مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40978‏1999فبراير 15‏29 من شوال 1419 هـالأثنين

من الحجاج إلي صدام
بقلم ‏:‏ ثروت اباظة

الحجاج بن يوسف الثقفي اشهر سفاح في التاريخ العربي‏,‏ وأحداث طغيانه وجبروته معروفة شهيرة لايكاد يجهلها احد‏,‏ ولكن التاريخ مع ذلك لم يغفل عن ذكر بعض وقائع سجحت فيها نفسه وغلب الخير فيه إن كان هناك شبهة خير في أمثاله‏.‏
ولعل قصته مع عمران بن حطان تصلح شاهدا علي أنه كان في بعض الاحيان يجنح إلي الأمن والسلام‏.‏
عمران بن حطان شاعر لم يكن ذا شهرة واسعة‏,‏ ومن طريف مايروي عنه انه كان قبيح‏,‏ إلي حد بعيد في حين كانت زوجته غاية في الجمال حتي انها كانت تقول له‏:‏ـ
ـ كلانا في الجنة ياعمران
ـ لماذا؟
ـ لأني رزقت مثلك فصبرت‏,‏ ورزقت مثلي فشكرت
وهذا حوار أرويه لطرافته ولاشأن له بما اريد ان احدثك فيه‏.‏
كان عمران من الثوار علي الحجاج وحكم الخليفة الذي يعمل له عبد الملك بن مروان وقبض الحجاج علي بعض هؤلاء الثوار‏,‏ وكان من بينهم عمران‏,‏ وحاكم الحجاج الفئة التي تمكن منها محاكمة صورية وامر بقتلهم حتي جاء دور عمران واجري عليه الحجاج تلك المحاكمة الرمزية ثم قال‏:‏
ـ اقتلوا ابن الفاعلة
وأمسك جنود الطاغية بعمران ليذهبوا به إلي حتفه‏,‏ ولكن عمران وقف وطالع الحجاج قائلا بحدة‏:‏
ـ لبئس ما أدبتك أمك كيف أمنت لساني أن اردها عليك هل بعد الموت منزلة أصانعك عليها‏.‏
واستخزي الحجاج مما قاله عمران‏.‏ وقال لجنوده‏:‏
ـ أطلقوا الرجل
وأفلت عمران من الموت بسرعة بديهته والتف حوله اخوانه الثوار الذين لم يقبض عليهم الحجاج وقالوا له‏:‏
ـ لابد ان تعود جهاد الحجاج
ـ بعد ان اطلق سراحي
ـ والله ما اطلقك إلا الله‏,‏ وحتم عليك ان تعود إلي حربه
ولكن عمران أبي ان ينضم إلي الثوار‏,‏ وقال بيتين من الشعر من اجمل ما قيل في العرفان بالجميل قال‏:‏ـ
أأدافع الحجاج عن سلطانه ............................................... بيد تقر بأنها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت تجاهه ...................................... في الصف واحتجت له فعلاته
وأنا أروي لك هذه الواقعة لأقارن بين الحجاج وصدام جبار العراق اليوم‏.‏
فالحجاج لم يكن عراقيا وإنما ولاه الخليفة عبد الملك بن مروان علي العراق حين ثارت عليه العراق‏,‏ وذهب الحجاج إلي العراق وبدأ ولايته بخطبته القاسية المعروفة‏,‏ فقد ذهب إلي المسجد وجلس علي مقعد المنبر صامتا معتما بعمامته وقد غطي بها الجزء الأكبر من وجهه ومكث قرابة ساعة لايتكلم حتي إذا امتنع الناس عن الهمس واتجهت العيون إليه حسر اللثام عن فمه ونهض وقال البيت الذي اشتهر شهرة واسعة للمناسبة التي قال فيها الحجاج‏:‏
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ............................................ متي اضع العمامة تعرفوني
ثم بدأ يرتجل خطبته الشهيرة التي لم يبدأها ببسم الله ولابذكر نبيه صلي الله عليه وسلم كما كان العرف جاريا في تلك الأيام‏,‏ وراح الحجاج يهدد العراقيين بالقتل والدمار حتي أنه ليقول بين ما قال‏:‏ إني أري رؤوسا قد اينعت وحان قطافها وإني لصاحبها‏,‏ وعلي هذه الوتيرة من التهديد كان خطاب الحجاج كله‏,‏ ولكن الحجاج مع هذا عفا عن عمران بن حطان لمجرد انه تناوله بما لايليق أن يقال لرجل يساق إلي الموت‏.‏
فالحجاج الطاغية السفاح كان احيانا صاحب حياء ومروءة‏.‏ ولم يكن الحجاج عراقيا يعذب مواطنيه ولكنه كان غريبا عن العراق‏.‏
فإذا فكرنا ان نقارن بين الحجاج وصدام حسين نجد هذا الأخير اشد طغيانا وابلغ جبروتا‏.‏
صدام قتل في الحروب عشرات الألوف من العراقيين‏,‏ ولم يخجل ان يأمر بتجنيد كثير من المصريين الذين كانوا في العراق وتمادي فلم يعوض اهليهم وذويهم عن وفاتهم في حرب لاشأن لهم بها‏.‏
وصدام قتل اهله وذويه وانسباءه واصهاره ولم يعبأ بدموع اقرب الناس إليه‏.‏
وصدام يقتل بيده حتي لقد قيل انه اطلق الرصاص بيده علي مجلس قيادة الثورة السابق له اجمعين مع رئيس المجلس طبعا‏.‏
وصدام اشعل حربا مع إيران المسلمة كانت نتيجتها مقتلة عظيمة لشعبه ولم يجن من هذه الحرب إلا الخزي والهزيمة‏.‏
ولم يتخذ من هذه الحرب عظة بل فجر وهاجم الكويت الدولة العربية مما جعل مصر تحارب مع الكويت ليكون صدام عبرة لكل من يفكر ان يصنع صنيعه‏,‏ وكان هذا الغزو الفاشل ومازال اعظم شرخ في الجبهة العربية ولم تمح بعد آثاره العميقة حتي يومنا هذا علي الرغم من مرور السنين عليه‏.‏ كما كان هذا الإثم من صدام مثار سخرية في العالم اجمع‏,‏ فقد اعلن الزعيم المجنون ان الكويت اصبحت محافظة من محافظات العراق‏,‏ وكانت الحرب التي دخل الجيش العراقي فيها مع القوات الأمريكية والمصرية اضحوكة يتندر بها العالم اجمع‏,‏ ولكن هذا التندر لايمنع صداما ان يعود إلي تهديد الكويت‏,‏ بل إنه تزيد فنراه تند عنه تلميحات عن السعودية ايضا‏.‏
ولاشك ان هذا التهديد للكويت والتلويح للسعودية مجرد غثاء فلن يجرؤ صدام ان يشفع شقشقته بأي عمل وإن كان أي شيء لايستغرب منه‏,‏ وصدام يرفض عرض مصر الكريم بإرسال كمية ضخمة من الدواء للشعب العراقي ولكن صدام لايعنيه في شيء ان يموت من الشعب العراقي من يموت مادام هو لديه من الدواء والغذاء مايريد ومايشتهي‏,‏ فالشعب العراقي لم يعرف عدوا له مثل صدام حسين ولاحتي السفاح الاشهر الحجاج بن يوسف الثقفي مع ان الحجاج ليس عراقيا‏,‏ والمفروض ان صدام حسين عراقي وصدق الشاعر حين قال‏:‏
وظلم ذوي القربي أشد مرارة .............................. علي النفس من وقع الحسام المهند
ولفظ الرحيم الذي هو أحب اسماء الله إليه حتي لقد كرره سبحانه وتعالي مرتين في ثلاث آيات من فاتحة كتابه مستمد من صلة الرحم التي لايعرفها صدام‏,‏ ولكن الله سبحانه قادر علي قمع كل جبار عنيد‏,‏ فهو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالي وتقدست اسماؤه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب