏,‏ فأنت خليق أن تسعد بهجائهم وتعتز به‏,‏ فسباب امثالهم شرف لمن يسبون ومدحهم هجاء لمن يمدحون‏.‏
وأذكر هنا لأحد الأمراء قصة طريفة حين هجاه أحد الشعراء فأرسل يرد عليه قائلا عرفتنا فهجوتنا ولا نعرفك فلا نجيبك‏.‏ فالشتامون في أغلب أمرهم مجاهيل يتخذون السباب سلما ولكنه سلم واه خليق بأن يجعلهم يغوصون إلي الهاوية بدلا من أن يرتقوا إلي حيث يأملون‏.‏
وكراهية هؤلاء شرف لك لايماثله شرف‏,‏ وأذكر عن أحد هؤلاء الصحفيين قصة أراها جديرة بأن تروي فقد حبس بتهمة القذف والسب لشخصية عامة‏,‏ وبعد أن خرج من السجن كتب مامعناه أنه حين ذكر اسم الشخصية العامة التي سبها لزملائه المساجين لم يعرفوا الاسم وخلطوا بين هذه الشخصية وبين احد أقربائه‏.‏ وغفل الصحفي أن الشخصية التي تناولها بالسباب لا تعتز بشيء قدر اعتزازها بأن زملاءه من المساجين المجرمين تجهل شخصه‏,‏ فجهل هؤلاء به شرف لا يقاربه شرف وفخار لا يماثله فخار‏,‏ فهم تماما الذين يسعي بأعماله أن يجهلوه‏.‏ وماأصدق قول الشامخ العقاد إن بعض الكرهات خير لك من بعض المحبات‏.‏ فكراهية المجرمين والمنافقين والشتامين والمحتالين والسفله والمنحطين والصفقاء ومعدومي الكرامة كراهية كل هؤلاء ومن لف لفهم وسار في طريقهم خير ألف مره من محبتهم‏.‏
أما المأثورة الرابعة التي ذكرها لي الاستاذ رجائي عطية عن عملاق الصدق والأمانة والأدب الرفيع عباس محمود العقاد فهي تلك التي يقول فيها قيمتك في نفسك وبواعثك أحري بالعناية من غاياتك‏.‏ فهي مأثورة غاية في العمق وفي الخلق الرفيع‏.‏
فأنت أدري الناس بقيمتك‏,‏ تستمد درايتك بها مماتقول أو تعمل ولا تستمدها من مدح المنافقين أو هجاء الضائعين‏.‏
وأولي شيء بالرعاية منك هي بواعثك لا غاياتك فقد تتغيا أن تكون ذا ثراء وتلك غاية لا يلومك أحد عليها وإنما تلام علي بواعثك إلي هذا الثراء فإن كنت تريد المال لتستجيب به لشهواتك ونزواتك الحقيرة فإنك ملوم من نفسك ومن الناس أما إذا كنت تريد الثراء لتدفع به الظلم عن المظلوم والبؤس عن المعدم‏,‏ فحقيق بك أن تسعد‏,‏ وأن ترضي نفسك عن نفسك كما إنك حينئذ جدير بحب الناس وبمدحهم لك وهذا مثال واحد لك أن تقيس عليه جميع غاياتك وبواعثك وبهذه الحكمة العقادية ينفي العقاد صحة المثل السائر الذي اطلقه مكيافيللي في كتابه الشهير الحقير المسمي بالأمير من أن الغاية تبرر الواسطة وهو مثل يرفضه كل الشرفاء ويسير علي دربه كل السفلة اللئام‏.‏
رحم الله أديبنا العربي خالد الذكر عباس محمود العقاد وأسكنه أكرم مكان جزاء وفاقا علي مؤلفاته اإسلامية الرائعة وعلي أعماله الأدبية الشاهقة إن الله قريب سميع‏....‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب