ملفات الأهرام

41245‏السنة 124-العدد1999نوفمبر9‏غرة شعبان 1420 هــالثلاثاء

قضايا استراتيجية
زويل‏..‏ والحقيقة الغائبة
بقلم : د‏.‏ شريف عبدالعظيم

تكاد معادلة التقدم والنهضة في مصرتكون واضحة‏:‏ بناء الدولة والمجتمع العصريين‏,‏ وهي عبارة علي قدر بساطتها تحمل الكثير من المكونات‏,‏ والعلاقات‏,‏ والتعقيدات‏,‏ والصعوبات‏,‏ الأمر الذي يفتح الباب لكثير من التباينات الصحية والمطلوبة في تشخيص المشكلة واقتراح الحل وطريقة تنفيذه‏,‏ ويجمع أصحاب وجهات النظر المختلفة علي أن التقدم العلمي والتكنولوجي يمثل أحد المكونات الجوهرية لأي جهد نهضوي‏,‏ وهو مايناقش بعض جوانبه المقالان المنشوران علي صفحة اليوم‏,‏ فالمقال الأول يناقش الشروط الاجتماعية والثقافية للتقدم العلمي‏,‏ ويري أن معوقات التقدم العلمي أكبر من مجرد نقص الامكانيات والتمويل علي رغم أهمية هذا العامل‏,‏ أما المقال الثاني فيعرض لأحد المشروعات التكنولوجية المهمة التي بدأت مصر في تنفيذها‏,‏ وهو مشروع وادي سيناء للتكنولوجيا‏,‏ ويري أن هناك إمكانيات كبيرة لكي يصبح هذا المشروع رافعة للتقدم التكنولوجي في مصر‏,‏ بشرط التحرر من القيود البيروقراطية ومن الخوف من الانفتاح علي العالم المتقدم الذي قطع شوطا هائلا في هذا المجال‏.‏
لاشك أن فوز العالم الكبير أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء حدث يستحق هذا القدر الهائل من الفرحة التي عمت كل أرجاء مصر ويستحق أيضا هذا الشعور الغامر بالفخر والزهو الذي يملأ وجدان كل مصري لأن أحمد زويل قد أثبت للعالم أن العقل المصري أكبر وأقدر مما يتصور الكثيرون خارج مصر وبخاصة في المجتمعات الغربية المتقدمة التي لاتزال تنظر إلي قدراتنا الذهنية بعين الشك‏,‏ لقد كان رد أحمد زويل علي أمثال هؤلاء بليغا حقا وكان من حق مصر أن تبتهج وأن تفخر بانجاز ابنها البار‏,‏ ولكن أخشي أن تعمينا شدة الفرح عن التأمل في مغزي الحدث أو أن ننشغل بكثرة الاحتفالات فتتوه منا الحقائق التي يجب أن ننتبه إليها ونتفكر فيها‏.‏
إن العقل المصري فوق مستوي الشبهات دون أدني شك وليس أحمد زويل هو أول من يثبت ذلك ولن يكون آخر من يثبته‏,‏ كما أن تأخرنا العلمي والتقني لم يكن أبدا بسبب أي قصور في قدراتنا العقلية‏,‏ ان المشكلة ليست في العقل المصري وإنما في الواقع المصري والبيئة الاجتماعية والثقافية المصرية التي تمنع التقدم العلمي بل وتشجع علي التخلف والتراجع‏,‏ كما أن المشكلة لاتكمن فقط في انخفاض مستويات الانفاق علي البحث العلمي في مصر والفقر المادي والأدبي الذي يعاني منه الباحثون‏,‏ فحتي لو ضاعفنا مستويات الانفاق عدة مرات عن وضعها الحالي فلن يحدث تقدم ملحوظ في انتاجنا العلمي‏..‏ إن الأمر أعقد من ذلك‏,‏ ويبدو أنه في زحمة الاحتفالات وبسبب نشوة الفرحة وصخب الضجيج الإعلامي المصاحب للحدث قد ضاعت منا بعض الحقائق التي لايصح أبدا أن نغفل عنها‏,‏ ولعل أول من انتبه إلي هذه الحقائق بيننا وأكد اهميتها ولفت النظر إلي خطورتها وأفصح وأجاد في التعبير عنها كان أحمد زويل نفسه‏.‏
فمنذ أيام حصوله علي جائزة بنيامين فرانكلين الأمريكية في العام الماضي والرجل لايفتأ يذكرنا بأن العلم لايتقدم في فراغ وإنما هناك شروط يجب أن تتوافر في أي مجتمع لكي يتقدم البحث العلمي فيه‏,‏ أو ما سماه هو الشروط الاجتماعية للعلم‏,‏ واستفاض في الحديث عن أن العلم والتكنولوجيا هما ضلعان من أضلاع المثلث الذي لايكتمل إلا بضلعه الثالث وهو المجتمع الذي يؤمن بالعلم ويشجعه بل ويمارسه حتي يصطبغ المجتمع كله بالصبغة العلمية سواء في التفكير العام أو علي مستوي السلوك الفردي‏,‏ وأن غياب هذه الشروط في مصر هو السبب الرئيسي وراء انتاجنا العلمي والتقني الهزيل‏.‏
والحقيقة أن مجتمعنا المصري لايمكن أن يوصف بحال بأنه مجتمع علمي‏,‏ فمكونات المجتمع العلمي مفتقده‏,‏ تماما في حياتنا والشروط الاجتماعية للعلم التي لايمكن لمجتمع أن يتقدم بدونها غائبة كلية عن واقعنا‏,‏ ولعل أهم ركائز المجتمع العلمي علي الاطلاق والتي أشار إليها الدكتور زويل وهي الطريقة العلمية في التفكير العام وفي السلوك الفردي والعمل بروح الفريق هي الأكثر اختفاء من مجتمعنا والأمثلة علي ذلك كثيرة وصارخة وسأكتفي هنا باستعراض بعض الأمثلة علي أزمة المجتمع العلمي في بلدنا علي أمل أن يثير الأمر نقاشا أوسع وأعمق بين علمائنا وكتابنا ومفكرينا حتي نضع أيدينا علي مفتاح الحل وبداية الطريق الصحيح‏.‏
إن تفكيرنا العام في مصر بعيد كل البعد عن أي شيئ يمكن وصفه بأنه تفكير علمي أو به أي شائبة من الصبغة العلمية أو المناخ العلمي الذي يتحدث عنه زويل‏,‏ فنحن لا نتعامل مع ظروف الحياة أو متغيرات العالم من حولنا بأي منهجية علمية‏,‏ فلا نحاول مثلا فهم الأسباب والدوافع أو تحليل النتائج أو استنباط الدروس والعبر‏,‏ لدرجة أننا نتعامل حتي مع الظواهر الكونية الثابتة بسذاجة وكأننا مازلنا نعيش في عصور الظلام‏,‏ خذ مثلا كسوف الشمس الأخير وكيفية تعاملنا مع هذه الظاهرة الكونية التي يعرفها البشر منذ الأزل وأتي العلم الحديث بتفسيرات يقينية قاطعة لأسبابها ومواقيتها وكيفية التعامل معها فلم تعد شيئا مخيفا ولا تدعو علي الاطلاق لهذا الذعر الذي عم أرجاء مصر يومها‏,‏ العلم الحديث أكد بما لا يدع مجالا للشك أن الأمر بسيط ولايعدو مجرد أن القمر يحجب جزءا من أشعة الشمس وكل الذي يجب علي الإنسان أن يفعله هو ألا يطيل النظر في قرص الشمس وقت الكسوف‏,‏ ما علاقة ما قاله العلم الحديث بأن تتوقف الحياة في مصر يومها وتخلو الطرقات من المارة وتتوقف الاعمال ويتعطل الانتاج بل ويتفنن الناس حتي داخل بيوتهم في إغلاق الستائر بصورة لاتسمح لأي شعاع شمسي بالنفاذ داخل البيت‏!‏ الغريب في الأمر أن في مصر ملايين المتعلمين تعليما عاليا ولكن للأسف التعليم في مصر شيء والعلم شيء آخر‏.‏
أما عن ابتعاد سلوكنا علي المستوي الفردي عن التفكير العلمي‏,‏ فالأمثلة لا تكاد تنتهي‏,‏ فما أكثر أن تشاهد بعضا منا يخوضون في نقاشات عن مواضيع لا علم لهم بها‏,‏ وبالرغم من ذلك يتحدثون بكل ثقة وقد يحتدم النقاش وترتفع الأصوات‏,‏ ويكثر في مجتمعنا الحديث في السياسة بغير فهم والإفتاء في الدين بغير علم‏,‏ فنحن أبعد ما نكون عن سلوك اليابانيين مثلا الذين إذا اختلفوا حول مسألة يتفقون علي أن الأمر يحتاج إلي مزيد من البحث وسؤال المتخصصين حتي يحسم الخلاف‏,‏ هذا بالرغم من أن تراثنا زاخر بوصايا قيمة في هذا الشأن مثل من قال لا أدري فقد أفتي والآية الكريمة فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون‏.‏
أما بالنسبة لإنعدام روح الفريق في سلوكنا الاجتماعي فهو أخطر وأهم أسباب ضعف مستوي أدائنا العلمي والتقني‏,‏ فنحن نعيش عصر العمل الجماعي والفرق المتجانسة في كل مجالات الحياة‏,‏ ولن يستطيع اللحاق بركب التقدم في العالم إلا من كان يملك قدرة عالية علي العمل الجماعي المتآلف‏,‏ ومجالات العلوم والتكنولوجيا تحتاج إلي العمل الجماعي وتوافر روح الفريق بين الباحثين في عصرنا هذا أكثر من أي وقت مضي‏,‏ فالعلوم والتقنيات الحديثة قد بلغت درجة من التعقيد يستحيل معها أن يعمل وينتج عالم بمفرده مهما كان عبقريا‏,‏ وقد كان أحمد زويل صادقا ومحقا بقدر ما كان متواضعا حين كان يؤكد دائما أن ما حققه من انجازات علمية لايمكن أن ينسبه لنفسه فقط بل يجب إرجاع الفضل إلي فريق بارع من الاساتذة والطلاب الذين كانوا يعملون معه‏,‏ وكل من أتيحت له فرصة البحث العلمي في الغرب يدرك تماما أنه لايوجد باحث ناجح يعمل بمفرده بل دائما يكون معه فريق من الزملاء والطلاب الذين يشتركون معه في البحث والتفكير ومحاولة التطوير المستمر الذي يعجز عنه أي إنسان بمفرده‏,‏ وكثيرا مايتعاون الباحثون من أقسام مختلفة بل ومن جامعات مختلفة معا ويوحدون إمكاناتهم وطاقاتهم للوصول إلي أفضل النتائج‏,‏ ولولا هذه القدرة الكبيرة لدي الباحثين في المجتمعات المتقدمة علي الانصهار في فرق عمل متكاملة لما وصل الغرب إلي ما وصل إليه من تقدم علمي‏,‏ ولأننا في مصر شبه عاجزين عن الانخراط معا في عمل جماعي متآلف في أي مجال من مجالات الحياة بما فيها البحث العلمي فإننا لم نستطع أن نحقق أي انجاز علمي له وزن‏,‏ فكل جامعاتنا ومراكزنا البحثية تعاني بصورة أو بأخري من التنافس والصراع الهدام بين الباحثين وعدم القدرة علي تنسيق وتوحيد الجهود بينهم في إطار من العمل المثمر البناء‏,‏ بل إننا مازلنا ننظر إلي الانجازات الفردية علي أنها أهم وأقيم من الانجازات الجماعية لدرجة أنه حتي قواعد ترقية الباحثين في مصر تشترط وجود أبحاث فردية للباحث ولايمكن ترقيته إذا كانت كل أبحاثه في إطار جماعي‏!‏ أضف إلي هذا نقص الإمكانيات المادية التي يعاني منها الباحثون جميعا فتكون المحصلة صفرا‏,‏ ولكن إلقاء اللوم علي ضعف الإمكانيات فقط يعد من كبري المغالطات التي عادة مع نقع فيها‏,‏ وكل ما قيل عن اختفاء روح الفريق في مجال البحث العلمي ينطبق تماما في مجالات الصناعة والتكنولوجيا‏,‏ فشركاتنا الصناعية والهندسية كلها تقريبا لاتعرف الجماعية ولاتعمل بروح الفريق الواحد علي أي مستوي من مستويات الإدارة واتخاذ القرار‏.‏
إن مشكلة الأداء العلمي والتقني الهزيل في مجتمعنا كبيرة ومعقدة‏.‏ وتصور أن علاجها يكون فقط بمزيد من العناية من قبل الحكومة يعد خللا في فهم وتوصيف المشكلة‏,‏ وذلك لأن المشكلة اجتماعية بقدر ما هي سياسية‏,‏ فالبحث العلمي مرهون بشروط اجتماعية لابد من توافرها في المجتمع حتي يكتب له النجاح‏,‏ فلن يتقدم العلم إلا في مجتمع يؤمن بالعلم ويمارسه كسلوك وكطريقة تفكير وتخطيط وإدارة وفي ظل تعاون مثمر بين الباحثين‏,‏ ولن يرتقي العلم في مجتمع مازالت أساليب الإدارة فيه مناقضة ومعادية لكل ماهو علمي أو عقلي ومادامت الفردية والأنانية هي الأساس الذي يحكم علاقات الباحثين ومدام حب السلطة والزعامة هو السمة الغالبة في المجتمع‏..‏ إن أحمد زويل كثيرا ما يذكر أن الفارق الأكبر الذي لاحظه بين مصر وأمريكا هو أنه في مصر كان الزملاء يحتفظون بأدواتهم البحثية في أدراج ويغلقونها بالأقفال بحيث لايتسني لأيهم استخدام أدوات الآخر‏,‏ ولذلك عندما سافر هو لأمريكا كان أول مافعله هو شراء قفل كي يحكم إخفاء أدواته‏,‏ فلاحظ أنه هو الوحيد الذي يفعل ذلك وأن تصرفه منتقد وأن كل الزملاء هناك يستطيعون استخدام أدوات زملائهم‏..‏ بهذا القدر من الجماعية والتسامح والرغبة في الصالح العام تتقدم العلوم‏,‏ ولا يمكن أن تتقدم بسوي ذلك‏,‏ مهما كان الإنفاق علي الأبحاث سخيا‏.‏
إن علاج المشكلة يكمن في مؤسسات التعليم والتربية داخل المجتمع‏,‏ والتعليم المصري للأسف لايخرج أجيالا من المتعلمين بالمعني الصحيح للكلمة بقدر مايخرج أجيالا من أصحاب الشهادات والألقاب‏,‏ إن نظام التعليم يجب أن يغرس في نفوس الأجيال القادمة أن العلم قيمة في حد ذاته وليس وسيلة للحصول علي الدرجات ومن ثم الشهادات والوظائف‏,‏ وأن المتعلم الحقيقي ليس صاحب الشهادة بقدر ماهو صاحب السلوك العلمي في التفكير والممارسة‏,‏ وأن العلم لايتقدم في ظل الفردية والإنانية والغرور وحب الزعامة وإنما لا غني للعلم عن أخلاق التعاون والتواضع والحرص علي الصالح العام‏,‏ هذا ما يجب أن تتعلمه الأجيال الناشئة إذا أردنا لمصر أن تأخذ مكانها اللائق بين الأمم‏.‏
ولكن كيف نعلم الأجيال الجديدة كل هذه المعاني إذا كانت الأجيال السابقة المنوط بها تعليم النشء لم تتعلم هذه المعاني ولم تمارسها؟ إن فاقد الشيء لايعطيه فكيف إذن نعلم الأجيال القادمة ما لم نتعلمه ونطبقه نحن؟ هذا هو السؤال الذي يحيرني ولا أكاد أجد له جوابا‏.‏


موضوعات أخرى

فتح الأبواب للتكنولوجيا المتقدمة ... بقلم : عادل العدوي

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب