مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



الكتاب

السنة 123-العدد 41001‏1999مارس 10‏22 من ذى القعدة 1419 هـالأربعاء

بهدوء
مصر وقضية لوكيربي
بقلم‏:‏ إبراهيم نافع

وفرت زيارة الزعيم الليبي معمر القذافي لمصر فرصة ملائمة لاستعراض التطورات التي طرأت علي قضية لوكيربي‏,‏ وهي تطورات تفتح الباب أمام الوصول إلي تسوية نهائية لهذه القضية‏,‏ بعد أن استغرقت حوالي‏10‏ سنوات‏,‏ بسبب التباعد بين الموقف الليبي من ناحية‏,‏ والموقف الأمريكي ــ البريطاني من ناحية أخري‏.‏
و هذه الزيارة تمثل أيضا فرصة طيبة لتفعيل الجهود العربية والدولية المبذولة‏,‏ وفي مقدمتها الجهود المصرية‏,‏ من أجل الوصول إلي تسوية نهائية لهذه القضية‏,‏ خاصة أن مصر ظلت تضع هذه القضية في مقدمة أولويات سياستها الخارجية منذ نشأت المشكلة‏.‏
وتحركت مصر منذ ذلك الحين انطلاقا من اقتناعها بأن العقوبات الدولية المفروضة علي ليبيا سببت خسائر فادحة للشعب الليبي‏,‏ وأن هذه القضية تعتبر واحدة من القضايا التي سببت حالة الشلل الحالية في العمل العربي المشترك‏,‏ فضلا عما تؤمن به مصر أيضا من أن تحجيم ليبيا وفرض العقوبات عليها يمثلان خصما من رصيد مقومات القوة الشاملة للأمة العربية‏,‏ بالإضافة إلي أن قضية لوكيربي تعتبر واحدة من العوامل التي تسهم في ايجاد الحالة الراهنة من التأزم وعدم الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط‏.‏
لذلك كله اهتمت مصر منذ بداية هذه القضية بدعم الموقف الليبي‏,‏ وبذلت أقصي جهودها في الدفاع عن موقف ليبيا‏,‏ وتبنت الموقف الليبي في المحافل الدولية والإقليمية‏,‏ وسعت دوما إلي تقليص الآثار المترتبة علي العقوبات الدولية المفروضة علي ليبيا‏.‏ وخلال الآونة الأخيرة أسهمت الدبلوماسية المصرية اسهاما أساسيا في الدفع نحو التطورات المهمة التي شهدتها هذه القضية في أواخر العام الماضي‏,‏ وبالذات التطورات المتعلقة بقبول الجانبين الأمريكي والبريطاني إجراء محاكمة المتهمين الليبيين عبد القادر المقراحي والأمين خليفة فحيمة في هولندا أمام قضاة اسكتلنديين‏,‏ وفي إطار القانون الاسكتلندي‏,‏ مع الالتزام بتوفير محاكمة عادلة للمتهمين‏,‏ وتوفير جميع الضمانات القانونية لهما‏,‏ بالإضافة إلي قيام الولايات المتحدة وبريطانيا باستصدار قرار من مجلس الأمن ينص علي تعليق العقوبات الدولية المفروضة علي ليبيا فور قيامها بتسليم المتهمين إلي هولندا‏,‏ وعندما تبنت ليبيا موقفا يطالب بتوفير الضمانات الكافية لإجراء هذه المحاكمة‏,‏ وبالذات من حيث ألا تكون هذه المحاكمة مقدمة لمحاكمة مسئولين ليبيين أكبر‏,‏ أو لإدانة نظام الحكم الليبي ذاته فإن مصر تبنت موقفا يقوم علي السعي إلي تقريب المواقف بين الطرفين المعنيين بهذه المشكلة‏.‏
وارتكزت الجهود المصرية في هذا الصدد علي ضرورة الوصول إلي حل قانوني يسعي من ناحية إلي تلبية الرغبة الأمريكية ــ البريطانية في إجراء المحاكمة‏,‏ ويراعي الحقوق الليبية في الحصول علي الضمانات القانونية المطلوبة من ناحية أخري‏.‏ ويشدد الموقف المصري هنا علي أنه ليس مطلوبا الوصول إلي التصادم أو القطيعة مع المواقف الدولية الأخري‏,‏ وبالذات موقف كل من الولايات المتحدة وبريطانيا‏,‏ وإنما المطلوب هو الوصول إلي حلول وسط تأخذ في اعتبارها مواقف مختلف الأطراف المعنية‏,‏ وحتي إذا كان الموقفان الأمريكي والبريطاني ينطويان علي شروط متعسفة من وجهة النظر الليبية فإن مصر ظلت تسعي إلي محاولة تعديل هذه الشروط المتعسفة من خلال الدبلوماسية الهادئة والوساطة الإيجابية‏,‏ وليس من خلال التصادم الكامل مع الموقفين الأمريكي والبريطاني‏.‏ وقد ساعدت هذه الرؤية‏,‏ ضمن عوامل أخري عديدة‏,‏ علي التوصل إلي التطورات الإيجابية الأخيرة التي شهدتها قضية لوكيربي‏,‏ والتي تفتح الطريق أمام تسوية نهائية لها‏.‏
وخلال الفترة الأخيرة ركزت مصر جهودها علي السعي إلي الوصول إلي حل يرضي الطرفين في قضية لوكيربي‏,‏ وطلبت من الجانب الليبي إعطاء مهلة للجهود الدبلوماسية والقانونية الهادفة إلي الوصول إلي حل للقضية‏.‏ وقد تكاملت الجهود المصرية في هذا المجال مع جهود أخري قامت بها المملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا‏,‏ ولقيت جملة هذه الجهود قبولا طيبا من جانب العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية‏,‏ حيث أفادت هذه الوساطات والاتصالات‏,‏ علي سبيل المثال‏,‏ في احتواء أزمة جديدة كانت في طور التكون‏,‏ عندما اتجهت الولايات المتحدة إلي تبني موقف يقوم علي تحديد مهلة لليبيا تقضي بتسليم المتهمين في غضون‏30‏ يوما‏,‏ وهو ماسبب سوء تفاهم شديدا في هذه القضية‏,‏ حيث اعتبرت ليبيا هذه المهلة بمثابة إنذار‏,‏ وكانت تتجه نحو رفض هذا الموقف الأمريكي الجديد‏.‏ ومما يذكر في هذا الشأن أن بريطانيا ذاتها لم تتجاوب مع الموقف الأمريكي‏,‏ ورأت أن القضية الآن أمام مجلس الأمن‏,‏ وهو المسئول وحده عن التعامل مع ليبيا‏,‏ بالإضافة إلي أن مجلس الأمن رفض إصدار بيان بشأن الإنذار الأمريكي‏,‏ وقد ساعدت الوساطة التي قامت بها مصر والدول الأخري علي احتواء هذه الأزمة الجديدة‏,‏ وقدم الجانب الأمريكي توضيحات تفيد أنه لم يوجه إنذارا نهائيا إلي ليبيا بتسليم المتهمين‏,‏ وإنما كان المقصود فقط تكليف كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة بأن يعد تقريرا خلال‏30‏ يوما حول التطورات في مسألة استجابة ليبيا لطلب التسليم‏.‏
وفي ظل هذه الظروف‏,‏ فإن ثمة تقاربا كبيرا بين مواقف مختلف الأطراف المعنية بشأن هذه القضية‏,‏ يمهد الطريق أمام الوصول إلي تسوية نهائية لها‏.‏ فالموقف الليبي يقوم علي ضرورة الوصول إلي تسوية لهذه القضية من أجل إنهاء معاناة الشعب الليبي بسببها‏,‏ وأنه يجب علي الولايات المتحدة وبريطانيا أن تتركا لمجلس الأمن وللأمين العام للأمم المتحدة ممارسة صلاحياتهما من أجل عقد محاكمة عادلة وذات ضمانات كافية للمشتبه فيهما حتي يتم التوصل للحقيقة التي يبحث عنها الجميع‏,‏ كما تري ليبيا أيضا أنه يجب علي هاتين الدولتين أن تدركا أن الوقت أصبح ملائما لرفع العقوبات عن الشعب الليبي الذي عاني بسببها كثيرا في الأعوام السابقة‏,‏ حتي لاتستفحل مشاعر الغضب ضدهما في العالم العربي‏,‏ بالإضافة إلي رفض ليبيا تنفيذ العقوبة ضد المتهمين ـ في حالة إدانتهما ـ في اسكتلندا‏.‏ وقد صرح الزعيم الليبي معمر القذافي نفسه بأن هذه القضية أصبحت علي وشك الحل‏.‏ ومبعث ذلك أن ليبيا لاتعترض من حيث المبدأ علي محاكمة المتهمين أمام محكمة اسكتلندية‏,‏ بل إنها علي العكس ترحب بذلك‏,‏ ووفقا لتصريحات الزعيم الليبي نفسه‏,‏ فإن القضاء الاسكتلندي يتميز بالنزاهة بالإضافة إلي أن هناك قدرا واضحا من التقارب بين الموقف الليبي وموقف أسر الضحايا‏,‏ حيث إن من المعروف أن موقف جيم سواير الناطق باسم أسر ضحايا الطائرة‏,‏ يتسم بالتأييد للموقف الليبي‏,‏ ويرفض محاولات الالتفاف التي تبذلها أمريكا وبريطانيا من أجل عرقلة التوصل إلي حل لهذه القضية‏.‏ أما فيما يتعلق بالضمانات‏,‏ فقد تلقت ليبيا ضمانات كافية من بريطانيا بعدم وجود مخططات لتوريطها في تلك القضية‏,‏ ومن المفترض الآن أن تقدم الولايات المتحدة ضمانات مماثلة‏,‏ بالإضافة إلي ضرورة أن يفرض الحل ـ الذي يتم التوصل إليه عبر الأمم المتحدة لإنهاء أزمة لوكيربي ورفع العقوبات المفروضة علي ليبيا ـ علي جميع الأطراف الالتزام به احتراما للشرعية الدولية وللقانون الدولي‏.‏
وفي النهاية فإني أستطيع أن أقول إن قضية لوكيربي قد بلغت الآن مرحلتها الحاسمة‏,‏ وإن المشكلة الوحيدة المتبقية تتمثل في الوصول إلي بلورة متكاملة ونهائية لجملة التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الفترة القصيرة الماضية‏,‏ سعيا إلي إغلاق ملف هذه القضية‏,‏ وبالذات من حيث ضرورة الاتفاق علي آلية التنفيذ لهذه التفاهمات‏.‏ وفي هذا الصدد فإن هناك بعض الأفكار المطروحة‏,‏ ومن أبرزها أن تكون جامعة الدول العربية هي آلية التنفيذ‏,‏ بحيث تتولي تسليم المتهمين الليبيين إلي المحكمة في لاهاي‏,‏ ومتابعة إجراءات المحاكمة‏..‏ وغير ذلك‏.‏ وعلي أي حال‏,‏ فإن من الواضح أن الجهود المبذولة مصريا وعربيا ودوليا‏,‏ استطاعت أن تقطع شوطا طويلا علي طريق تجاوز هذه المشكلة المتبقية‏,‏ مما يمكن أن يساعد في القريب العاجل علي رفع العقوبات الدولية المفروضة علي ليبيا‏.‏ ومن المنتظر أن يمثل انتهاء هذه القضية صفحة جديدة في العلاقات المصرية ـ الليبية خصوصا‏,‏ وفي العلاقات العربية ـ العربية عموما‏,‏ سعيا إلي الخروج من دائرة الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة منذ أوائل التسعينات‏,‏ والتي تسببت في إضعاف المواقف العربية في الساحتين الإقليمية والدولية تجاه مختلف القضايا الحيوية‏,‏ كما أنه من المأمول أيضا أن يساعد إغلاق ملف قضية لوكيربي علي توفير قوة دفع إضافية نحو العمل علي تسوية باقي الخلافات العربية‏,‏ مما قد يساهم في تمكين العرب من دخول القرن الحادي والعشرين وهم علي أعتاب تطوير علاقات أفضل‏,‏ بدلا من أجواء التوتر والتأزم التي سادت فيما بينهم طيلة عقد التسعينيات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب