مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40985‏1999فبراير 22‏6 من ذى القعدة 1419 هـالأثنين

النكات والسياسة
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

هناك في الحياة السياسية نكات كثيرة منها ما ينشأ عن الحوارات‏,‏ ومنها ماينشأ عن التأليف ولايؤلف النكات إلا من لايستطيع أن يقول كلمته واضحة جلية صريحة‏,‏ ومن الحوارات السياسية البالغة الذكاء ذلك الحوار الذي دار بين تشرتشل واحدي عضوات مجلس العموم البريطاني وكانت عجوزا قبيحة‏,‏ وكانت تعارض تشرشل بعنف حتي إنها قالت لتشرشل في الجلسة بصوت مرتفع‏:‏
ـ لو كنت زوجي لوضعت لك السم في فنجان الشاي وسقيته لك‏,‏ وقال تشرشل في سرعة بديهة مذهلة
ـ سيدتي لو كنت زوجك لشربت هذا الفنجان‏.‏
ومن طريف مايروي عن تشرشل أن الساقي في بيته كان شيوعيا‏,‏ وتعود تشرشل من ساقية أن يتغيب عن عشائه يوم الأربعاء ليحضر اجتماع الحزب الشيوعي‏,‏ ولم يحاول تشرشل أن يمنعه عن الذهاب إلي اجتماع الحزب‏,‏ وكان الساقي قد صارحه بأنه شيوعي‏,‏ وأنه لابد له من حضور اجتماع الحزب في مساء يوم الأربعاء من كل أشبوع‏,‏ ولم يجد تشرشل أي مانع أن يخالفه ساقيه في الرأي السياسي‏,‏ كما سمح له أن يتغيب في يوم الاجتماع‏,‏ واستمر الحال علي هذا المنوال فترة مديدة حتي كان يوم أربعاء‏,‏ وفوجئ تشرشل بساقيه يقدم له العشاء‏,‏ فعجب لذلك وسأل الساقي‏:‏
ـ أليس اليوم هو الأربعاء؟
ـ نعم
ـ فلماذا لم تذهب إلي الحزب؟
ـ استقلت من الحزب
ـ لماذا؟
ـ حين وزع الحزب أموال إنجلترا علي أفراد شعبها‏,‏ كان نصيب الفرد خمسمائة جنيه‏.‏
ـ وماذا أغضبك في هذا؟
ـ إن مدخراتي تزيد علي الألف جنيه
وهكذا أصبح الساقي من الرأسماليين‏,‏ ووجد أن الحزب الشيوعي سوف يأخذ أكثر من نصف مدخراته‏.‏ فهو لن يعطيه سنتا‏,‏ بل إنه أيضا سوف يستولي علي نصف مدخراته‏,‏ فكان طبيعيا أن يصبح مثل سيده تشرشل من المحافظين ويستقبل من الحزب الشيوعي‏.‏ وينقلب في لحظة من شيوعي إلي رأسمالي‏.‏
وهناك واقعة طريفة أخري حدثت في انجلترا أيضا يوم كتب أحد الصحفيين في جريدة انتقادا لاذعا لمجلس العموم قال فيه‏:‏ إن نصف مجلس العموم من الأغبياء‏,‏ وثارت ثائرة المجلس غضبا علي هذا القول‏,‏ فإذا بالصحفي يكتب في اليوم التالي في نفس المكان من الجريدة إني أعتذر لمجلس العموم عما قلته‏,‏ والواقع أنني أقصد أن أقول‏:‏ إن نصف مجلس العموم أذكياء‏.‏
وهكذا لم يتراجع الصحفي عن رأيه الأول بل أكد هجومه بإعتذاره هذا البالغ الذكاء‏,‏ ولم يجد مجلس العموم محيصا من أن يهدأ‏,‏ فليس فيما كتبه الصحفي ما يؤاخذه عليه‏,‏ ولكل عضو أن يدخل في حسبانه أنه من الأذكياء وليس من الأغبياء‏.‏
هذا هو نوع من الوقائع التي تقرب من النكات في الدول الحرة الدميقراطية‏,‏ أما النكات في الدول التي يسودها الطغيان الوبيل‏,‏ فهي أراء معارضة للحكم لأن أحدا لايجرؤ أن يقول رأيه صريحا ولايبقي أمامه إلا أن يؤلف النكات لتحمل الرأي الذي لايستطيع أن يكون واضحا صريحا جليا‏.‏
ورحم الله عزيز أباظة باشا حين قال في رثائه للسنهوري باشا‏:‏
ليس حكما حكم يشق من
الإرهاب مهواته إلي شهواته
ليس رأيا رأي يقر علي
الضيم ويشفي غليله في نكاته
فالنكات في الشعوب المحكومة بالقهر والجبروت هي السلاح الوحيد الذي يحاول الشعب به أن يقاوم الظلم الواقع عليه‏.‏ ولهذا لم يكن عجبا أن تنتشر النكات بمصر في وقت الحكم الجائر‏.‏
والعجيب أن هذه النكات زادت بعد زوبعة‏56‏ ثم تكاثرت في فجيعه الشعب المصري عام‏67‏ وهذا يمثل لنا ظاهرة غاية في الغرابة وتدعو إلي الدهشة الفائقة‏.‏
فالذي لاشك فيه أن الشعب كان حزينا في‏56‏ وتفاقم حزنه في‏67‏ إن لم يكن للجوانب المعنويه في تلك الهزيمة المنكرة فللمقتلة الفادحة لأبناء الشعب وشبابه‏,‏ كان حزن الشعب يماجه بعنف الغضب علي الذين خدعوه بالأماني الكذاب والشعارات الوهمية‏,‏ مثل قول الحاكمين إن مصر تملك أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط‏,‏ ومثل تجربة الصواريخ البالغة الفشل والسخرية‏.‏
ولكن الشعب المصري ليس مثل كل الشعوب‏,‏ فهو الشعب الوحيد الذي يطلق النكات في مصائبه الكبري‏,‏ وهناك كثير من الشعر الساخر نظمه الشعراء‏,‏ ومنهم شعراء كبار عن الهزيمة‏,‏ وإني أحفظ بعضه ولكني أعيذ نفسي أن أرويه لك‏,‏ فقد كان غاية في القسوة والهزء‏.‏
واليوم أين هي النكات السياسية‏.‏ اننا لانكاد نسمعها‏,‏ فقد اختفت أو كادت ولم تبق منها إلا النكات عن الأثرياء الذين يجمعون أموالهم من السحت والمال الحرام والاحتيال والاختلاس والسرقة‏.‏
أما النكات السياسية فلا مكان لها اليوم لأن مؤلف النكتة لايحتاج أن يتعب نفسه في تأليفها‏,‏ فهو يستطيع أن يقول رأيه بكل صراحة ووضوح في جميع الجرائد والمجلات القومية أو غير القومية أو المعارضة‏.‏ وقد وصل الأمر بالحرية إلي مهاجمة نجلي الرئيس أكثر من مرة‏,‏ وقمت أنا بالرد علي أحد المهاجمين‏,‏ وفي هجوم آخر رفع الأبنان الكريمان الأمر إلي القضاء حين وصل الأمر إلي تلفيق التهم التي لا أساس لها من الصحة للنجلين الكريمين‏,‏ وحين حكمت المحكمة بإدانة المهاجم تفضل الرئيس ونجلاه بالتنازل عن الدعوي‏.‏
وهذه الواقعة وحدها تدل علي مدي الحرية التي تنعم بها مصر والصحافة فيها‏,‏ أو في الصحف التي تدخل إليها من الخارج‏.‏
ففيم تؤلف النكات السياسية إذن؟
ونفس الأمر في الكتابة الرمزية في القصص والروايات‏,‏ وأنا واحد من كتابها لم أكتب قصة سياسية رمزية تمس عهد مبارك منذ تولي الحكم لأن الذي أقوله بالرمز أستطيع أن أقوله بالمقالة الناصعة الصراحة والوضوح‏.‏
والحمد لله علي ما أنعم علينا من حرية عريضة بعد أن كنا لا نلتقط أنفاسنا إلا بأمر من الطاغية‏,‏ والله سبحانه هو الفعال لما يريد سبحانه وتعالي‏,‏ وتقدست آلاؤه إنه هو العزيز القدير‏...‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب