ملفات الأهرام

41237‏السنة 124-العدد1999نوفمبر1‏23 من رجب 1420 هــالأثنين

العدل الاجتماعي
بقلم : د‏.‏ عبد المنعم سعيد

يمكن لمصر أن تحل كل المشاكل الخاصة بقضية العدل الاجتماعي بسهولة شديدة فيصدر قرار رئاسي بتعيين‏1,4‏ مليون شاب يعيشون الآن في حالة بطالة في المؤسسات الحكومية وشركات قطاع الاعمال العام‏,‏ ولن يكلف الأمر كثيرا فلو اعطت الحكومة لكل منهم‏100‏ جنيه شهريا في المتوسط فيكون مجموع أجورهم السنوية مليارا وستمائة وثمانين مليون جنيه‏,‏ واذا وجد الدكتور عاطف عبيد ان ذلك سوف يؤدي الي ازدحام غير عادي في هيئاتنا وشركاتنا الوطنية‏,‏ فإن بوسعه تأميم شركات القطاع الخاص المصرية والعربية والاجنبية التي تم انشاؤها في المدن الجديدة والقديمة ويحل أكثر من مشكلة اجتماعية في وقت واحد‏,‏ فهو سيجد اولا مكانا لهذا العدد الكبير من الموظفين كما أنه سوف يقضي علي طبقة الرأسماليين الاغنياء في مصر وبالتالي تتقارب مستويات المعيشة بين طبقات الأمة وتحل حلا جذريا مسألة توزيع الثروة في مصر وتتحقق المساواة بين الجميع‏,‏ وإذا كان ذلك سوف يؤدي الي اختلال في موازنات هذه الشركات نتيجة العمالة الزائدة من جانب وضعف الانتاجية المصاحبة لها من جانب آخر‏,‏ فإن حل ذلك لا يقل سهولة عن كل ما سبق‏,‏ فما علي رئيس وزرائنا إلا أن يسحب علي المكشوف من بنوكنا العامة ما شاء له السحب‏.‏ واذا لم يكن هناك نقود فما عليه إلا أن يطبعها ويوزعها بالتساوي بين الواطنين فيتحقق العدل الاجتماعي في أبهي صوره‏,‏ اما اذاكان ذلك يسبب خطورة جمة ويعرض البلاد لتضخم قاتل للطبقات الشعبية قبل الطبقات القادرة فما عليه إلا الغاء الاستثمارات في البنية الاساسية والمشروعات العملاقة‏,‏ وبذلك تتوافر اموال طائلة تصرف علي الجبهة العريضة من القوة العالمة في مصر‏,‏ بل ومن الممكن اعطاؤها علاوات سنوية قدرها‏1,5‏ جنيه شهريا‏,‏ بالاضافة الي منحة عيدالعمال كماكان معتادا في البلاد لسنوات طويلة كانت فيها الناس غارقة في بحر السعادة والمساواة والعدل الاجتماعي‏.‏
واذا لم يفلح ذلك كله وبدا أن الفقراء يتزايدون في المجتمع فما علي الحكومة إلا تقديم مزيد من الدعم للسلع الاساسية التي يستخدمها محدودو الدخل والتي تبقيهم بالكاد علي قيد الحياة‏,‏ اما اذا نفدت نقود الحكومة بعد ذلك وباتت غير قادرة علي توفير الموارد الكافية لتحقيق العدل الاجتماعي‏,‏ فما عليها إلا تخفيف الاعباء عن نفسها‏,‏ وتتوقف عن بناء مدارس جديدة تتناسب مع الزيادة المطردة في عدد السكان ولمعالجة هذا الوضع‏,‏ فإنه بإمكانها زيادة عدد التلاميذ في الفصول الموجودة بالفعل‏,‏ واذا لم يكن ذلك كافيا فما عليها الا استخدام المدرسة نفسها بطريقة اكثر كفاءة فتعمل لأربع فترات دراسية مختصرة بما يكفي لمحو الأمية وعلي هذا المنوال تسير الامور بالنسبة للمستشفيات والصحة العامة‏,‏ وحتي رغيف الخبز المدعم فيجري اختصاره قليلا حتي يمكن الحفاظ علي السعر العادل وتنطبق نفس الطريقة علي اسطوانات الغاز وعلي الكهرباء المدعومة فيجري قطعها عن كل الأحياء الفقيرة والغنية علي أن يكون ذلك بالتساوي في الزمن فتتحقق المساواة وتسود العدالة الاجتماعية‏.‏
هذه الإجراءات سهلة للغاية ويمكن لحكومتنا الجديدة تنفيذها فورا‏,‏ وبذلك ترضي الكثيرين ممن يطالبون بالعدل الاجتماعي في مصر هذه الأيام‏,‏ ويتهمون كل خطواتها في الاصلاح الاقتصادي بأنها نافية للعدل بين المصريين‏,‏ صحيح ان احدا لم يطالب بها صراحة إلاأنها هي النتيجة المنطقية لكل ما يطرحونه من حجج في وجه التحرير الاقتصادي وخصخصة شركات قطاع الاعمال العام‏,‏ فمن وجهة نظرهم ان كل هذه الإجراءات تزيد الاغنياء غني والفقراء فقرا‏,‏ وبالتالي فإن إبقاء الامور علي ما هي عليه سوف يبقي الفجوة بين الطبقات علي حالها‏,‏ وربما يكون الافضل ان تعود الامور الي ماكانت عليه في الايام السعيدة التي كانت فيها الحكومة أرق قلبا علي أحوال الفقراء عما هو عليه الحال الآن وأكثر حساسية للعدالة الاجتماعية عما هو سائد في مجتمع يتجه نحو الرأسمالية‏,‏ فالفرضية الشائعة لدي قوي المعارضة اليسارية والاسلاموية والتي يحاولون نشرها وتكريسها بين الجماهير ان مصر كانت بلدا غنيا للغاية‏,‏ وعادلا تماما في توزيع الثروة بين الطبقات حتي جاء الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات‏,‏ والاصلاح الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات لكي تشيع الفقر وتوجد التفاوت الشديد بين الشرائح الاجتماعية‏.‏
هذه الفرضية لا يوجد ما يؤيدها في التاريخ المصري‏,‏ فالحقيقة ان الفقر في بر مصر كان شائعا علي الأقل طوال الاعوم الفين الماضية‏,‏ وما نعرفه ان عدد سكان مصر في نهاية العصر الفرعوني كانوا حوالي عشرة ملايين نسمة تقلصوا نتيجة الفقر وتدهور المستويات الصحية الي مليونين ونصف مليون نسمة عند الغزو الفرنسي لمصر في نهاية القرن الثامن عشر‏,‏ ويقول لنا مؤرخوا الحملة الفرنسية عن دهشتهم الشديدة لماوجدوا عليه الحال المصريين اجتاعيا وصحيا حتي أن عدد العميان كان يمثل نسبة معتبرة من عدد السكان واحتاج الزمر قرنا كاملا من إصلاحات محمد علي ومن تلاه من الولاة لكي تعود مصر لماكانت عليه ما كانت عليه في نهاية عصر الفراعنة‏,‏واجتاحت نصف قرن آخر من الاصلاحات الرأسمالية حتي يبلغ عدد سشكانها‏22‏ مليون نسمة‏,‏ وقد عكست هذه الزيادة تحسنا في الحوال الصحية لعموم المصريين حتي أنمعدل الواليد فاق معدل الوفيات وهو الأمر الذي عكس منجانب تقدما اقتصاديا ومن جانب آخر اتباع اساليب صحية متقدمة جاءت من الغرب من جانب آخر‏,‏ ولكن هذه الزيادة لمتعكس بالضرورة توازنا اجتماعيا أفضل‏,‏ فالتنمية المصرية طوال فرن ونصف ارتبطت بشريحة اجتماعية كانت في سكان المدن والحضر بشكل عام‏,‏ اما بقية الريف المصري فقد بقي علي حاله تقريبا وخاصة في صعيد مصر الذي لم يتطور كثيرا منذ ميلاد المسيح عليه السلام وعندما جاءت الثورة المصرية‏,‏ فإنها سارات في الإتجاه نفسه‏,‏ وأتاح التعليم المجاني وحركة التصنيع خلال الخطة الخمسية الاولي والاخيرة بعضا من التقدم في أحوال الطبقة العاملة‏,‏ ولكن مرة أخري بقي قاع المدينة علي حاله‏,‏والريف خاصة في صعيد مصر علي ما هو عليه فيما عدا جزر صغيرة ارتبطت بالمشروعات العملاقة مثل السد العالي ومجمع الالمونيوم وظلت الغالبية الساحقة من المصريين علي فقرها وبعد عقدين من الثورة المباركة كان عدد عمال التراحيل أربعة ملايينة الكثير من الصعاب فقد بدأ تضخم الفصل الدراسي وانتشرت معه الدروس الخصوصية التي اثقلت علي ميزانية الاسرة المتوسطة والفقيرة‏,‏ وعجزت الدولة عن مواكبة الزيادة السكانية بما يكفي من مساكن‏,‏ فظهرت خلوات الرجل والمناطق العشوائية‏.‏
وباختصار شديد فإنه حتي الربع الأخير من القرن العشرين كانت الأغلبية الساحقة من المصريين تنتمي الي طائفة الفقراء الذين يغطون احتياجاتهم الاساسية من مأكل وملبس ومسكن بالكاد وكانت الامية بينهم تصل الي‏70%‏ والعمر المتوقع عند الميلاد‏55‏ عاما‏,‏ ونصيب الفرد من الدخل القومي لم يصل الي‏300‏ دولار سنويا‏,‏ وفي كل هذه الاحوال كان توزيع الثروة مختلا للغاية بين قلة غنية وأغلبية ساحقة فقيرة وبين قلة من أهل الحضر والمدن الكبري علي قدر من اليسر وأغلبية ساحقة من أهل الريف تغيرت احوالهم تغيرا طفيفا في الدلتا ولم تتغير تقريبا في صعيد مصر ولم يكن ذلك توزيعا عادلا للثروة لا بين الاقاليم ولا بين الطبقات وكانت الاغاني التي تتحدث عن وجود تماثيل الرخام والأوبرا علي الترعة نوعا من الطموحات الكبري المشروعة ولكن احتمالاتها في الواقع كانت ضئيلة علي ضوء الاحلام العظمي لتغيير العالم وما احتاجته من موارد خصصت لتحرير الآخرين بدلا من تحرير المصريين أنفسهم من الفقر والعوز والحاجة الي المعونات الاجنبية غربية كانت أو شرقية‏.‏
معني ذلك ان المكتشفين الجدد للفقر في مصر يقعون في مفارقة كبري مع التاريخ بل إنهم يتجاهلون منجزات الاعوام الخمسة وعشرين الاعوام‏,‏ الماضية ومقارنتها في ميزان الفقر والعدالة مع الخمسة وعشرين السابقة عليها‏,‏ قد حدثت ثلاثة تطورات مهمة خلال هذه الفترة اولها الثروة النفطية التي فتحت الباب للاغنياء والفقراء معا للحصول علي دخول لم تكن متوافرة من قبل نتيجة تخلف البنية الانتاجية المصرية‏,‏ وثانيها التحول البطيء والتدريجي نحو اقتصاد السوق وثالثها تحقيق السلام المصري ـ الاسرائيلي الذي اتاح موارد داخلية وخارجية أصبح ممكنا توجيهها نحو التنمية في خطط خمسية متتابعة وكانت نتيجة هذه التطورات ايجابية علي مستويات الفقر في مصر‏,‏ فرغم أن عدد السكان مصر في نهاية القرن العشرين صار مثلي ماكان عليه عام‏1975‏ فإن متوسط دخل الفرد ارتفع من أقل من‏300‏ دولار الي ما يزيد علي‏1400‏ دولار أي أكثر من أربعة أمثال ومن حيث قيمته الواقعية تبعا للقوة الشرائية للدولار‏,‏ فإنه زاد علي‏3000‏ دولار وارتفع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد الي‏67‏ عاما‏,‏ ونقصت الأمية الي ما دون‏40%‏ من عدد السكان ولأول مرة توقفت الهجرة من الريف الي المدينة بل إن هناك مؤشرات علي وجود هجرة عكسية ورغم أن هذه المؤشرات قد لا تعكس بالضرورة توزيع الثروة في مصر في اتجاه عادل‏,‏ إلا أن تقرير التنمية البشرية الذي يصدره معهد التخطيط القومي يشير بوضوح الي أن قطاعات واسعة من الريف المصري‏,‏ خاصة في محافظات الدلتا قد شهدت تقدما حقيقيا في مستويات المعيشة فيها‏,‏ خلال السنوات الأخيرة عرفت محافظات الصعيد تغيرا طفيفا ويشهد توزيع استهلاك القمح مثلا علي أنه لم يعد ظاهرة ترتبط بالحضر والمدن الكبري وانما امتد الي الريف ايضا‏.‏
ومع ذلك فإنه لا يمكن القول بأي معني ان العدل الاجتماعي قد تحقق في مصر فمازال هناك‏23‏ مليون مصري يتوزعون بين فقير ومعدم وهناك تفاوت كبير بين اقاليم مصر المختلفة وبين طبقاتها الاجتماعية‏,‏ ولكن التعامل مع هذه الاختلالات لا يكون باتباع ذات الوسائل التي لم تنجح من قبل لا في مصر ولا في أي بلدان أخري إلا باشكال مؤقتة وهامشية وعلي أي الاحوال فإن الموضوع يستحق حديثا آخر‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب