ملفات الأهرام

41281‏السنة 124-العدد1999ديسمبر15‏7 من رمضان 1420 هــالأربعاء

تشرشل وديجول‏..‏ نهاية عصر الزعامات التاريخية
بقلم : عبدالله عبدالسلام

تشرشل
من الصعب العثور علي قواسم مشتركة بين ونستون تشرشل وشارل ديجول‏,‏ فالعلاقة بينهما كانت أقرب إلي المنافسة والصراع والريبة تماما مثلما هي العلاقة بين بريطانيا وفرنسا علي مدي القرون باستثناء لحظات قصيرة في عمر التاريخ‏,‏ لكن يبقي أن كلا منهما كان أهم شخصية سياسية في بلاده خلال القرن العشرين وانتهي بعدهما أو كاد عصر الزعامات التاريخية في البلدين‏,‏ ثم إن تاريخهما الحقيقي بدأ منذ الحرب العالمية الثانية‏.‏
بالنسبة لتشرشل‏,‏ فقد كان قبل الحرب العالمية الثانية وتحديدا خلال عقد الثلاثينيات شخصية مكروهة بل منبوذة داخل حزب المحافظين الذي ينتمي إليه‏.‏ ويقول جراهام ستيوارت المؤرخ البريطاني في كتابه دفن القيصر الصراع بين تشرشل وتشمبرلين الصادر قبل عدة أشهر أن تشرشل كان كارتا محروقا فخلافاته داخل الحزب ومواقفه الرافضة لمنح حكم ذاتي للهنود آنذاك جعلته علي الهامش‏.‏ وكان من الممكن أن يذهب تشرشل مثله مثل أي سياسي عادي علي الساحة السياسية البريطانية وهم كثيرون علي كل حال‏,‏ لكن لحظته حانت مع بدء الحرب العالمية الثانية‏,‏ فقد كان رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين قد وقع مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر معاهدة ميونيخ التي وصفها تشمبرلين بأنها تحقق السلام في عصرنا ووصفها المعارضون لها ومنهم تشرشل بأنها معاهدة المهادنة وعندما غزا هتلر براغ عام‏1939‏ ضاربا بالمعاهدة عرض الحائط انتهي تشمبرلين عمليا ويتولي تشرشل رئاسة الحكومة البريطانية في العام التالي لتبدأ منذ تلك اللحظة عملية صنع الأسطورة كما يقول مؤرخون بريطانيون‏..‏ ويلقي الزعيم الجديد كلمة أمام مجلس العموم يدشن فيها هذه العملية بقوله‏:‏ ليس لدي ما أقدمه لكم سوي الدم والعمل والدموع والعرق‏..‏ تسألونني ما هي سياستي‏,‏ وأقول لكم إن سياستي هي أن نحارب بكل ما أتانا الله من قوة‏.‏
وإذا تساءل أحد عن الهدف قلت له‏:‏ النصر‏..‏ النصر بأي ثمن‏..‏ ولم يكن خيار الحرب سهلا علي الإطلاق‏,‏ فالعدو الألماني في أشد جبروته وفرنسا سقطت والولايات المتحدة لم تدخل الحرب‏,‏ وعمليا لم يبق في الميدان سوي بريطانيا إنها إذن معركة بريطانيا‏,‏ وحسب كلام تشرشل فإما أن تنتصر وتظل كل أوروبا حرة أو تسقط ويسقط العالم معها‏!‏
وصدقت توقعات تشرشل ودخلت الولايات المتحدة الح‏-‏رب وانقلبت الدفة لينتصر الحلفاء في أشرس حرب عرفها التاريخ‏.‏ ويبرز التساؤل وهو كيف يتأتي لهذا الرجل الذي انغمس في دهاليز السياسة البريطانية منذ بداية القرن تقريبا‏,‏ والذي قامر بكل شيء من أجل الصعود السياسي أن يغير جلده ويتحول من منبوذ إلي منقذ لبلاده؟ لقد ولد ونستون تشرشل عام‏1874‏ لعائلة غنية وكان والده أصغر وزير مالية في التاريخ البريطاني وشارك في حرب البوير في جنوب إفريقيا عام‏1899‏ وعاد بعد هروبه من الأسر ليروي حكايات عن بطولاته سيتضح فيما بعد أنها غير صحيحة ويدخل البرلمان عام‏1900‏ عن حزب المحافظين الذي يتركه بعد قليل لينتقل إلي حزب الأحرار ثم يعود إلي المحافظين وعلي مدي السنوات التالية تولي عديدا من المناصب الوزارية منها وزير المستعمرات حيث شارك عام‏1921‏ في مؤتمر القاهرة الذي تحدد فيه المستقبل السياسي لعديد من دول الشرق الأوسط كالعراق وشرق الأردن وفلسطين‏,‏ ولعب تشرشل‏,‏ وهو الاستعماري العريق حسبما وصفه المؤرخ البريطاني الشاب أندرو روبرتس في كتابه نهاية المجد الصادر عام‏1994,‏ الدور الأبرز في قرارات المؤتمر وحسب المؤرخ نفسه فإنه عنصري والحكايات كثيرة عن احتقاره للسود والهنود والصينيين والعرب‏.‏
استقال تشرشل من مناصبه السياسية عام‏1929‏ بعد خلافات زاعقة مع زعماء حزبه لكنه ظل هو وأتباعه يشكلون مصدر قلق هائل لحكومات المحافظين إلي أن تسلم الحكم عام‏1940‏ أن تشرشل كما يصفه أنصاره وخصومه علي السواء رجل متقلب المزاج ومقامر بكل معني الكلمة وأناني‏,‏ لكنه قارئ عميق للتاريخ يهوي الرسم ويحب الأدب‏(‏ فاز بجائزة نوبل للآداب عام‏1953).‏ وقد انتظر الفرصة حتي جاءته‏,‏ وأصبح ثاني أعظم شخضية في التاريخ البريطاني بعد شكسبير حسب استطلاع بريطاني للرأي في العام الماضي‏.‏
بعد الحرب‏,‏ لقي تشرشل هزيمة مفاجئة لم يكن أحد يتوقعها علي الإطلاق في الانتخابات العامة عام‏1945‏ وظل يقود حزبه من مقاعد المعارضة إلي أن عاد للسلطة عام‏1951,‏ وكان عمره‏77‏ عاما وظل يقاوم الضغوط عليه للتخلي عن السلطة في هذا العمر‏,‏ ثم أذعن أخيرا عام‏1955‏ فسلم رئاسة الحكومة لأنتوني إيدن ليعيش‏10‏ سنوات أخري قبل أن يرحل عام‏1965.‏
أما شارل ديجول‏,‏ فقد تأخر دخوله الي معترك السياسة‏,‏ وكانت كل المؤشرات تؤهله ليكون قائدا عسكريا عظيما‏,‏ فقد تخرج ديجول ـ الذي ولد عام‏1890‏ ـ في كلية عسكرية‏,‏ وشارك في الحرب العالمية الأولي‏,‏ وأصيب مرتين خلالها‏,‏ لكن لحظته حانت مع سقوط فرنسا علي أيدي النازي‏,‏ وتشكيل حكومة فرنسية تعاونت مع الألمان‏,‏ وفي‏18‏ يونيو‏1940‏ برز اسم ديجول عندما وجه رسالة مدتها‏4‏ دقائق عبر هيئة الاذاعة البريطانية يناشد فيها الفرنسيين المقاومة التي قال انها لن تسقط‏.‏
وعلي مدي السنوات التاريخية كان ديجول يعتقد أنه يمثل فرنسا وشرفها وعظمتها‏,‏ وهو اعتقاد جعله يصطدم مع كثيرين اعتبروه متكبرا ومزعجا لدرجة ان تشرشل حاول ايجاد بديل له يقود المقاومة الفرنسية خلال الحرب‏.‏
ديجول
وقد كره الانجليز الجنرال ديجول وامتعض منه الامريكيون ولم يثق فيه الروس‏,‏ لكنه ظل يتعامل مع الجميع علي أنه رمز فرنسا التي لا تنحني لأحد‏,‏ وقد شكل حكومة فرنسية في الجزائر عام‏1943,‏ ثم أصبح رئيسا للوزراء عام‏1946,‏ لكنه استقال وانسحب من الحياة السياسية بعد تدخل البرلمان في مشروعاته السياسية‏.‏
وادخر له التاريخ لحظة أخري‏,‏ عندما عاد في أول يونيو‏1958‏ الي الحكم للمرة الثانية وقد عاد كمنقذ وليس مجرد رجل سياسة بعد أن أوشكت فرنسا علي الانزلاق الي حرب أهلية لأسباب تعود بصورة كبيرة الي الازمة الجزائرية آنذاك‏,‏ وما بين عودته واستقالته المفاجئة عام‏1969‏ بسط ديجول اسلوبه في الحكم لينطبق عليه بحق القول ان الرجل هو الاسلوب‏,‏ فقد واجه المستوطنين الفرنسيين في الجزائر واعترف بالأمر الواقع وهو أن الجزائر ليست فرنسية ولن تكون أو تصرف ديجول دائما باستقلالية في عصر ذاعت فيه مقولة وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس من ليس معي فهو ضدي بل حاول إيجاد جبهة ثالثة بين واشنطن وموسكو تتزعمها فرنسا لكنه فشل في ذلك‏.‏ كما انسحب من القيادة العسكرية لحلف الأطلنطي عام‏1966‏ إلا أن أعظم ما سيتذكره التاريخ لديجول موقفه الداعي للوحدة الأوروبية‏,‏ والذي سبق به كثيرين منهم تشرشل‏..‏ وقد تنبأ ديجول بأوروبا تمتد من الأطلنطي حتي جبال الأورال وباسهامه في قيام التحالف الألماني الفرنسي قاد البلدان قاطرة الوحدة الأوروبية وظل طيلة حياته يعارض انضمام بريطانيا لأنها حسب وجهةنظره ليست أوروبية بل هي للولايات المتحدة أقرب‏!‏
وحتي خلال الأحداث والملابسات التي أحاطت باستقالته‏,‏ تظهر مباديء وشخصية ديجول‏,‏ فبعد أحداث الثورة الطلابية العاصفة والأزمة الاقتصادية أجري الاستفتاء الشهير‏,‏ وعندما لم يحصل علي النسبة التي أرادها فضل الابتعاد ليتوفي في نوفمبر‏1970,‏ ولتظل الديجولية من بعده علامة علي الطريق المستقل لفرنسا‏,‏ والدور المهم له عالميا رغم أن البعض يتشكك في وجود مثل هذه الديجولية الآن‏.‏
كان تشرشل وديجول علامتين علي عصرهما حيث الأفكار الخلاقة والقرارات الجريئة هي التي تصنع الزعيم وكانت لكل زعيم رؤيته الخاصة لبلده وللعالم‏,‏ أما الآن فقد تغيرت الأمور كثيرا وأصبح الزعماء في الغرب أقرب إلي رؤساء مجالس ادارات الشركات حسب وصف عديد من الإعلاميين الغربيين‏,‏ وأصبح المهم ليس ماذا يقول هذا الزعيم أو ذاك بل المهم كيف يقول ذلك فطريقة التقديم والصورة والابهار أدوات مهمة للغاية وتوارت الفكرة إلي حد كبير‏..‏ وشتان الفارق بين عصر ديجول وتشرشل وعصر شيراك وبلير‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب