|
|
 | |
منذ انتهاء حرب أكتوبر1973 المجيدة, لم تغرق إسرائيل في مآتم الحزن علي قتل جنودها, كما تفعل الآن... ومنذ احتلال إسرائيل للشريط الحدودي في جنوب لبنان قبل أكثر من عشرين عاما, ومنذ اجتياحها للبنان كله عام1982, لم تبك علي كثرة قتلاها كما تبكي الآن... وحين أقامت ماتسميه الشريط الحدودي الآمن في جنوب لبنان, كان هدفها تأمين الجليل الشمالي ـ داخل الحدود الإسرائيلية ـ من هجمات المقاومة سواء باطلاق الصواريخ, أو بعبور الحدود في مهمات قتالية انتحارية, وحين غزت لبنان وصولا لاحتلال العاصمة اللامعة بيروت, وأعملت فيها التدمير والمذابح بقيادة الارهابي الشهير اريل شارون ـ وزير الخارجية الحالي ـ كان هدفها إخراج المقاومة الفلسطينية من كل لبنان, تصوار أنها بذلك ستؤمن حدودها الشمالية! نجحت إسرائيل تماما في تدمير بيروت واحتلال الجنوب, ثم في ترحيل المقاومة الفلسطينية من الأرض اللبنانية, ونجحت في تلقين الإنسانية الحديثة درسا في كيفية إيقاع المذابح وإجراء المجازر بلا تمييز, لكنها لم تنجح في كتم صوت المقاومة وكسر إرادة القتال وذبح جمود المقاومين المصرين علي تحرير الأرض من دنس الاحتلال النازي الجديد.. بعد عشرين عاما من الكر والفر, من الحرب الخفية والطويلة والمستمرة, أدركت إسرائيل ـ بكل تياراتها السياسية والعسكرية ـ مع كل حلفائها في المحيط العربي والدولي ـ!! ـ أن جنوب لبنان قد تحول الي مستنقع للدم الإسرائيلي المهدر كل يوم دون توقف, وأدرك الجميع أن جنوب لبنان, هو الجبهة العربية الساخنة الوحيدة, التي تمارس المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي, بينما خطوات التسوية تتعثر وفرسان السلام المتهافت يتساقطون! ولقد تكاتف العرب مع إسرائيل, علي مدي عشرين عاما أو يزيد, لكي تظل حرب المقاومة في جنوب لبنان, حربا خفية لا يسمع لها أحد صوتا, حتي لا تعكر الجو علي حلفاء السلام, فقد كان لكل من العرب وإسرائيل هدف محدد لإخفاء ضجيج القتال والدم الإسرائيلي النازف هناك.. بعض العرب رأي في المقاومة الوطنية اللبنانية, بكل فرقها وفصائلها وتنويعاتها, مجرد مشاركة صبيانية لا معني لها ولن تحقق شيئا ذا قيمة, إذ أنها لن تتمكن من زحزحة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب, ولن تهزم الجيش الذي لا يقهر, وبعض العرب رأي في الأعمال الطائشة لهذه المقاومة وفصائلها المنفلتة ـ أو المتطرفة في وصف آخر ـ إحراجا سياسيا وعسكريا لباقي الجبهات العربية الصامتة بحزم, بل إحراجا لخيار السلام الاستراتيجي الذي تبناه العرب أجمعون, وإن اختلفت بهم سبل الوصول إليه والتفاوض حوله. أما إسرائيل, فقد أخفت منذ البداية جاهدة, قلقها من هذا الشغب الإرهابي الذي تمارسه جماعات إرهابية انطلاقا من جنوب لبنان, لكنها لم تستطع أن تنجح حتي النهاية في إخفاء القلق, أو التغطية علي الحرب الخفية المستمرة والدامية, فإذا بأخبارها تنفجر كل يوم عبرالصحف والتليفزيونات والأحزاب والمعابد والمقابر وعويل الأمهات, الذي لا يكاد يتوقف حزنا علي القتلي الإسرائيليين الآتية جثثهم من جنوب لبنان, هذه اللعنة الدموية علي حد تعبير إحدي الصحف الإسرائيلية! الآن.. بلغ انفجار الغضب والعويل في اسرائيل مداه, لأن الأيام القليلة الماضية, حملت لكل بيت إسرائيلي, شحنة جديدة من الحزن الحانق, مع أخبار ضحايا جيش الدفاع المتساقطين في فخ المقاومة الوطنية في المستنقع اللبناني, الذي لم تفلح الطائرات والدبابات والبوارج الإسرائيلية في كتم هديرها الصاخب, ولا في وقف مقاومتها الشرعية لاحتلال غاشم, وهو حق كفلته كل الشرائع والمواثيق الدولية.
خلال اسبوع واحد هو الأخير من شهر فبراير الماضي, جرت علي أرض جنوب لبنان ثلاث وقائع مهمة, أحدثت أثرها الشديد في مسار الأحداث عربيا وإسرائيليا ودوليا, دون مبالغة! الواقعة الأولي, تمثلت في اقتحام جمهور من الطلاب اللبنانيين العزل, لقرية أرنون الواقعة علي خط التماس علي الشريط الأمني الذي تحتله إسرائيل في جنوب لبنان.. كانت إسرائيل قد احتلتها وأضافتها للشريط الآمن كما تصفه, بحجة استغلال مقاتلي حزب الله, لها كقاعدة انطلاق لهم واطلاق صواريخهم علي الجيش الإسرائيلي وقوات حلفائه العملاء, لكن الطلاب اقتحموا الأسوار الشائكة وأزالوها وأعادوا القرية إلي حضن الوطن, ولم تجرؤ إسرائيل علي ارتكاب مذبحة هائلة, فتركتهم مؤقتا علي الأقل! لكن صدي ذلك كان هائلا بكل المقاييس. الواقعة الثانية تمثلت في عملية جريئة قامت بها المقاومة الوطنية اللبنانية ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي, في منطقة البقاع الغربي, قتلت فيها ثلاثة ضباط من لواء المظليين وجرحت خمسة جنود إسرائيليين, عادت جثثهم ملفوفة بالحزن الإسرائيلي! بعدها بساعات حدثت الواقعة الثالثة, وهي عملية الهجوم الجريئة التي شنتها المقاومة اللبنانية ضد قافلة عسكرية إسرائيلية, علي طريق حصبايا ـ مرجعيون, وقتلت فيها الجنرال أريز جيرستين قائد الارتباط الاسرائيلي في جنوب لبنان وثلاثة عسكريين آخرين والمراسل العسكري لاذاعة إسرائيل, فكانت ثالثة الوقائع, التي مزقت جدار الصمت, مع بركان الحزن. وبقدر النجاحات المذهلة التي تحققت من هذه الوقائع الثلاث, لبنانيا وعربيا, سياسيا وعسكريا وإعلاميا, بقدر الهول الذي وقع علي قلوب الإسرائيليين, ليس فقط من سرعة وتقارب الأحداث, بل من ضخامة الضحايا ونوعية القتلي, وعلي رأسهم جنرال معروف, هو أول جنرال يقتل في هذا المستنقع الدامي منذ غزو لبنان عام1982. صحيح كان رد الفعل العسكري الإسرائيلي, قاسيا وعنيفا, عبر شن هجوم بري وبحري وجوي واسع النطاق, علي الأراضي والأهداف اللبنانية, ليس فقط في الجنوب حيث مسرح العمليات, ولكن امتدادا حتي مدينة بعلبك في البقاع, تماسا مع مواقع الجيش السوري, ولأول مرة منذ أكثر من12 عاما! لكن الصحيح أن رد فعل ماجري في الجنوب اللبناني بواسطة المقاومة الوطنية والاسلامية الباسلة, كان أقسي وأعنف داخل إسرائيليا ذاتها, بكل فئاتها وتكويناتها الاجتماعية والسياسية والعسكرية, حيث تقاطرت قوافل قتلي المستنقع اللبناني, وتزاحمت حول القبور قوافل المنادين بوقفة حازمة مع مايجري, بعضهم طالب بانتقام إسرائيلي يدمر كل لبنان ويوجع سوريا في الصميم, وبعضهم الآخر طالب بالانسحاب الإسرائيلي الفوري من هذا المستنقع, لكن الجميع أدرك أن ثمن احتلالهم لجنوب لبنان باهظ ومتصاعد, وأن الحرب الخفية هناك لم تعد سرية, بعد أن تحولت الي حرب استنزاف مريرة, طالت في مدتها عن حرب الاستنزاف المصرية الموجعة فيما بين1968 ـ1971 علي جبهة قناة السويس وعمق سيناء.. وفي كل الحالات, فإن إسرائيل لا تقدر علي خوض حروب استنزاف طويلة ولا تقوي علي مواجهة غرس السكين في جسدها الحي كل يوم, لكنها مؤهلة أكثر لخوض الحرب الخاطفة الباطشة, تحقق هدفها بسرعة, وتعود قواتها الي حيث كانت!! لكن المقاومة اللبنانية في ارض الجنوب, قلبت الوضع واستدرجت الآلة العسكرية الاسرائيلية, بل كل اسرائيل الي حرب استنزاف طويلة دامية موجعة, قلبت موازين كثيرة, موازين كان بعض العرب وكل الاسرائيليين قد راهنوا عليها من قبل... وقد خاب الرهان المزدوج! من الناحية العددية, قد تكون اسرائيل, خسرت من ضحاياها العسكريين في الحرب الخفية علي ارض الجنوب اللبناني, خلال السنوات العشر الاخيرة, اكثر مما خسرته في حربي1956 و1967... بل ان اكبر خسائرها قد حدثت في العصر الذهبي لنيتانياهو الزعيم القوي لدولة قوية وفق شعاره الانتخابي... ففي عامين ونصف تقريبا من النصف الثاني لعام1996 حتي فبراير1999, قتلت المقاومة اللبنانية165 عسكريا اسرائيليا في جنوب لبنان, بينهم قادة وضباط كبار! وهو امر لم يهز مشاعر الاسرائيليين عموما, فقط ولكنه في الحقيقة هزم غرور الجيش الاسرائيلي الذي لايقهر, هاهو ببساطة يقهر امام اشباح, تتحرك بخفة وتهاجم بضراوة وتواجه وتقاتل بشجاعة وتقتحم عرين الاسد باصرار وتنسحب او تستشهد ببسالة ثم يتكرر المشهد في كل مرة كل ليلة... المقاومة لاتتوقف ونزيف الدم لايتوقف... ونحسب ان هذا بالضبط هو سر الغليان الذي يعصف بكل بيت اسرائيلي... بركان ثائر يهز اركان البيت الذي تصور ساكنوه ـ عفوا محتلوه ـ انهم قد اصبحوا بمأمن من الخطر, فقد جروا كل العرب الي مائدة التسويات ـ المساومات, وسحبوا بعض العرب الي خندق الصداقة, صداقة حلفاء السلام... الهش المتهافت! في مواجهة البركان داخل اسرائيل, الذي نشهد هذه الايام, بعض آثاره علي مجتمع الصفوة الصهيوني, احتدمت الازمة السياسية الانتخابية الراهنة... وتركت تداعياتها تتتالي علي جمهور الناخبين المتحفز للادلاء بصوته في انتخابات17 مايو القادم, وهاهو المستنقع اللبناني الدامي يفرض نفسه قضية اساسية علي العراك الانتخابي في اسرائيل, متقدما ـ ربما ـ علي الازمة الاخطر, ازمة التعامل مع الفلسطينيين, سلاما او صداما! صحيفة معاريف واسعة الانتشار نشرت في الاسبوع الماضي, رسالة من ام اسرائيلية ملهوفة علي ابنها المجند الذي يقاتل في جنوب لبنان, موجهة الي نيتانياهو جاءت تعبيرا عن ثورة البركان داخل اسرائيل, الذي فجره رجال المقاومة الوطنية اللبنانية... تقول الام ايتاي آشر لنيتانياهو نطالبك بسرعة التخلص من هذا المستنقع اللبناني اللعين, عبر الانسحاب السريع منه, لكي تثبت للاسرائيليين شعارك الانتخابي بصدق زعيم قوي لدولة قوية إننا كأمهات نريد ابناءنا في احضاننا وليس هناك فانسحب من هذا المستنقع بعد ان تدمر كل شيء فيه, انسحب لتنقذ ارواح اولادنا من براثن الارهابيين! ولعل هذه الرسالة, تعبر بصدق عن حقيقة المزاج السائد في اسرائيل, لدي كل الاسرائيليين, لانها تجمع بين النقيضين... تريد ـ ويريد الجميع ـ تدمير لبنان علي رؤوس اهله وقتل اطفاله, بأعنف واشرس مما فعل حليف السلام الشهير شيمون بيريز, حين قصف قانا في الجنوب اللبناني, وهو رئيس وزراء قبيل انتخابات1996, تحت سمع وبصر قوات الامم المتحدة, تاركا مئات الضحايا من النساء والاطفال الابرياء.. وتريد ويريد جميع الاسرائيليين في الوقت نفسه, انقاذ ارواح جنودهم المتورطين في الحرب بالانسحاب السريع من مستنقع لبنان اللعين, بصرف النظر عن ثمن الدمار والخراب والمجازر التي يجب ان يحدثها جيش الدفاع الذي لايقهر في لبنان, قبل الانسحاب!! ولقد احدث البركان اثره سريعا في المناخ الاسرائيلي, واصبح اسم حزب الله, او المقاومة اللبنانية, مطروحا علي المزايدات الانتخابية المحتدمة هذه الايام في اسرائيل, بعد ما كان متصورا ان الاتفاق النهائي مع الفلسطينيين هو ورقة المزايدة الرئيسية.. في سوق المزايدة, سارع كما نعلم, ايهود باراك رئيس حزب العمل, والجنرال السابق, ومرشح المعارضة في انتخابات مايو القادم, الي الاعلان عن خطته في الانسحاب من لبنان خلال عام من الآن وقبل يونيو عام2000 ان نجح في الوصول الي السلطة, لكن الجنرال موشي ارينز وزير الدفاع الحالي, رد عليه بأن هذه مزايدة غير مقبولة ولن ننسحب من لبنان الا بضمان اكيد لأمننا.. فإذا بنيتانياهو يسرع في المزايدة, مؤكدا انه لايمكنه الالتزام بموعد محدد للانسحاب, ولكن هذا لايتم الا باتفاق وترتيب مع سوريا, رغم ان خيار الانسحاب من طرف واحد لايزال مطروحا... اما حزب الوسط الذي يقوده الجنرال اسحق موردخاي وزير الدفاع السابق, المنشق علي نيتانياهو وتكتل الليكود, فقد رفع سقف المزايدة, قائلا, انه مستعد للانسحاب ـ اذا فاز بمنصب رئيس الوزراء ـ خلال اربعة شهور فقط... وتتصاعد المزايدة بين جنرالات الحرب والسياسة حول لبنان, بتصاعد وتيرة الحملات الانتخابية في اسرائيل, كل حزب وكل متنافس, يلقي بأوراقه في اللعبة الخطيرة ورقة ورقة ليحرج منافسيه, ويحاول استرضاء الجمهور الناخب, لاعبا علي العواطف المهتاجة والعواصف المثارة نتيجة تساقط قتلاهم في المستنقع اللبناني الدامي... لكن السباق علي المزايدة قد تنقلب موازينه بين لحظة واخري... فماذا لو قامت المقاومة الوطنية اللبنانية, بعملية اوسع واوقعت خسائر افدح في الصفوف الاسرائيلية المحتلة.... هل يغامر نيتانياهو باجتياح لبنان ـ علي غرار اجتياح1982 ـ ليرفع اسهمه الانتخابية.. وماذا لو قامت المقاومة اللفلسطينية, خصوصا حماس بعملية انتحارية مفاجئة في الداخل الاسرائيلي, تربك الجميع, هل يستغلها نيتانياهو لمصلحته علي حساب باراك وموردخاي ام يحدث العكس.. الرأي عندي, ان نيتانياهو وتكتل الليكود اليميني العنصري, هو الاقرب للفوز في الانتخابات القادمة, ليس لانه فعلا زعيم قوي لدولة قوية حسب شعاره الانتخابي, ولكن لضعف منافسيه الآخرين اولا, ولصفع مفاوضيه العرب ثانيا, ثم لسريان روح التشدد والقوة والغطرسة في المزاج الاسرائيلي الحالي ثالثا, ونيتانياهو خير من يمثله ويعبر عنه يمارس الارهاب ثم يتهم الآخرين بممارسة الارهاب!! والله أعلم...
خير الكلام: لسان الحال, أبلغ من لسان المقال
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|