مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 41001‏1999مارس 10‏22 من ذى القعدة 1419 هـالأربعاء

الوصية الأخيرة وميثاق حقوق الانسان
بقلم : جيلان حمزه
عضو مجلس إداره جمعيه انصار حقوق الانسان بمصر

اهتزت الاوساط الثقافية في مصر وعلي رأسها المجلس الأعلي للثقافة من الفكرة المستهجنة عن نقل رفات الاديبة الكبيرة الراحلة مي زيادة من ثري مصر الي قرية شحتول بلبنان بدعوي تكريمها وهي بلدة والد مي التي هاجر منها الي فلسطين حيث ولدت مي ثم إستقر في مصر الآمنة منذ عام‏..1908‏ وعادة عندما ينضج الانسان ويخطو خطواته الي سن التعقل والرشد فإنه يفكر وكلما سبر غور الحياه آمن بحقيقه الموت وحتميته‏..‏ وكانت‏'‏ مي‏'‏ وهي مازالت طفلة تتساءل عن فكرة الموت ومابعد الموت وفي مصر حين اكتملت لها الحياه الفكريه التي إختارتها وأتقنت ثماني لغات ثم إنغمست في القراءه التي لم تشبع منها قط وأصبح بتها مزارا وصالونها الأدبي من كل ثلاثاء ملتقي للعديد من الشخصيات التي شكلت الفكر والوجدان العربي وكانت‏'‏ مي‏'‏ لها القدره علي المجاراة وعلي المناظرات ندا لند كالرجال تماما وبذلك عاشت مكرمة معززة في مصر الآمنه من أعلي المستويات الفكريه وقمم ذلك الوقت أمثال العقاد والشيخ مصطفي عبدالرازق والشاعر اسماعيل صبري ومصطفي صادق الرافعي وطه حسين‏..‏ وكانت لها علاقة تعلق شديدة بالأديب اللبناني جبران خليل جبران الذي كان يعيش آنذاك في المهجر في الولايات المتحده الامريكيه من خلال الخطابات المتبادلة فقط وان لم تره حتي مات‏..‏ لقد كان لهما مزاج واحدأقرب تشبيه له أنها مزاج صوفي بعيد عن الدنيويات‏..‏ شديد الإنحال في فكرة الموت وما بعد الموت وكان قد بعث اليها ببعض مؤلفاته مثل النبي‏''‏ والأجنحه المتكسره
قبل وفاته عام‏1931‏ ولم يبلغ الثامنه والاربعين من عمره كما فقدت في نفس العام أباها وأمها فتأزمت نفسيا وطفحت المرارة في عبارتها المكتوبه وجمعت المتناقضات فيما تكتب فإن سطرت علي معني النهار فلابد من السواد وأن كانت الضحكات فلابد من الدموع وان كان الضوء فلابد من الظلمة وهكذا‏..‏ وهكذا ورغم أن صالونها الأدبي كان يغص بالقمم المفكرة الا أنهم جميعا وبلا استشناء لم ينتبهوا الي ما يعتمل في أعماق‏'‏ مي‏'‏ وما يعتصرها‏..‏ وكانت لها سفرة الي فرنسا عام‏1932‏ ولما عادت الي مصر إنخلع قلبها بموت حافظ إبراهيم ثم أحمد شوقي كل هذا ولم يشعر بجراحها ومعاناتها أي من المترددين علي صالونها ومن تعتبرهم في منزلة أصدق الاصدقاء وكان من الطبيعي بعد أن صدمت فيهم أن تتقوقع علي جراحها وترفض الآخرين وكأنها آمنت بكلمات جون بول سارتر وفلسفته
‏Lemfar C'est les autres
أوالاخرين هم الجحيم‏...‏ هذا الرفض كان بدايه خطيره جدا من الناحيتين الفكرية والصحية إذا أنها سقطت طواعية في حالة من الاكتئاب فالتقط هذا الخيط أقاربها ليأخذوها الي لبنان والكارثة أنهم أودعوها مستشفي العصفوريه للأمراض العقلية لمده عام كامل والهدف المادي البغيض من وراء فعلتهم‏.‏ قاومت‏'‏ مي‏'‏ وضعها بإستماتة فنقلوها الي منزل خاص حيث إستعادت بعضا من قدرتها بعد شهور معدودة وبعد ذلك مباشره ألقت محاضرة في الجامعة الامريكية في بيروت وإختارت لها عنوان‏'‏ رساله الاديب الي الحياه‏'‏
وكان ذلك بمثابة التحدي لمن إتهموها بالجنون وبعد معاناة أخري وجهاد عادت الي مصر حيث ألقت محاضرة أخري في قاعه‏'‏ ايوارت‏'‏ بالجامعة الامريكية كنوع من التأكيد علي فكرة الدفاع عن نفسها‏..‏
وفي هذه الايام يمر‏113‏ عاما علي مولدها لتطفو فكرة بغيضة وضالة تعكر أي نفس إنسانية في كل مكان عن نقل رفاتها وهي التي شعرت بإنسانيتها وبحريتها حين مست أقدامها تراب مصر بعد عودتها من براثن أهلها في لبنان وتقول الكاتبة صافيناز كاظم عن وصايا مي المؤكدة‏:'‏ لاأريد أن أموت خارج بيتي هذا في القاهرة وخارج سريري الذي اكتب عليه جالسة‏..‏ أحبك يامصر‏..‏ أحبك أيها الشرق وأحب الانسانية في معانيها الصالحة‏..‏ عادت روحي الي مصر فدعوني‏.....‏ إن ارادة مي واضحة صريحة وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الانسان هو أهم وثيقة صدرت في القرن الحالي من ناحية تأثيره العظيم حتي أنه أنشيء مكتب جديد لحقوق الانسان في الأمم المتحده وأنشئت محكمة دولية للتعامل مع إنتهاكات حقوق الانسان وهناك كذلك التفسيرات الموسعة للإعلان العالمي لحقوق الانسان في كثير من المواقع علي ظهر المعمورة فكيف بعد كل هذا أن ألاتحترم إرادة الانسان في وصيته في أدق ما يخصه إلا وهو أن يختاربكامل إرادته الأرض التي اكرمته ليدفن فيها دون أن يقهر علي أن ينقل الي البقعة التي أهانته واستباحت العبث بأعز ما يملكه أي إنسان ألا وهو العقل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب