مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 41001‏1999مارس 10‏22 من ذى القعدة 1419 هـالأربعاء

الفجوة بين سياسات اسرائيل ومصالح الشعب الأمريكي
بقلم : عاطف الغمري

تعاني السياسة الخارجية الأمريكية من مشكلتين رئيسيتين تتسببان في ظهور خلل في بناء السياسة الخارجية في فترات التحول التي تجد فيها الولايات المتحدة نفسها محتاجة للانتقال إلي عصر دولي جديد لم تعد تصلح فيه المباديء القديمة للسياسة الخارجية التي كانت تسير عليها لسنوات طويلة‏.‏
المشكلة الأولي‏:‏ أن المؤسسة المختصة بالسياسة الخارجية تمارس عملية مناقشة هذه السياسة من حيث أفكارها أو إجراءات تنفيذها داخل دائرة مغلقة عليها‏.‏ وبأقل قدر من التداخل من خارج هذه الدائرة‏.‏ والمشكلة الثانية والتي تساعد علي وجود هذا الوضع‏,‏ هي نقص الخبرة والمعلومات‏,‏ والاهتمام‏,‏ والمتابعة‏,‏ من جانب المواطن الأمريكي العادي بقضايا الشئون الخارجية‏.‏
يضاف الي ذلك اقتناع قديم بأن السياسة الخارجية يجب أن تكون في خدمة جدول أعمال الشئون الداخلية‏,‏ أكثر من التركيز علي المشكلات الأولية التقليدية‏.‏ وربما كان مما يساعد علي تأكيد هذا الاقتناع إحساس الشعب الأمريكي في سنوات الحرب الباردة بأنها القوة الأعظم القادرة علي حماية مصالحهم الحيوية في الخارج‏.‏
وكانت استمرارية السياسة الخارجية في فترة الحرب الباردة ممكنة لوجود مبدأ محدد تسير عليه هذه السياسة‏,‏ ولوضوح الدور الأمريكي‏,‏ وبالتالي قدراته علي ان يحشد مستوي كافيا من تأييد الرأي العام‏,‏ وراء السياسة الخارجية التي تسير عليها البلاد‏.‏
وفي الولايات المتحدة فإن السياسة الخارجية يكون لها وجود وفاعلية ومشروعية إذا توافرت شروط محددة في الداخل تتمثل في قبول ثلاث قوي رئيسية لها هي‏:(1)‏ الجهاز التنفيذي ممثلا في مؤسسة الرئاسة والوزارات المعاونة لها‏,(2)‏ الكونجرس‏,(3)‏ الرأي العام‏.‏
ولم يشترط علماء السياسة والدستور‏,‏ بقية العناصر الأخري المؤثرة في صناعة قرار السياسة الخارجية مثل جماعات المصالح‏,‏ وقوي الضغط وغيرها‏,‏ باعتبار أن الأخيرة لها دور في صناعة القرار‏,‏ ولكنها ليس لها دور في مشروعيته‏.‏
وبالنسبة لموضوع احتكار النخبة لصناعة قرار السياسة الخارجية‏,‏ فإنه ليس من الإنصاف القول بوجود احتكار مطلق لهذه النخبة‏,‏ فالحقيقة ولدقة التعبير فإن النخبة تنفرد بهذا الدور‏,‏ ولكن تجري حوله مناقشات واسعة في عدد كبير من مراكز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية
‏(ThinkTanks)
وفي مؤتمرات وندوات‏,‏ ويحدث في كثير من الأحيان أن الحكومة تتخذ من إحدي هذه الدراسات أو إحدي الرؤي التي تطرح في هذه المناقشات سياسة رسمية خارجية لها‏,‏ وعلي سبيل المثال فن فكرة الردع النووي التي كانت الحكومة الأمريكية قد تبنتها كسياسة رسمية لها في أواخر الخمسينات كانت قد استخلصتها من كتاب لهنري كيسنجر‏,‏ وكان مازال وقتها أستاذا بجامعة هارفارد‏.‏ كما أن سياسة كارتر للسلام في الشرق الأوسط التي قامت علي جمع الرئيس السادات ومناحم بيجن في كامب ديفيد لفترة متصلة‏,‏ كان كارتر قد استخلصها من دراسة أجريت في معهد بروكينجز الشهير في واشنطن‏,‏ وهكذا‏.‏
وكانت استمرارية السياسة الخارجية تعتمد علي أن الرأي العام يلقي بكل ثقله وراءها مقتنعا بسلامة أداء الحكومة لدورها في هذا الشأن حتي ولو كانت هذه السياسة من صنع النخبة‏,‏ لكن هذا الوضع تغير كثيرا بعد انتهاء الحرب الباردة‏,‏ وإحساس الرأي العام بعدم وجود سياسة خارجية حقيقية‏,‏ وبأن هناك فراغا داخل هذا المجال‏.‏
وكان مما ساعد علي تراخي تأييد الرأي العام لقيادته السياسية في سياستها الخارجية‏,‏ ما حدث داخل دائرة النخبة التي كان يثق في دورها بعد ظهور الانقسامات الحادة داخل النخبة حول قيمة السياسة الخارجية التي تسير عليها القيادة السياسية‏,‏ وما إذا كانت تعبر عن المصالح الحيوية للشعب الأمريكي أم أنها في بعض الأحيان ضد مصالحه الحيوية‏.‏
وكان هذا من الأسباب التي جعلت إدارة كلينتون تسعي لأول مرة الي النزول الي الشارع ومحاولة مخاطبة الرأي العام مباشرة وليس من خلال النخبة‏,‏ وشرح كيفية تعبير السياسات الخارجية عن مصالحهم الحيوية‏.‏ وكان من ابرز هذه التحركات الجولات التي قامت بها مادلين أولبريت وزيرة الخارجية‏,‏ ووليم كوهين وزير الدفاع وساندي بيرجر مستشار الرئيس كلينتون للأمن القومي‏,‏ إلي عدد من الجامعات في ولاية أمريكية بعيدة عن العاصمة واشنطن‏.‏
ولعلي هنا استعير تعبيرا لجيمس روبن مساعد وزيرة الخارجية للشئون العامة والمتحدث الرسمي باسمها‏,‏ وهو قوله‏:‏ إن السياسة الخارجية الوحيدة التي يمكن أن يكتب لها البقاء هي تلك التي تتمتع بمساندة الرأي العام‏.‏ فالشعب الأمريكي يعيش نتائج القرارات التي تتخذ‏,‏ وإذا لم يكن سعيدا بها‏,‏ فإنه يستطيع أن يستأجر شخصا آخر‏(‏ رئيسا‏)‏ لاتخاذ هذه القرارات‏.‏
ولقد أظهرت نهاية الحرب الباردة ضعف العلاقة ما بين السياسة الخارجية وحسابات السياسات الداخلية‏,‏ وهو ما فتح الباب لمناقشات لا تنتهي لدي الرأي العام بالنسبة لمدي تعبير السياسة الخارجية عن المصالح الحيوية للمواطن الأمريكي‏,‏ خاصة تعبير قوي الضغط وجماعات المصالح عن نفسها أو عمن تمثلهم وليس عن الناخبين الأمريكيين‏.‏
وإذا كنا قد أشرنا في مقال الأسبوع الماضي إلي الخطاب السياسي للرئيس كلينتون الذي حمل عنوان السياسة الخارجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين‏.‏ وأن بعض المحللين اعتبروه برنامجا لرؤية متكاملة لاستراتيجية المستقبل للولايات المتحدة‏.‏ وأن هذا البرنامج من أهدافه إنهاء حالة الفراغ التي تعيشها السياسة الخارجية الأمريكية‏,‏ وملئها بمباديء واضحة ومحددة تعطي الولايات المتحدة كما يقول كلينتون قدرة علي أن تكون فعالة في شئون العالم وحل أزماته ومشاكله‏.‏ فإننا سوف نلاحظ أن هناك تناقضا خطيرا بين المباديء التي طرحها كلينتون وبين السياسة التي تسير عليها حكومته تجاه اسرائيل‏.‏
وعلي سبيل المثال‏:‏ فإن المباديء التي أعلنها كلينتون تتضمن ان الدور السياسي الدولي الفعال والنشيط للولايات المتحدة هو الضمان للسلام واستقرار العالم ورخائه‏,‏ بما في ذلك الولايات المتحدة‏,‏ وإن مواجهة الأخطار والتهديدات الجديدة لعصر ما بعد انتهاء الحرب الباردة يتطلب علاقات مشاركة مع دول العالم لمواجهة هذه الأخطار المشتركة‏.‏
وإذا نظرنا علي ضوء هذه المباديء العامة لوضع العلاقة مع إسرائيل فسوف نجد‏:‏
أولا‏:‏ أن تردد السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل واتخاذ موقف سلبي لا يضغط عليها للالتزام بعملية السلام‏,‏ هو شيء مناقض لإرادة الرأي العام الأمريكي نفسه‏.‏ فبينماكانت قوي الضغط اليهودي تضغط علي إدارة كلينتون وتحشد في مواجهته عشرات من أعضاء الكونجرس بمجلس الشيوخ والنواب لكي تفرض عليه سياسة تطالب بترك رئيس وزراء إسرائيل يفعل ما يحلو له‏,‏ بدون أي ضغوط عليه‏,‏ فإننا نجد أن استطلاعا للرأي جري في أنحاء الولايات المتحدةبين الأمريكيين كانت نتيجته علي النحو التالي‏:‏
هل توافق أولا توافق علي قيام دولة فلسطين مستقلة؟
وكانت النتيجة‏09‏ و‏53%‏موافقين‏,03‏ و‏15%‏ غير موافقين‏,08‏ و‏30%‏ لم يحددوا موقفهم‏.‏
هل توافق أو لا توافق علي أن تؤجل الإدارة الأمريكية تقديم مبلغ المعونة السنوية لإسرائيل
وهو‏02‏و‏3‏مليار دولارإلي أن تواصل إسرائيل مفاوضات السلام؟
وكانت النتيجة‏07‏ و‏60%‏موافقون‏,09‏ و‏25%‏ غير موافقون‏,04‏ و‏13%‏ لم يحددوا موقفهم‏.‏
ثانيا‏:‏ إن العلاقات الخاصة مع اسرائيل والتي كانت تدفع الإدارة الأمريكية في سنوات الحرب الباردة‏,‏ إما إلي التحيز المطلق للسياسات الإسرائيلية‏,‏ أو غض النظر عما تفعله تجاه العرب سواء بالحرب أو بالتوسع أو بالإستيلاء علي الأرض أو رفض الانسحاب منها‏,‏ فإن ذلك كله يخدم المصالح الحيوية للشعب الأمريكي من زاوية استراتيجية الصراع مع الاتحاد السوفيتي باعتبار إسرائيل جزءا من الاستراتيجية‏,‏ علي أساس أنها قاعدة عمليات متقدمةفي خدمة مواجهة توسع النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط‏.‏
وهذا الوضع كان يمكن أن يكون صالحافي سنوات مضت‏,‏ لكن تغير النظام الدولي وظهور تهديدات جديدة للمصالح الحيوية وللأمن القومي للأمريكيين قد جعل القاعدة المتقدمة بلا دور أو فاعلية‏,‏ لأن القاعدة المتقدمة
الآن هي خط الحدود للولايات المتحدة ذاتها علي أساس أن نوعية التهديدات الجديدة إذا كانت لها مصادرفي مناطق أخري من العالم فإن لها مصادر من داخل الولايات ذاتها‏,‏ ومنها الإرهاب والجريمة الدولية المنظمة وتهريب المخدرات وغيره‏.‏ وكلها تحتاج إلي قاعدة متقدمة لمواجهة زحفها تتكون من دول عديدة وليس إسرائيل كما كان الحال في سنوات استراتيجية مواجهة نفوذ العدو الواحد‏(‏ الاتحاد السوفيتي السابق‏)‏
ثالثا‏:‏ إن وقوف الولايات المتحدة بلا حول ولا وقوةأمام تفسيرات إسرائيل للأوضاع السياسية في المنطقة والتي تبرر بها عدم مضيها في عملية السلام‏,‏ هو شيء يضر بالمصالح الأمريكية نفسها‏.‏ وعلي سبيل المثال نتنياهو مازال يركز علي أن أحد الأسباب الرئيسية لرفضه قيام الدولة الفلسطينية‏,‏ هو أنه لايضمن ألا تقوم هذه الدولة في المستقبل بتوقيع اتفاقيات أو تعامل مع كل من العراق وإيران‏.‏ وبهذا فإنه يعمل علي إقحام هاتين الدولتين في قضية السلام والاستقرار الإقليمي التي ينبغي ألا تكون لها أي ارتباط بأوضاع هاتين الدولتين‏,‏ فهما ليستا جزءا من عملية السلام بل يمكن أن تكونا معاديتين لهذه العملية‏.‏
فضلا عن أن الوضع الحالي في العراق هو وضع مرحلي ومعزولة عن المسارالعربي العام‏.‏ أما إيران فلها حساباتها الإقليمية التي تختلف تماما عن الحسابات العربية‏,‏ ومنها الحسابات الفلسطينية‏.‏
رابعا‏:‏ ولعل ذروة التناقض فيما يعنرف به كلينتون من أن أي استراتيجية أمريكية للقرن الحادي والعشرين أساسها دور أمريكي قيادي سياسي فعال ونشيط علي حد تعبيره‏.‏ فكيف يمكن أن يتحقق ذلك بينما الولايات المتحدة‏(‏ في العلن‏)‏ تعترف بعدم التزام إسرائيل وبعرقلتها لعملية السلام‏.‏ من ذلك مثلا رد المتحدث الرسمي للخارجية الأمريكية علي شروط نتنياهو الجديدة حتي ينفذ التزاماته بالقول أن الولايات المتحدةتري أن اتفاق واي بلانتيشن ليس مرتبطا بأي شروط لكي ينفذ‏.‏ ومنها الاشتباك العلني الذي وقع في الأسبوع الأخير أثناء المؤتمر الذي عقدته الجماعات اليهودية في واشنطن‏.‏ وكان هذا الاشتباك بين مارتن إنديك مساعد وزيرة الخارجية‏,‏ وبين ليني بن ديفيد نائب السفير الإسرائيلي في واشنطن‏.‏ وهو ماأظهر الفجوة الكبيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل فيمايتعلق بتنفيذ عملية السلام وبالتزام الفلسطينيين ورد إنديك علي مزاعم بين ديفيد عن عدم التزام الفلسطينيين حين قال أن هذا غيرصحيح‏.‏ ولقد تحققنا منه‏,‏ وتحققنا من معلوماتك‏,‏ وتحققنا من معلوماتهم‏,‏ وإن لدينا معلوماتنا‏,‏ وإن ما تقوله غير صحيح‏.‏
ومادامت الولايات المتحدة لها هذا الرأي‏,‏ ومادامت مقتنعة أن إسرائيل غيرملتزمة بالسلام فكيف يمكن أن تصبح لها دورها القيادي في العالم‏,‏ وهي منزوعة من الإيجابية والفاعلية في ممارسة دور لا يعبر فقط عما تقتنع به بل أيضا عما هي مقتنعة بأنه يحمي الرأي العام الأمريكي الذي تعتبر موافقته هي أساس مشروعيته السياسة الخارجية؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب