|
 
|
|
الكتاب
| السنة 123-العدد 41001 | 1999 | مارس | 10 | 22 من ذى القعدة 1419 هـ | الأربعاء |
|
كل اربعاء عولمة الاعلام بقلم: محمد السماك
|
|
 | |
في المجتمعات المتنوعة دينيا او عرقيا أو ثقافيا يلعب الاعلام دورا اساسيا اما باتجاه تحويل التنوع الي تعدد, وبالتالي الي تشرذم وانقسام, واما باتجاه مد جسور تقرب بين الجماعات وتكون ثقافة معرفية واحدة تظللها. غير ان الناس تستطيع اليوم ان تحصل علي مزيد من المعلومات اكثر من اي وقت مضي, وتتوافر لها مصادر للمعرفة اكثر من اي وقت مضي. لم تعد الصحافة ولا حتي التلفزة تحتكر مصادر المعرفة. ففي الولايات المتحدة مثلا, فان اكبر ثلاث محطات تلفزيونية هي أن. بي. سي واي. بي.سي وسي.بي.سي خسرت بين عامي1979 و1997(42) بالمئة من نسبة المشاهدين, وكانت أكبر خسارة في البرامج الاخبارية, اذ انخفض عدد مشاهدي هذه البرامج من60 الي38 بالمئة فقط بين عامي1993 و1998. اما قراء الصحف فقد تآكل عددهم بنسبة كبيرة ايضا, اذ انخفض عددهم بين عامي1970 و1997 من78 الي59 بالمئة. لم يتخل مشاهد والتلفزة وقراء الصحف عن متابعة الأحداث, ولم يديروا ظهرهم للمتغيرات التي تعصف بالمجتمعات والافراد ولكنهم حصلوا علي مصادر جديدة للمعرفة اسرع وإسهل, وقل كلفة. في عام1980 لم يكن الكومبيوتر ـ الحاسوب ـ معروفا. ولكن في عام1997 بلغ عدد الشركات المنتجة للكومبيوتر الشخصي7800 شركة برأسمال قدره30 مليار دولار. في الأساس فان لأجهزة الاعلام مهمة مزدوجة: نشر المعلومات ونشر الاعلانات. ولان الناس تقبل علي هذه الاجهزة من أجل المعرفة, فان الشركات تستغل هذا الاقبال للترويج لانتاجها عن طريق الاعلان. حتي اصبح الدخل الاعلاني يشكل ما بين70 و80 بالمئة من مجمل الدخل العام للصحف, وهذا يعني انه اذا توقف الدخل الاعلاني تضطر الصحف الي التوقف عن الصدور. ولأن النفقات الاعلانية باهظة التكاليف, فقد عمد بعض الشركات الكبري اما الي المساهمة في المؤسسات الاعلامية القائمة او الي انشاء مؤسسات جديدة. أدي هذا الوضع الي تداخل حقائق الاعلام مع مصالح الاعلام, الامر الذي دفع الشباب في اوروبا والولايات المتحدة واليابان( الذين تتراوح اعمارهم بين18 و30 سنة) الي البحث عن مصادر اخري للمعرفة غير الصحافة, وغير الاذاعة وغير التلفزة فكان الاقبال علي الانترنت وهو إقبال يشكل في حد ذاته احد ابرز مصادر ثقافة القرن الواحد والعشرين. لم تنفتح بعض الدول العربية علي هذه الاداة المعرفية بعد ذلك فان دولة عربية صغيرة مثل لبنان تستخدم الانترنت بما يعادل ثلث حجم استخداماته في الوطن العربي كله ان اسطوانتين لا يتعدي ثمنهما25 دولارا تتضمنان كل المعلومات والصور والاحصاءات التي يحملها24 مجلدا من الموسوعة البريطانية والتي يزيد ثمنها علي ألفي دولار. تؤسس هذه المتغيرات لقيام وضع جديد يهدد قيمنا الاجتماعية ونفوذنا السياسي كما يهدد حتي توازناتنا المالية والاقتصادية. ففي الوقت الذي يعمل فيه الاعلام علي إلغاء المسافات متجاهلا الحدود والسدود وفي الوقت الذي يتضاءل فيه حجم العالم, يتعاظم حجم الشركات عن طريق الاندماج ففي العام الماضي وحده حدثت7800 عملية اندماج بين شركات امريكية بقيمة657 الف مليون دولار. وكان اخرها الاندماج بين شركتي كريسلر ودايملربنز لانتاتج السيارات بقيمة40 الف مليون دولار. وهو اندماج يوفر علي الشركتين من نفقاتهما السنوية مبلغ3 الاف مليون دولار. من هنا السؤال الذي يقض علينا المضاجع: ـ آي ثقافة وطنية في ظل العولمة الاعلامية ؟. وأي اقتصاد وطني في ظل السوق المفتوحة والشركات المتعملقة العابرة للقارات ؟ هل يستطيع الاعلام الوطني ان يقف سدا في وجه التيار العالمي الجارف الذي يملأ الشاشات الصغيرة والكبيرة ويحتل موجات الأثير والصفحات المطبوعة ؟ وهل يستطيع الاقتصاد الوطني الذي يشق طريقه الي النمو بصعوبة فائقة ان ينافس الاقتصاد العالمي بإمكاناته الأغراقية غير المحدودة ؟. ان السياسة الاغراقية هي سياسة الغائية سواء كان ذلك علي المستوي الثقافي او علي المستوي الاقتصادي. فماذا يبقي من الهوية الوطنية عندما تترنح اسسها وقواعدها تحت ضربات هذه العولمة ؟
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|