قضايا و اراء

41237‏السنة 124-العدد1999نوفمبر1‏23 من رجب 1420 هــالأثنين

المسئول واجهة
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

من أقوي دعامات صاحب المسئولية أن يكون فعالا لما يقول‏,‏ فإذا وعد وعدا أصبح حتما عليه أن ينفذه ويزيل كل العقبات التي تقف دون إنفاذه‏.‏ وعليه قبل أن يصرح بالوعد الذي أطلقه بالقول أن يدارسه مدارسة وافية حتي يصبح علي يقين أنه قادر علي إنجاز وعده‏.‏ فقديما قالوا أنجز حر ما وعد وصاحب المسئولية لابد أن يكون حرا‏.‏ والحرية هنا لا تعني مجرد البعد عن العبودية ولكنها تعني الخلق الأشم والترفع عن الدنايا‏,‏ فليس يكفي أن يكون الحر مطلق اليدين وإنما لابد له أن يكون متحررا من أهواء النفس والكسب غير الشريف والتعالي عن الصغائر والاهتمام بكبريات الأمور دون هينها‏.‏ ومن أهم هذه الكبريات ألا يصرح تصريحا بأنه سيقوم بعمل ما إلا وهو واثق أنه سيتمكن من تحقيقه فتولي أمور الناس لا تجدي فيها التصريحات بل الأعمال وإنني أهيب بالوزراء والمحافظين الجدد منهم والقدامي أن يتخذوا من رئيس الجمهورية محمد حسني مبارك نبراسا لهم وأن ينهجوا نهجه ويترسموا خطاه فهو مثال للبيت العظيم الذي يقول‏:‏
وأراك تفعل ماتقول وبعضهم
مذق اللسان يقول مالا يفعل
ومذق اللسان معناها أنه كذاب يخلط الجد بالهزل‏.‏
وأعيذ أصحاب الكراسي أن يكونوا من أصحاب هذا اللسان‏,‏ فالذي بقي منهم إنما بقي لأن المفروض فيه أن يكون أمينا و صادقا وشريفا متنزها عن الشوائب من خلق أو فعل‏,‏ فالوزير ليس مسئولا عن وزارته‏,‏ وإنما هو مسئول عن وطنه أجمع ومسئول أمام الشعب بأكمله‏.‏
ولذلك لا مناص أن يكون الوزير شريفا في حياته الخاصة والعامة جميعا‏,‏ فهو رمز من رموز الدولة أمام شعبه وأمام العالم أجمع‏.‏ فهو لا يمثل الوزارة التي يقتعد كرسيها وحدها‏,‏ وإنما يمثل مصر كلها في نهجه العام والخاص وأكاد أقول وفي أنفاسه من شهيق وزفير‏.‏
وهو مسئول أيضا عن زوجه وبنيه وكل من يمت إليه بصلة قرابة بل هو مسئول عمن يختارهم خلصاء له أو أصدقاء‏.‏
وليس معني هذا أن يتكبر الوزير علي أهل بيته والقدامي أو الجدد من أصحابه‏,‏ ولكني أقصد أن يمنع أي فرد منهم أن يستغل صلته ويعمل جاهه في الرشاوي والسرقة والنهب باسم معالي الوزير‏.‏
وليس معني هذا أيضا ألا يكون أهل بيته وأصحابه طريقا للشفاعة إليه في رفع ظلم عن مظلوم أو صلة عيش لمحروم أو إعانة الناس علي أضراس الحياة‏,‏ فمادام واثقا أن هذه الشفاعة لا يشوبها نفع محرم للشفيع فلا بأس عليه أن يستجيب لها ولا ضير عليه أن يكون عونا لأبناء وطنه علي العيش‏,‏ بل إنه واجب عليه أساسي أن يكون هذا العون مادام لا يعود بهذا علي المباديء العليا التي ينبغي أن يتسم بها‏.‏
وأذكر في هذا الشأن قصة وقعت لي في الأربعينات كان لنا زميل لا أحب أن أذكر اسمه‏,‏ وكنا معا في السنة الرابعة الإبتدائية‏,‏ وبينما نحن في الفصل جاء من يأخذ هذا الزميل من بين إخوانه لينبئه بوفاة أبيه وبكي اليتيم وتقدمنا جميعا لنعزيه وخرج من الفصل طبعا ليشارك في وداع أبيه ومضي علي هذه الواقعة بضع سنوات‏,‏ وأصبحت طالبا في الجامعة وكان أبي عند حدوث هذه القصة التي أرويها لك وزيرا للأوقاف‏.‏
كان صباح خرجت فيه من البيت فوجدت أمام الباب شابا يرتدي جلبابا تقدم إلي وفي يده ظرف فتحته فإذا هو توصية من ذلك الزميل الذي مات أبوه حين كنا في السنة الرابعة الإبتدائية عام‏1939,‏ كانت التوصية أن أسعي لحامل الخطاب ليعين مؤذنا في أحد المساجد التابعة للوزارة وقلت للفتي‏:‏
ـ حظك حسن أنا ذاهب لأبي اركب معي
وركب ولكن السيارة لم تقطع إلا بضعة أمتار وفرغ منها البنزين وكان البنزين في ذلك الحين يباع بالجالون وكان ثمنه عشرة قروش لم يكن في جيبي منها سوي قرش أو قرشين فناديت أحد العاملين بمنزلنا وطلبت إليه أن يأتي إلي بعشرة قروش من والدتي وبقيت في السيارة أنا والشاب ننتظر القروش العشرة‏,‏ فإذا هو يخرج من جيبه ظرفا آخر مفتوحا ويقدمه إلي في صمت ونظرت بداخله فوجدت بضع أوراق مالية صغيرة القيمة قدرت أنها في مجموعها حوالي خمسة جنيهات‏.‏ وكانت هذه هي المرة الأولي التي أتعرض فيها لهذا الموقف وجدتني أقول للشاب انزل من السيارة ونزلت أيضا وأنا في حالة من الثورة العارمة ووجدتني دون وعي أمزق الظرف بما فيه وحتي أطمئن القاريء علي الجنيها أذكر له أن تمزيقها لم يكن حائلا للفتي أن يعيد لصقها‏,‏ وانصرف الفتي دون أن أسعي له‏.‏
للحديث بقية فقد مرت سنوات وأصبحنا في عام‏1950‏ وكنت قد تزوجت في هذا العام وأصبح لي بيت مستقل‏.‏
كنت راجعا أنا وزوجتي من الخارج فوجدت علي باب العمارة زميلي الذي مات أبوه ونحن في الفصل والذي أرسل إلي الشاب الذي قدم لي رشوته وكان الزميل جالسا مع البواب فدعوته أن يصعد معي إلي شقتي فأبي‏,‏ وطلب إلي أن يحدثني علي انفراد وفهمت زوجتي وصعدت هي إلي المنزل وفوجئت بالزميل الذي مات أبوه منذ مايزيد علي عشر سنوات يقول لي‏:‏
ـ أبي مات اليوم وليس معي تكاليف الدفن فهل تستطيع أن تقرضني خمسة جنيهات‏.‏
ولم أكن نسيت يوم استدعوه من الفصل لموت أبيه‏,‏ ولكني لم أجرؤ بمواجهته وأعطيته الجنيهات الخمسة وانصرف وقد أعاد صنيعه إلي ذهني قصة الشاب الذي حاول أن يرشيني فقد تبينت أني ظلمته فلا شك أن زميلي قد تقاضي منه رشوته قبل أن يرسله إلي بتوصيته‏.‏
ورجوت الله ومازلت أرجوه أن يغفر لي قسوتي علي صاحب الملتمس والرشوة‏.‏ إنه غفور رحيم‏,,,‏
تفضل الأستاذ عبدالباسط حجو فصحح لي خطأ وقع في المقال الماضي فيما يخص الآية التي نزلت بمناسبة حديث الإفك‏,‏ فليست كما جاءت في المقال‏,‏ وإنما هي الآية رقم‏11‏ من سورة النور‏,‏ وإني أشكره علي هذا التصحيح والآية هي إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل أمريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب