تحقيقات

41208‏السنة 124-العدد1999اكتوبر3‏23 من جمادى الآخرة 1420 هــالأحد

في ذكري انتصار أكتوبر المجيد
المدفعية المصرية لعبت أخطر الأدوار لتحقيق النصر
َ‏8‏ سبتمبر‏68‏ بدأت بطولات سلاح المدفعية المصرية

تحقيق : جميل عفيفي
معدات المدفعية المصرية بأنواعها
لعبت المدفعية المصرية الرهيبة أخطر الأدوار في حرب أكتوبر المجيدة‏,‏ هذه الجملة الشهيرة للرئيس الراحل أنور السادات التي قالها بعد الحرب والتي وصف من خلالها الدور البطولي لهذا السلاح وذلك بجانب الأسلحة الأخري‏.‏
ويرجع تاريخ المدفعية المصرية ومواقفها البطولية إلي مابعد هزيمة‏1967‏ وماتلا ذلك خلال مرحلة الصمود من قصف معاد أدي إلي خسائر كثيرة من مدن القناة‏,‏ وانخفاض كبير في الروح المعنوية للشعب المصري عموما‏,‏ وللقوات المسلحة علي وجه الخصوص‏,‏ ولذا صممت القيادة العامة للقوات المسلحة علي العمل علي استعادة الثقة ورفع الروح المعنوية للقوات المسلحة والشعب المصري‏.‏
وفي عام‏8‏ سبتمبر‏1968‏ كان لرجال المدفعية شرف المبادأة ومفاجأة العدو بالقيام بأول عمل إيجابي علي جبهة القناة‏,‏ حيث تم تنفيذ قصف نيراني مركز وقوي ضد جميع الأهداف المعادية علي طول مواجهة قناة السويس وبعمق‏(20‏ كيلو مترا‏)‏ شرق وأطلق عليها الخطة العاصفة وإستمرت‏3‏ ساعات‏,‏ تم خلالها إطلاق آلاف القذائف علي طول جبهة قناة السويس‏,‏ وتم تكبيد العدو خسائر فادحة في قواتة العسكرية‏,‏ وأسلحته ومعداته‏,‏ وتدمير الخط الدفاعي الأول الذي بدأ العدو بناءه علي الضفة الشرقية للقناة‏,‏ ويعتبر هذا الاشتباك هو الأول الذي يتم التخطيط والتنفيذ له علي طول جبهة قناة السويس بعد يوم النكسة‏,‏ وكان لهذا النجاح لقصفه المدفعية تخطيطا أو تنفيذا أن أطلق عليه معركة المدافع الكبري‏.‏

دور سلاح المدفعية
اللواء سيد المحمودى
اللواء أركان حرب سيد المحمودي مدير إدارة المدفعية يؤكد أن نصر أكتوبر المجيد لم يكن وليد المصادفة‏,‏ فقد جاء نتيجة إعداد وتخطيط مدروس ومحكم ولهذا كان النصر حليفنا‏,‏ وقد ساعد علي تحقيق ذلك الروح القتالية العالية التي ظهرت عليها قواتنا المسلحة‏,‏ ولذا تحققت المفاجأة الاستراتيجية الكبري في حرب أكتوبر المجيدة‏.‏
وأكد مدير المدفعية أن علوم المدفعية تعني أرقاما وحسابات فهي علوم متعددة الجوانب‏,‏ فقد كان الموقف في ذلك الوقت لمصلحة إسرائيل‏,‏ ومن هنا تطلب الأمر وقتا وجهدا كبيرا لإعداد سلاح المدفعية من عدة اتجاهات‏,‏ أولها اتجاه نظري يتمثل في تعليم الضباط وإعدادهم في مدرسة المدفعية‏,‏ بالإضافة إلي تدريب الجنود في مراكز المدفعية‏,‏ ويتم بعد ذلك إلتحام الضباط والجنود في وحداتهم بالمعدات والمدافع في الاتجاه العملي والتدريبات بالذخيرة‏,‏ وأحيانا كانت التدريبات تتم في الميدان علي أهداف معادية حقيقية من الجانب الآخر‏,‏ وكان العمل يتم ليلا ونهارا في هذه المرحلة‏,‏ وظل التدريب مستمرا هذه السنوات وأصبح الجميع مؤهلين للقيام بمهامهم القتالية بكفاءة‏.‏
كما تمت دراسة عدة نقاط أساسيه أهمها ضرورة الحصول علي التفوق علي مدفعية العدو‏,‏ وتركيز المدفعية من اتجاه اليهود الرئيسي وتوفير الأعيرة المناسبة لتنفيذ المهام المطلوبة خلال مراحل المعركة‏,‏ وتحقيق كثافة دفاع مضاد للدبابات عالية برءوس كبار لمواجهة الهجمات والضربات المضادة للعدو وتوفير احتياطي استراتيجي في يد مدير المدفعية‏.‏
وقد تمكنت المدفعية من تحقيق إحدي المفاجآت خلال الحرب والتي أذهلت العالم بما استخدمته من أسلحة الرمي المباشر وغير مباشر وبدقة الإصابة‏,‏ حيث تم حشد جميع قطع المدفعية المتيسرة علي جبهة قناة السويس‏,‏ وتم إاستخدام قطع المدفعية المباشرة وغير المباشرة‏,‏ وصواريخ مضادة للدبابات في مواجهة الهجوم‏,‏ وحشدت كتائب المدفعية علي كل محور من محاور الهجوم‏,‏ بالاضافة إلي الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات لاستخدامها علي رءوس الكباري بما يحقق ثبات واتزان الدفاع‏,‏ وتدمير مدرعات العدو خلال المراحل الأولي قبل إنشاء الكباري‏.‏
وتمثلت صعوبة تنفيذ التمهيد النيراني في ضرورة أن تكون مدة التمهيد قصيرة بما يضمن سرعة عبور قواتنا القناة وإحراز المفاجآت علي العدو شرق القناة‏,‏ كما كان الأمر يتطلب أن تكون مدة التمهيد النيراني طويلة نسبيا لضمان تدمير حصون خط بارليف ووصول المغارز الامامية لاحتلال المصاطب وتأمين وصول القوة الرئيسية‏,‏ كما تطلب الأمر ضرورة التنسيق الكامل بين القوات المصرية والسورية وتنسيق التمهيد النيراني مع الضربة الجوية‏.‏

التمهيد النيراني
وبناء علي ما سبق‏,‏ وبعد دراسة مستفيضة‏,‏ تم التخطيط للتمهيد النيراني لمدة‏53‏ دقيقة بحيث يبدأ قبل عبور قواتنا بربع ساعة‏,‏ وينتهي بعد نزول القوات للقناة بنحو‏38‏ دقيقة‏,‏ كما تم ربط توقيت الضربة الجوية مع التمهيد النيراني لاحراز المفاجأة‏,‏ حيث تم تنفيذ الضربة الجوية‏,‏ وبعدها بـ‏5‏ دقائق بدأ تنفيذ التمهيد النيراني‏.‏

مراحل المعركة
وقد تم تقسيم دور المدفعية إلي‏3‏ مراحل رئيسية طبقا لتطور أعمال القتال أولاها مرحلة العبور وتأمين رءوس الكباري‏,‏ واستمرت من يوم‏6‏ حتي‏13‏ أكتوبر‏,‏ وقد بدأت المدفعية دورها في الساعة الثانية وخمس دقائق يوم السادس من أكتوبر حيث شنت أعنف وأقوي تمهيد نيراني لمدة‏53‏ دقيقة ضد النقاط القوية ومراكز القيادة والاحتياطات المحلية ومرابض مدفعياته‏,‏ ومع بدء التمهيد النيراني عبرت القناة المفارز المتقدمة‏,‏ ومجموعات إدارة النيران من احتلال مصاطب الدبابات علي الضفة الشرقية للقناة‏,‏ وحرمانه من التدخل في عملية العبور‏.‏
وفي تمام الثانية والثلث بدأت الموجة الأولي لقواتنا في العبور تحت ستر نيران مدفعياتنا‏,‏ ولم يتمكن العدو من التدخل في أي قطاع ضد عملية العبور من خلال نقاطه القوية نتيجة إسكاته وتدمير أبراجه ومزاغلة‏,‏ وقد تمكنت الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات من تدمير ما يقرب من‏25‏ دبابة‏,‏ مما دفع أحد قادة الكتائب الإسرائيلية لأن يعبر عن ذلك بقوله فوجئنا بكرات من النار تتراقص أمامنا في الهواء وتندفع نحو دباباتنا لتدمر الواحدة تلو الأخري‏,‏ وتحولها إلي كتلة من النيران‏.‏ وقد تمكنت القوات في هذه المرحلة من الاستيلاء علي رءوس الكباري بأعماق تتراوح بين‏10‏ و‏12‏ كيلو مترا‏.‏
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التطوير واستمرت من يوم‏14‏ حتي‏15‏ أكتوبر‏,‏ حيث كان هناك عدد كبير من كتائب مدفعية الرمي غير المباشر في نطاقي الجيشين الثاني والثالث‏,‏ بالاضافة إلي عدد كبير من القطع المضادة للدبابات‏,‏ وقد تم تحديد دور المدفعية بهذه الإمكانات خلال مرحلة التطوير في تأمين دفع التشكيلات والوحدات المكلفة بعملية التطوير وقيام عناصر الضرب المباشر والاحتياطات المضادة للدبابات بتأمين خطوط الدفع للقوات المكلفة بالتطوير ومعاونة القوات عند توقفها أمام مقاومات العدو‏,‏ التي تمثلت في ستائر المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات وإنشاء ستائر دخان لتعمية مواقع العدو‏,‏ والمعاونة في صد جميع الهجمات المضادة للعدو علي رءوس الكباري وأجناب القوات‏,‏ كما تضمن دور المدفعية خلال هذه المرحلة معاونة القوات في تعزيز الخطوط التي وصلت إليها وإسكات بطاريات مدفعية وهاوناته المكثفة‏.‏
أما المرحلة الثالثة والاخيرة فتمثلت في التمسك برءوس الكباري ومحاولة حصر وتدمير العدو غرب القناة واستمرت من يوم‏16‏ وحتي‏25‏ أكتوبر‏,‏ حيث قامت المدفعية في يوم‏16‏ وخلال مرحلة الثغرة بالضرب علي العناصر البرمائية المعادية التي حاولت عبور البحيرات المرة إلي مطارالدفرسوار وكبدتها خسائر كبيرة‏,‏ كما اشتبكت مع دبابات العدو المتسللة للغرب في منطقة ابوسلطان
كما قدمت المعاونة لقواتنا في صد وتدمير هجمات العدو عند رءوس الكباري والاشتباك مع بعض الأهداف المعادية البحرية في قطاع بورسعيد‏,‏ وتدمير قوات العدو في اماكن تجمعها‏,‏ وتدمير قوات العدو في أماكن تجمعها وتدمير وسائل عبوره البرمائية في منطقتي الدفرسوار وابوسلطان‏.‏ وفي يوم‏18‏ أكتوبر التقطت اشارة صادرة من جانب القوات المعادية تطلب إلغاء العملية بسبب شدة الخسائر التي منيت بها القوات الإسرائيلية العابرة للغرب‏,‏ وقامت المدفعية بتقديم المعاونة النيرانية لصد وتدمير دبابات العدو المتسللة جنوب ترعة الاسماعيلية وتمكنت من تدمير عدد كبير منها يومي‏20‏ و‏21‏ اكتوبر‏,‏ كما قدمت المعاونة بالضرب المباشر وغير المباشر لصد الهجوم علي موقع كبريت وقصف تجمعات العدو شرق الطريق العرضي‏(‏ سدر ـ جنوب البحيرات‏)‏ وصد الهجوم في مناطق شمال الجربة وأم كتيب وجبل جنيفة وجبل غزة كما ساعدت في صد وتدمير الهجمات المعادية المتكررة علي مدينة السويس وتأمين مدخل وادي حجول لمنع تسرب قوات العدو اليه‏.‏

الدروس المستفادة
ويؤكد اللواء المحمودي مدير ادارة المدفعية ان سلاح المدفعية خرج بدروس مستفادة من حرب أكتوبر اهمها ضرورة استمرار رفع الكفاءة القتالية وتدريب الوحدات والاستعداد الجيد وتطبيق مبادئ الحرب والتعاون الوثيق بين الاسلحة المشتركة‏,‏ ومن اهم المبادئ حشد النيران المكثف علي أماكن تجمعات مدرعات العدو‏,‏ والمناورة بالوحدات والنيران وإحداث المفاجأة باستخدام التحضيرات الكاملة‏,‏ والسرية والامن والإخفاء والتمويه في وقت مبكر‏,‏ بجانب التركيز علي دور المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات‏.‏
كما أظهرت حرب أكتوبر ضرورة السيطرة‏,‏ حيث سيطر قادة المدفعية علي جميع مستويات نيران وحداتهم‏,‏ بالاضافة إلي ظهور اهمية التعاون الوثيق في تنسيق نيران المدفعية والطيران في الضرب علي اهداف العدو والتعاون الوثيق بين مدفعية الرمي المباشر وغير المباشر والتنسيق مع عناصر استطلاع المدفعية‏,‏ بالاضافة إلي اهمية خفة الحركة التي توفرت لبعض نوعيات من المدفعية في تحقيق مهامها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب