قضايا و اراء

41265‏السنة 124-العدد1999نوفمبر29‏21 من شعبان 1420 هــالأثنين

أعلام وفقاقيع
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

لاشك أن كثيرا من الناس يلهثون وراء الشهرة ولا بأس بهم أن يلهثوا فالشهرة أمر يشتهيه بنو آدم‏.‏
ولكن الشهرة في ذاتها لا تتحقق لمن يسعي اليها دون أن يكون مستحقا لها‏,‏ وإنما هي التي تسعي لمن هو جدير بها‏.‏ لكن كثيرا من مجانين الشهرة يركبون اليها وسائل تحط من قدرهم‏,‏ وتجعل الناس ينفرون من وسائلهم لاجتلاب الشهرة فأؤلئك الساعون للشهرة لا يدركون أن الشهرة نفسها قد تكون وبالا عليهم اذا كانت قد تحققت لهم بخيس الأمور والوضيع منها‏.‏
ليس المهم أن يشتهر انسان ما وإنما المهم والأساسي هو نوع الشهرة التي لحقت به فهناك سفاكون ذاع صيتهم لأنهم وحوش آدمية‏,‏ وأقرب مثل علي هذا من أطلق عليه الناس صفة الديكتاتور وأغلب هؤلاء المجرمين لقوا جزاءهم في الدنيا قبل أن يحشروا في جهنم‏,‏ وبئس المصير‏,‏ واذكر اذا شئت يوليوس قيصر الذي قتل بيد أعوانه‏,‏ بل إن أقرب أصدقائه اشترك في قتله حتي إنه وهو يتلقي الطعنات من رجال حاشيته كان يدافع عن نفسه صامتا حتي اذا انكشف له وجه صديقه المقرب اليه بروتس صاح بجملته التي حفظها التاريخ حتي أنت يا بروتس إذن يموت قيصر وكف عن المقاومة‏.‏
والتاريخ يحمل في أطوائه أمثالا لقيصر منها هتلر الذي انتحر عند هزيمته بعد أن قتل الملايين من شعبه ومن شعوب العالم أجمع‏.‏
كما يذكر التاريخ موسيليني الذي حاول أن يهرب من شعبه بعد اندحار جيوشه ولكن مسعاه خاب‏,‏ وأمسك به الشعب الايطالي وقضي عليه وعلقه من قدميه كما تعلق الخراف‏.‏
شهرة هؤلاء ما تلبث أن ينساها الزمان فيما ينسي وليس من الحتم أن يتمثل الجزاء في شخص الديكتاتور‏,‏ بل قد يتمثل في هزيمة منكرة يمني بها شعبه أو في صور أخري من العذاب لا نعلمها بل يعلمها الله الذي لا يفلت من عقابه أحد فلايعرف دخائل النفوس إلا هو سبحانه‏.‏
فقد يشاء سبحانه أن يجعل الديكتاتور من نفسه عدوا لدودا‏,‏ فهو وحده من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏.‏
وهناك آخرون سعوا الي الشهرة بمهاجمة الأديان ومثل هؤلاء صغار تافهون‏,‏ وهيهات أن يدركوا تلك الشهرة التي كفروا بالله وأنبيائه من أجلها‏.‏ وأقصي ما يصلون اليه هوجة في وسائل الاعلام ما تلبث أن تخمد وتنكمش‏,‏ ويخبو ما أندلع من نيرانها ويخمد أوارها ثم يمسي صاحبها عدما في غيابات النسيان‏,‏ خسر الدنيا والآخرة وخسر نفسه والأمثلة علي هؤلاء كثيرة لا يحصرها عدد وإن في ذهني من بقايا هوجتهم أسماء وأربأ بقلمي أن يخطها‏.‏
وهناك مشاهير من المجرمين وأغلب هؤلاء جهلة ولا تثبت لهم شهرة إنما تطفو أسماؤهم حينا هينا من الوقت‏,‏ ثم تغوص في بحور النسيان ولا يذكرهم الذاكر إلا مصحوبين باللعنة والاستنكار‏.‏
وهناك من الساعين اللاهثين الي الشهرة عدد كبير من الصحفيين وكم أرثي لهؤلاء واشفق علي لهاثهم الخائب‏.‏ إن هؤلاء يكتبون في الصحف مقالات كثيرة بل قد تظهر أسماؤهم كل يوم في صحيفة ولكن وأسفاه تحجب الشهرة عنهم سطوعها ولا يذكرهم قاريء أو يحفل بما يكتبونه إنسان من الناس بل قد يبلغ الواحد من هؤلاء منصبا مهما في جريدة أو مجلة ومع ذلك يظل ذكرهم خاملا‏.‏ وهكذا يجن جنونهم ولا يجدون سردابا الي الشهرة إلا باعلان حرب شعواء علي المشاهير وقد صرح بعضهم بأنهم هاجموا القمم ليقفوا علي أكتافهم‏,‏ ولست أنسي حفلا لذكري شاعر النيل حافظ ابراهيم وكان من بين خطبائه الكاتب الكبير ابراهيم عبدالقادر المازني وكان الحفل بدار الأوبرا التي احترقت وكان منبر الخطابة بعيدا بعض الشيء عن الجماهير التي احتشدت لتحيي ذكر الشاعر العظيم وحين جاء دور ابراهيم المازني صعد علي المنبر وراح الكاتب الفذ يكيل المديح لحافظ ابراهيم مع أنه كان هو والعملاق عباس محمود العقاد من أقسي مهاجمي الشاعرين الشامخين حافظ وشوقي في حياتهما‏.‏
مضي ابراهيم المازني في خطابه المادح وفجأة‏.‏ وجدناه يترك المنبر ويسير الي مقدمة المسرح قاصدا أن يكون قريبا القرب من جمهور الحاضرين‏,‏ ويصيح قائلا أشهد الله والحق أنني والعقاد كنا نهاجم أمير الشعراء وحافظا لنهدمهما ونقف علي الانقاض منهما فلم ننل إلا من الحق ومن أنفسنا وانفجر التصفيق من الجمهور تصفيقا حارا ملتهبا يحيي ويكرم الصدق والاعتراف بالحق من الكاتب الكبير‏.‏
وأذكر أن كاتبا آخر هاجم في أول حياته الأدبية عزيز باشا أباظة هجوما قاسيا وعرفته في تلك الأيام فاذا هو يقول اذا لم نكبر علي اكتاف عزيز أباظة فعلي أكتاف من‏.‏ وحين أصبح هذا الكاتب شهيرا كان صديقا مقربا من عزيز باشا‏.‏
وربما تكون هذه الأمثلة حجة في أيدي الشتامين من الصحفيين‏,‏ ولكن هيهات فالعقاد والمازني وناقد عزيز أباظة كانوا مسلحين بالثقافة المترامية الأطراف وما كان هجومهم علي القمم إلا عاملا مساعدا وقد بلغوا الشهرة التي سعوا اليها برغم هجومهم علي العمالقة لا بسبب هذا الهجوم‏.‏
وان كان هؤلاء الثلاثة قد أصبحوا من القمم فان الآفا غيرهم أكدي بهم هذا الطريق لأنهم كانوا خلوا من المواهب‏,‏ ولا يذكر أحد من أعمالهم إلا هجومهم هذه علي القمم الشامخة‏,‏ واذا ذكره فهو رنما يذكره باحتقار شديد لهم ثم ما يلبث أن ينساهم‏,‏ وحسبك أن تتذكر الهجوم الكاذب المفتري علي طه حسين والعقاد وتيمور وغيرهم من دعامات الأدب العربي وأركانه‏,‏ والذين هوجموا من العمالقة أصحاب القمم العوالي كثيرون والذين هاجموهم أكثر منهم عددا ولكنهم زالوا كما تزول فقاعة في الهواء وبقي العمالقة الجهابذة علي مدي حياتهم وبعد وفاتهم أعلاما خفاقة يذكرهم الزمان بكل اجلال واكبار والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا‏,‏ سبحانه هو وحده المعز المذل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب