مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40964‏1999فبراير 1‏15 من شوال 1419 هـالأثنين

بل يفرضون أنفسهم
بقلم‏ :‏ ثروت أباظة

كثيرا ما أسمع أن الشعوب هي المسئولة عن الرؤساء الطغاة الذين ينفردون بالحكم ويذيقون شعوبهم ألوان العذاب الخانق وينزلون بهم أشد أنواع القهر والتعذيب‏.‏ وإن هذا الذي أسمعه ليس له نصيب من الصحة‏.‏ فالذي لاشك فيه أن الديكتاتور يفرض نفسه علي شعبه بقوة السلاح‏,‏ وأذكر أنني كنت في رحلة الي بولندا وركبنا حافلة كبيرة لنشهد معالم وارسو وصحبتنا في رحلة المشاهدة مرشدة لنتعرف منها علي هذه المعالم وطالعتنا قلعة ضخمة عتيدة‏.‏ وقالت المرشدة إن هذه القلعة بناها الروس وتلاحظون انها القلعة الوحيدة في العالم‏,‏ بل في التاريخ التي تتوجه فيها المدافع إلي شعب المدينة‏,‏ لا إلي غزاة المدينة وذهلنا مما نسمع‏,‏ ثم ما لبثت أن وجدت أن اتجاه المدافع الي الشعب وليس الي اعدائه وهو الاتجاه الذي يتخذه الديكتاتور بالنسبة للجيش كله أيضا‏,‏ وانه لولا أن الجيش مغلوب علي أمره لقضي علي الطاغية في طرفة عين‏.‏
هكذا كان جيش يوليوس قيصر ولهذا لم يقتل بيد جيشه وانما قتل بيد اصدقائه من المدنيين‏,‏ ولعل كلمته الأخيرة التي ظلت تدوي في أسماع الزمان آلاف السنين أكبر شاهد علي صحة هذه الواقعة‏,‏ فقد ذكر التاريخ أنه حين رأي بين قاتليه بروتس اقرب اصدقائه اليه حتي ليقول البعض انه ابنه غير الشرعي حين رأي قيصر بروتس يطعنه مع الطاعنين قال جملته الشهيرة‏:‏ حتي أنت يا بروتس اذن يموت قيصر‏.‏
ولو اننا استعرضنا الطغاة عبر التاريخ لوجدنا ان شعوبهم جميعها كانت بريئة من طغواهم ومن بقائهم في الحكم ولعلنا نستثني من هؤلاء القاتلين لحرية شعوبهم نابليون فإن انتصاراته الباذخة كانت تجعل الشعب الفرنسي يتغاضي عن تفرده بالحكم ولو ان المؤرخين لعهده لم يقبلوا ديكتاتوريته‏,‏ فأذكر اني قرأت لأحد هؤلاء الكتاب كتابا عن عهد نابليون وكان الكاتب من عشاق نابليون لدرجة أنه اذا تحدث عن حكومته قال نحن وكأنه واحد من نظام الحكم‏,‏ ومع ذلك نجده يقول إن نابليون مع عظمته كان ديكتاتورا فظيعا لدرجة أن عدد الصحفيين الذين اعتقلوا في عهده كانوا اربعة عشر صحفيا‏.‏
ولا استطيع أن أمر بهذا الرقم دون أن اذكر مقالة للاستاذ محمد حسنين هيكل سادن العصر الناصري وحبره كتبها في جريدة الأهالي وقال ما معناه ما هذه الضجة التي يثيرها خصوم العهد الناصري علي الاعتقالات في عهد عبدالناصر ان كل المعتقلين الذين وجدوا في السجون عند وفاة عبدالناصر كانوا أربعة عشر ألفا فقط‏.‏
وأترك للقاريء الفرصة أن يضحك ما شاء له الضحك أو يحزن ما طاب له الحزن علي زمن الطغيان الذي ابتليت به مصر الحبيبة‏.‏
ولنعد الي مقولة إن الشعب هو الذي يبقي علي جلاديه حكاما له لنلقي نظرة الي شعب العراق اليوم‏.‏ هل يمكن أن نشك لحظة أن الشعب راض عن حاكمه الذي دمر حياته وفرض نفسه عليه عتلا سفاحا طاغية أدخل الشعب في حروب وحشية خسر الشعب فيها من الارواح ما خسر وخسرت فيه دولة العراق من الأموال والكرامة ما خسرت‏,‏ كيف يتصور أحد أن شعب العراق هو الذي يبقي علي سفاحه في سدة الحكم‏.‏ الامر الذي لاشك فيه أن شعب العراق مقهور علي أمره يصدق عليه قول الشاعر القديم‏:‏
جلوا صارما وتلوا باطلا .................................................. وقالوا صدقنا فقلنا نعم
وهل يملك المحكوم أمام السيف المسلط عليه إلا أن يقول نعم فبديلها الموت وليس غيره‏.‏
وكم أنا معجب ببيت آخر من الشعر يصف حال الشعب الذي يحكمه الطغاة ولا يملك أن ينبس ببنت شفه وإلا التقمه العذاب الوبيل إن لم يذهب الموت بحياتيه جميعا يقول الشاعر‏:‏
علي الذم بتنا مجمعين وحالنا ........................... من الرعب حال المجمعين علي الحمد
أليس هذا هو حال العراق اليوم وحال كل الشعوب التي حكمها الجبارون في الأرض علي مدي التاريخ‏.‏
ولنذكر هتلر وما صنعه بشعبه من عسف آخذ وبيل وارغمه علي دخول حرب مع العالم أجمع لا يسانده فيها إلا ديكتاتور آخر هو موسوليني جبار ايطاليا‏.‏
إن الهتافات التي تطلقها الشعوب من تمجيد طغاتها مفروضة علي الشعوب‏,‏ ولا تستطيع عنه حولا أو يواجهها اقل ما يواجهها تمزيق الجسوم والاعراض وانتهاب الاموال هذا إذا لم تنتهب الحياة جميعها‏.‏
لقد بلغ من جبروت هتلر أنه جعل تحية الفرد الي فرد في المانيا هتافا بحياة هتلر‏.‏ وكان وحشا مع رجاله ويكفي تاريخه خزيا انه ارغم روميل القائد العظيم أن ينتحر لمظنة واهية انه اشترك في مؤامرة ضد هتلر وانتحر روميل فعلا علي رغم أنفه ويشاء الله العلي القدير أن يموت هتلر منتحرا ايضا ويترك المانيا منهارة مقسمة الي شرقية وغربية وتظل علي هذا الحال السنوات الطوال قاست فيها المانيا الشيوعية مختلف ألوان القهر وازهاق الحريات والارواح في وقت معا‏.‏
ونترك ألمانيا لنلقي نظرة علي ما فعله الشعب الايطالي بموسوليني حين دمرت الهزيمة جيشه فنجده يحاول الهروب ولكن الشعب الذي يقول بعضهم إنه الذي يصنع طغاته هذا الشعب هو الذي يمسك بموسوليني وبهره شياتو الذي وكان هو الآخر ديكتاتورا صغيرا يستمد عنفوانه من والد زوجته موسوليني قبض عليهما الشعب وعلقهما كما تعلق الأنعام من جاموس وبقر وخراف وسلخ الشعب جلودهما‏.‏
فهل الشعب هو الذي يصنع جلاديه أم هو الذي يبغض أي عاتية يحكمه وينزع عنه حريته وقيمه وحياة كل من يحاول أن يتنفس تنفسا فيه شبهة من حرية‏.‏
ومادام الله سبحانه يقول‏:‏ وخاب كل جبار عنيد‏,‏ فالذي لا شك فيه ان الجبار العنيد أشد خيبة عند الشعب ومن ورائه في الآخرة جهنم يسقي فيها من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه وسبحان الحق الذي لا يرضي إلا بالحق وتقدست أسماؤه‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب