|
 
|
|
أعمدة
| السنة 123-العدد 41001 | 1999 | مارس | 10 | 22 من ذى القعدة 1419 هـ | الأربعاء |
|
حقائق بقلم : إبراهيم نافع
|
|
 | |
لم يتضح حتي الآن أي تعريف محدد لدي الإدارة الأمريكية لمفهوم حل الأزمة العراقية, ومازالت التساؤلات المثارة هي: هل مفهومها للحل هو أن يكف العراق عن أن يكون مصدر تهديد للدول المجاورة ؟ أم أن مفهومها للحل هو أن يلتزم العراق بحظر الطيران المفروض عليه في كردستان شمالا ومناطق الشيعة جنوبا ؟ أم أنه تطبيق قرارات الشرعية الدولية الداعية إلي التخلص من ترسانته العسكرية؟ أم هو إعادة لجان التفتيش للعمل في العراق؟ أم تري هل يكون الحل في مفهومها هو وجود قيادة عراقية جديدة ونظام سياسي مختلف؟ لا أحد يستطيع الإجابة بوضوح علي هذه التساؤلات, بل إنه كلما أجهد المراقب نفسه في بحث الأمر ليتعرف علي طبيعة الحل الأمريكي فإنه لا يزداد إلا حيرة وبلبلة, ويكاد يعود إلي نقطة البداية, مؤمنا بأن ماتفعله الإدارة الأمريكية لايهدف إلي حل الأزمة, وإنما إلي مجرد إدارتها وإطالة أمدها, بحيث تتوافر مظلة من التوتر عند مستوي معين تبقي الإدارة الأمريكية معه قادرة علي التحكم والسيطرة, بعيدا عن حدود الانفلات, ثم وتحت هذه المظلة يتم تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة, بدءا من تأمين مصادر النفط, مرورا بتأمين وجود قواتها في الخليج, وانتهاء بزيادة مبيعاتها من الأسلحة تحت دعوي مقاومة الخطر الذي يمثله النظام العراقي علي الدول المجاورة. والحقيقة أن مفهوم إدارة الأزمة يخدم المصالح الأمريكية في الأجل القصير, ولكنه لا يخدم المنطقة كلها, بل ولا يخدم المصالح الأمريكية نفسها في الأجل الطويل. لأن إدارة الأزمة تعني استمرار عناصر التوتر, واستمرار الحاجة إلي التدخل الأمريكي للتحكم في مصادر التوتر وللسيطرة عليها. وبذلك تظل المنطقة تعيش في حالة من الغليان والفوران. وتأتي إدارة الأزمة بديلا عن حل الأزمة كخيار أمريكي لا يبرره سوي أن الإدارة الأمريكية تحقق نجاحا في الأسلوبين اللذين طرحتهما للتعامل مع العراق, وأولهما أسلوب الاحتواء المزدوج الذي يعني احتواء إيران والعراق معا. وبالتحديد فإن السنوات الثماني الماضية أثبتت أن هذا الأسلوب قاصر تماما عن بلوغ أهدافه. وثانيهما: الأسلوب العسكري, وهنا يبدو أن الإدارة الأمريكية تختار منه أخف أشكاله وألوانه, حرصا علي أرواح طياريها, محكومة في ذلك بعقدة فيتنام. إذ تخشي أن يتحول العراق إلي مستنقع جديد تتورط فيه الآلة العسكرية الأمريكية. ومن يتابع الموقف يتأكد له أن الأعمال العسكرية الأمريكية ـ علي الرغم من أضرارها علي الشعب العراقي ـ هي نوع من تبادل الشغب بين الإدارة الأمريكية والنظام العراقي, ولكنها تظل بعيدة عن أن تكون أسلوبا يهدف إلي حل الأزمة العراقية. وعلي هذا الأساس, تفضل الإدارة الأمريكية اللجوء إلي إدارة الأزمة بخليط من الوسائل منها: القصف العسكري, ودعم المعارضة, واللعب علي الوتر الكردي في الشمال والوتر الشيعي في الجنوب, وهو خليط يمتليء بالألغام التي سوف تنفجر يوما ما في وجهنا جميعا نحن أهل المنطقة. وعلي سبيل المثال, فإن التصريحات الأمريكية عن تسليح المعارضة العراقية, تعني إعادة تكرار الخطأ الأمريكي في أفغانستان, فإشاعة وإتاحة حمل السلاح والتدريب عليه للجماعات والأفراد, سوف تزود المنطقة بمصدر جديد للقلاقل يعيد الدرس الذي لم نكد نخلص منه, وهو درس العائدون من أفغانستان, وهكذا فإن مايحلو للإدارة الأمريكية أن تفعله تحت عنوان إدارة الأزمة هو في الحقيقة يصدر للمنطقة أزمات جديدة, سوف يحملها المستقبل القريب!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|