مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 41001‏1999مارس 10‏22 من ذى القعدة 1419 هـالأربعاء

الفشل في إدارة ميدان عام‏!‏
بقلم : نبيل عمر

المدن كالنساء لها نفس الطبائع والصفات‏,‏ الشقية والمتزنة‏,‏ المتحررة والمتزمتة‏,‏ الهادئة والصاخبة‏,‏ الغجرية والتقليدية‏,‏ الكئيبة والمبتهجة‏,‏ بنت الناس وبنت الليل‏,‏ والميادين هي موضع الفتنة فيها‏,‏ الوجه الذي يدل علي صاحبته‏,‏ أول ملمح يلفت الانتباه‏,‏ ويثير الشهية‏,‏ ويبعث الدهشة والولع‏,‏ أو قد يصنع العكس ويسد النفس‏!‏
الميدان هو عصارة الشخصية والثقافة والتاريخ ودرجة التحضر‏,‏ وليس هناك ماهو أقبح من ميدان باب الحديد‏,‏ أو أكثر أهمية منه في حياة المصريين‏,‏ فدوره يتجاوز معني الميدان إلي وظيفة بوابة القاهرة أو محطة مصر ـ مفترق طرق لـ ملايين المواطنين إلي أم الدنيا‏,‏ ذهابا وإيابا‏,‏ فالعاصمة هي مركز الاضواء والسلطة والوزارات والهيئات والمؤسسات والنشاطات العامة و‏40%‏ من النشاط الخاص‏!‏
وباب الحديد‏..‏ حالة فوضي عارمة يندر أن يكون لها مثيل في أي بقعة علي كوكب الارض‏,‏ صورة مثلي للتكدس والحركة العشوائية‏,‏ سيارات وبشر ودراجات وميكروباصات وموتوسيكلات وعربات كارو وباعة جائلون‏,‏ جميعهم يتحركون في آن واحد‏,‏ وفي كل الاتجاهات‏,‏ بلا ضابط أو رابط أو نظام أو اخلاق‏,‏ خاصة تلك الميكروباصات التي تتوقف في أي ركن من الميدان‏,‏ علي يمين الطريق أو وسطه‏,‏ أو شماله لا يهم‏..‏ المهم أن يراه السائقون ـ الذين يعادون أبسط أصول الذوق ـ مناسبا‏,‏ للتخلص من الركاب أو اصطياد ركاب جدد‏,‏ فيبعثرونهم كالحواجز في قلب شوارع الميدان بين السيارات الاخري القادمة من الخلف‏!‏
الميدان أشبه بساحة لكائنات وآلات ظلت محبوسة زمنا في حيز ضيق وانطلقت علي سجيتها لاترعوي عن التدافع والاندفاع‏,‏ لكن الاصعب هو حال المشاه‏,‏ الناس المتروكة لحالها‏,‏ ومجبرة علي التصرف وفق منطق الزحام والخطر المحدق بها‏,‏ كل فرد علي قدر شطارته في لعبة السيرك العام‏,‏ ومهاراته الخاصة في التقافز بين السيارات المنفلتة أو تمائن الموت المعدنية في هذه الحالة‏!‏
والناس أنواع وأعمار وأحوال صحية‏,‏ ليسوا جميعا شبانا قادرين علي التقافز ـ مثل القرود ـ في غابة ميدان باب الحديد‏,‏ بعضهم بنات صغيرات أو امهات حاملات في ايديهن أطفالا أو شيوخ يتوكأون علي عصي تعينهم علي تيبس العظام‏,‏ أو عائلات أو معاقون أو حتي شبان يشيلون حقائب أو‏...‏ أو‏...!‏
لا إشارة مرور ولا جندي يضبط حركة هذا الطوفان البشري ويمنع عنه وعن الاخرين مخاطر هائمة علي الارض ومنطلقة حولهم‏,‏ ويتساءل المرء‏:‏ هل الهدف من إدارة المرور هو فقط تنظيم السيارات‏,‏ دون أدني اهتمام بحركة الناس الذين يمشون علي اقدامهم؟‏!‏
أيهما أولي بالرعاية السيارات أم الناس؟‏!‏
وميدان باب الحديد‏..‏ هو عنوان ضخم يجسد بالصوت والصورة أزمة المرور في مصر‏,‏ وتشي فوضويته بأن الازمة لن تجد مخرجا في قانون يعدل أو غرامات تزاد أو حملات مفاجئة تدبر‏,‏ لان الازمة في جوهرها أعمق من مجرد مخالفات ترتكب‏.‏ لايردعها القانون وتفاهة مبلغ الغرامات وسهو الحملات المرورية‏!‏
ميدان باب الحديد‏..‏ هو مشهد اجتماعي ثقافي وليس حالة قانونية
‏,‏ ولايمكن للقانون مهما اشتدت قوة مواد الردع فيه أن يطارد أسبابا اجتماعية أو اقتصادية وسياسية‏,‏ فهذا ليس دور القانون أو وظيفته‏,‏ واذا اطلقناه متصورين أنه من ادوات سد النواقص والنقائص الاجتماعية والثقافية والسياسية‏,‏ فهذه محاولة فاشلة للهروب‏,‏من مواجهة جذور التسوس المجتمعي الذي قد يتقيح علي جلد المجتمع في أشكال مختلفة كالدروس الخصوصية أو البلطجة أو العنف أو انهيار معايير الاداء المهني أو التسيب أو الواسطة أو السلوكيات المعوجة في الشارع أو أزمة المرور‏,‏ ثم إلقاء التبعة ـ في أي من هذه الحالات ـ علي ثغرات قانونية غامضة يلزم رتقها بمواد إضافية‏,‏ وقد يصلح هذا اذا كان المشهد القبيح في ميدان باب الحديد استثنائيا أو حالة خاصة‏,‏ وانما هو مشهد قد يتسع أو يضيق بدرجات متفاوته في ميادين أخري كثيرة سواء بالقاهرة أو بعواصم الاقاليم‏!‏
وأخطر ما في المشهد هو الاستهتار بالقانون وتجاهله وتعمد مخالفته والاستهانة بقيمة الانسان‏,‏ لافرق هنا بين السيارات والبشر‏,‏ وإن كان للبشر بعض العذر‏,‏ فالارصفة متآكلة أو محتلة‏,‏ وشاغلوها من مقاه وباعه وعمال بناء ومعارض ومحلات وأحيانا سيارات راكنة لايعترفون بحق المشاة بالسير عليها‏,‏ وكيف يفعلون وادارة المرور نفسها لاتقر حق المشاة في خطوط خاصة تمكنهم من عبور الشارع في امان‏.‏ وشارعا رمسيس والجلاء ـ علي سبيل المثال ـ هما نموذج لتجاهل هذا الحق‏.‏
وعندما يلاحظ الناس استهانة السيارات باشارات المرور وبالجندي الذي ينظم حركته ويعتادون سلوك اصحاب هذه السيارات الذين يتصرفون كما لو انهم يملكون الطريق ومن عليه‏,‏ يستقر في وجدانهم أن بين ظهرانيهم من هم أكبر من القانون وادوات تنفيذه‏,‏ فتنكسر صورة القانون وجدواه في اذهانهم‏,,‏ نخل محل الثقة فيه رغبة في الخروج عليه‏,‏ لعلهم يتساوون ـ ولو من الناحية الشكلية ـ مع هؤلاء الكبار القادرين‏,‏ لافرق بين المتعلمين والاميين‏,‏ بين المثقفين وارباب المهنة الحرفية‏,‏ بين المعدمين والاثرياء‏.‏
وأبلغ دليل هو مايحدث أمام جامعة عين شمس يوميا‏,‏ الاف الطلبة الذين يفترض فيهم الوعي والرغبة في التقدم والحلم بالافضل هم الذين يعبرون الطريق بين ضفتيه غير عابئين بالسيارات أو تنظيم المرور‏,‏ تاركين كوبري المشاة العلوي الذي يبعد عشرات الامتار خاليا كآنه شاهد قبر‏!‏
تعديل قانون المرور ليس هو المفتاح السحري لحل أزمة مرور المستعصية‏,‏ ولا حتي هو مدخل صحيح اليها‏,‏ ونحن لاننكر مدي التزايد الرهيب الذي اصاب عدد السيارات‏,‏ والذي لا يتناسب مع ثبات استيعاب الشوارع والكباري العلوية‏,‏ لكن علينا اولا الا نترك الشوارع تبدو كما لو كانت صورة مصغرة من أوضاع القوي الاجتماعية والاقتصادية‏,‏ ونعيد اليها هويتها الاصلية‏,‏ شوارعا عامة يتساوي فيها المواطنون‏,‏ الراكبون والسائرون أصحاب النفوذ واصحاب الستر‏,‏ سيارة الموظف وسيارة مدير المرور‏,‏ السيات والشبح‏,‏ أي نجعل الشارع بمثابة اعلان دائم‏,‏ عام وعلني عن تنفيذ القانون بصرامة دون تفرقة‏,‏ لان الانسان أي انسان هو حجر الزاوية فيه‏!‏
واعتقد أننا لو نجحنا في حل فوضوية ميدان باب الحديد‏,‏ وأعدنا اليه النظام والتنظيم‏,‏ فسوف تحل أزمة المرور تباعا دون الحاجة إلي قانون جديد أو قانون قديم معدل‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب