قضايا و اراء

41230‏السنة 124-العدد1999اكتوبر25‏16 من رجب 1420 هــالأثنين

إلا الصحافة
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

الشائعات بضاعة رائجة‏.‏ فكثير من الصغار يحلو لهم أن يجعلوا من أنفسهم بين مجالسيهم أنهم علي صلة وثيقة بالمسئولين وأنهم يعرفون من الخفايا ما لا يعرفه إلا هم وأوسع ميدان لاختلاقاتهم هو ميدان السياسة فمن لا عمل له لا يجد ساحة له إلا السياسة ومن لا يحسن شيئا يتخذها تجارة‏.‏
ومثل هؤلاء في أغلب أمرهم سرعان ما تنكشف حقيقتهم ويصبحون أهزوءة أصحابهم وسخرية السامعين لهم‏.‏ فالحقيقة التي يدعون أنهم علي خبر بها سرعان ما تعلن فتذهب أقوالهم وتخرصاتهم التي يؤكدون صدقها بما لهم من صلات وثيقة بأولي الحل والربط في البلاد‏...‏ تذهب خرافاتهم هذه كلها أدراج الرياح‏..‏
ولو كان لهم عقل يفكرون به أو شبه كرامة يحافظون عليها لعلموا أن كل نبأ إلي مستقر فالحقيقة حين تتضح تقصف كل ما كان مروجو الشائعات يذيعونه ويصبح موقفهم أمام من كانوا يستمعون إليهم غاية في الخزي ولكنهم في جنونهم بإظهار أنفسهم أنهم عليمون ببواطن الأمور والمستسر منها يصبحون بلا حياء فهم من جمود الوجه وجرأتهم علي الحقائق بعيدون كل البعد عن الشعور بأي خزي فأمواه وجوههم ناضبة‏.‏
ربما نستطيع أن نغفل أمرهم ونتغاضي عن صغارهم ولكن الأمر الذي لا نطيق أن نسكت عنه أو نقبله هو أن تصبح الصحافة هي مصدر هذه الشائعات الكاذبة في محاولة منها ذميمة أن تبدو وكأن الصحفيين العاملين بها يصلون من الأخبار إلي مصادرها وصناعها‏.‏
وقد كانت بعض الصحف سباقة في هذا الطريق الذي يأباه الشرف الصحفي وتنفر منه الأمانة المفروضة في كل ما تحويه الصحيفة من أنباء‏.‏
وقد هاجمت هذه العاصفة من الشائعات في التشكيل الوزاري الأخير‏.‏
فكم من أسماء رشحتها الصحف لتولي الوزارة بل إن بعض هذه الصحف سمي الوزارات التي ستتولاها هذه الأسماء وبالغوا فراحوا يمزقون بعض الوزارات الأمر الذي ألهب الفضول في الشعب المصري كله والذي جعل مروجي الشائعات ومختلقيها يجدون سوقا رائجة لبضاعتهم التي يشوبها الغش والكذب والتمويه والعفن‏.‏
ولن أضرب الأمثلة فجميع القراء لهاته الصحف يعرفون مقدار الحق فيما أقول‏.‏ وحسبهم أن التشكيل الوزاري حين أعلن كان هناك عدد كبير من الوزراء لم تذكر صحف الشائعات اسما من أسمائهم‏.‏
في عرف من تعدو هذه الصحف علي ثقة الناس بما تنشره الجرائد والمجلات‏.‏
وحرب الشائعات حرب قديمة واجهت الأنبياء في دعوتهم للواحد الخلاق‏.‏ واجه هذه الشائعات نوح وموسي وإبراهيم وعيسي ونبينا صلي الله عليه وسلم‏.‏
فقد غاب عنه الوحي بضعة أيام فأشاع خصومه أن الوحي انقطع عن النبي عليه الصلاة والسلام وأثارت هذه الشائعة الخوف عند سيد الخلق وإمام المهتدين صلي الله عليه وسلم رغم يقينه أنه سبحانه وتعالي لن يتخلي عنه أو يخذله أبدا‏.‏
فانظر مدي قوة الشائعة وجبروتها حتي أنها مست قلب الصادق الأمين وحين أراد سبحانه أن يستأنف وحيه إلي رسوله صلي الله عليه وسلم كان ذلك بهذه الكلمات المشرقات والضحي والليل إذا سجي ما ودعك ربك وما قلي وللآخرة خير لك من الأولي ولسوف يعطيك ربك فترضي‏.‏
وبهذه الآيات القدسية محا سبحانه وتعالي ما مس قلب النبي عليه الصلاة والسلام من خشية أن تكون هذه الشائعة التي اختلقها خصومه علي جانب من الصحة ولم يكتف جل جلاله بهذا بل بشر نبيه عليه الصلاة والسلام ببشريين أولاهما أن الآخرة خير له من الأولي وثانيتهما أن ربه سوف يعطيه فيرضي‏.‏ والرضا أسمي درجات السعادة‏.‏ فلا شيء في العالم يسعد الإنسان كما يسعده الرضا فقد يكون وافر الغني صاحب بنين فالحين ولكنه غير راض لأن الله لم ينعم عليه بنعمة الرضا التي وعد الله بها نبيه وحبيبه وصفيه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام‏.‏
وإن احتجاب الوحي عن الرسول صلي الله عليه وسلم هذا كان من شأنه أن يجعل الكافرين يؤمنون ويثقون بصدق محمد وأمانته‏.‏ فلو لم تكن هذه الآيات تنزيلا من العزيز الحكيم لرصف عليه الصلاة والسلام بضع جمل علي نسق الآيات السابقات وقطع بها ألسنة الكفرة الظالمين فانقطاع الوحي هذه الأيام دليل مادي لا يقبل الجدل علي أن القرآن من لدن القدير العليم ولا يطيق أن يأتي بآية شبيهة بآياته إنسان من البشر ولو اجتمعوا له‏.‏
ولعل من أقسي الشائعات التي واجهها سيد الخلق أجمعين شائعة الإفك عن ستنا عائشة فقد ظل عليه الصلاة والسلام فترة هذه الشائعة الدنيئة وهو في غاية الضيق والأسي حتي أدركه سبحانه بآياته الكريمة من سورة الحجرات ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين‏.‏
وهكذا فرج سبحانه الكرب عن نبيه وصفيه وحبيبه وبشر الرسول صلي الله عليه وسلم زوجته الطاهرة ستنا عائشة أن الله الرءوف الرحيم أثبت طهارتها ورد إليها كرامتها من فوق سماوات سبع سبحان الله الكريم الودود وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب