تحقيقات

41224‏السنة 124-العدد1999اكتوبر19‏10 من رجب 1420 هــالثلاثاء

كشفه لم يأت مصادفة .. وادي المومياوات الذهبية
الكشف يعد الثاني والأهم في القرن العشرين بعد توت عنخ آمون

:تحقيق ـ‏ أحمد عادل هاشم
ليس صحيحا ما قالته صحيفة انجليزية وقورة مثل الصنداي تايمز‏,‏ أو مجلة واسعة الانتشار مثل النيوزويك الأمريكية‏,‏ من أن المصادفة وحدها هي التي جعلت حمارا يمتطيه أحد حراس المنطقة رقم‏6‏ بقرية البويطي بالواحات البحرية‏,‏ تقع قدمه في حفرة‏,‏ فيسقط‏,‏ وتكشف لنا سقطته عن مقبرة مومياوات مغطاة بماء الذهب والذي يعد ثاني اهم وأخطر كشف اثري مصري خلال هذا القرن‏.‏
صحيح أن تاريخ الكشوفات الأثرية يعترف بدور الحظ والمصادفة‏,‏ مثلما حدث في عام‏1910‏ عندما كان عالم الآثار الإنجليزي هاوارد كارتر الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون ـ أعظم كشف في القرن العشرين‏.,‏ يتجول ليلا بحصانه في منطقة الدير البحري بالأقصر‏,‏ فانهار جزء من الأرض تحت أقدام حصانه‏,‏ ليسقط ويقوده ذلك إلي اكتشاف مقبرة الملك منوحتب نب حبت رع أحد ملوك الأسرة الـ‏12.‏
ومثلما حدث كذلك في عام‏1989,‏ عندما أدت سقطة حصان كانت تمتطيه سائحة أمريكية‏,‏ للكشف عن مقابر العمال المصريين الذين بنوا أهرامات الجيزة‏,‏ وندحض بذلك وللأبد الدعاية الصهيونية التي تزعم أن اليهود هم بناة الأهرامات‏!!‏
ولكن‏,‏ رغم الحظ والمصادفة‏,‏ إلا أن إرجاع هذا الكشف العظيم الذي أطلق عليه د‏.‏ زاهي حواس أسم وادي المومياوات لهما وحدهما‏,‏ هو إلغاء لتاريخ طويل وعريق شهدته الواحات البحرية منذ آلاف السنين‏,‏ ينبيء لأي أثري مبتديء بحتمية وجود آثار مهمة تخفيها رمال الصحراء‏,‏ تحكي هذا التاريخ وتسجله علي جدران القصور‏,‏ وداخل المقابر المدفونة‏.‏
كما يأتي ترويج المصادفة في هذا الكشف‏,‏ نسفا لجهد وعرق وعلم جيل جديد واعد من الأثريين المصريين الشباب الذين يقضون حياتهم بعيدا عن العاصمة ومزاياها في قلب واحات صغيرة تحوطها من الاجانب صحراء قاحلة‏,‏ للكشف عن التاريخ العريق لهذه الأمة‏.‏
فمن جهة‏,‏ يقول تاريخ الواحات البحرية بامتداده وحجمه وثرائه‏,‏ إنه في أحد الأزمنة البعيدة‏,‏ وقعت في أيدي أحد القادة العسكريين للأسرة‏26.‏
رسالة تفيد أن هناك غزوا قادما من الغرب عن طريق الصحراء الليبية‏(‏ الواحات البحرية‏),‏ فأعدت مصر عدتها العسكرية‏,‏ وأرسلت جيشا لملاقاة قوات الغزو القادمة من ليبيا‏,‏ واختار قادة الجيش موقع المعركة ليحقق المفاجأة للأعداء‏,‏ وكانت الواحات البحرية التي تأتي عبر سلسلة من الجبال هي المكان المناسب لتجميع القوات نظرا لوفرة المياه والنخيل بها‏,‏ لتنطلق منها إلي الأمام لملاقاة قوات الغزو وحرمانها من مصادر المياه وصدها قبل أن تستقر بالواحات وتستريح من مشقة عبور الصحراء الغربية وهي قادمة من سيوة‏.‏
ومنذ ذلك التاريخ‏,‏ كانت الواحات البحرية محطا لأنظار القادة العسكريين المصريين باعتبارها موقعا استراتيجيا ونقطة وثوب مهمة ينطلق منها الجيش المحارب ليكمل اختراق الصحراء المرهقة‏..‏
ولعل أبلغ دليل علي الأهمية الاستراتيجية لها‏,‏ هو عبور جيوش الاسكندر الاكبر للصحراء بعد إعادة تجميع جيوشه في الواحات البحرية‏.‏
وشهدت هذه المنطقة ايضا أحداثا مهمة في التاريخ القديم ثم الروماني واليوناني وما بعدها‏.‏
وأمام هذا التاريخ الحاشد للواحات‏,‏ لم يكن أمام الأثريين المصريين سوي ان يولوا وجوههم شطر الشمال الغربي لمدينة الجيزة وعلي بعد‏400‏ كيلومتر من القاهرة‏,‏ لاقتناعهم عن يقين ان كل هذا التاريخ لابد وأن يترك وراءه آثارا مهمة لرجاله وأحداثه‏.‏
ومن جهة أخري‏,‏ فإن الواحات البحرية في عصرنا الحالي‏,‏ وقبل إنشاء تفتيش للأثار المصرية بها في بداية الثمانينات‏,‏ كانت المناطق‏.‏التي تخفي في باطنها الكنوز الأثرية‏,‏ مجرد محاجر يستخدمها الأهالي لاستخلاص الأحجار لبناء مساكنهم‏.‏
‏..‏ وعندما ذهب رجال تفتيش الآثار‏,‏ كانت السنوات الطويلة التي استخدمت فيها المنطقة كمحاجر‏,‏ كافية لذبح التربة الحجرية هناك‏,‏ وإضعاف طبقتها العلوية‏..‏
وبالتالي لم تكن الشواهد الأثرية في احتياج لأي مصادفة يصطدم بها أحد ليكشف لنا عن وجود آثار ومقابر ومعابد ومومياوات مذهبة‏.‏
وهذا ما حدث بالفعل‏..‏ ففي عام‏1993,‏ كان أحد الحراس المكلفين بالمرور دوريا علي المنطقة الأثرية رقم‏6,‏ يمتطي حمارا في جولته ذات يوم وشاهد بعينه المجردة هبوطا أرضيا ملحوظا في إحدي نقاط المنطقة‏,‏
وعلي الفور قام الحارس بإبلاغ كبير مفتشي الآثار بالواحات البحرية في ذلك الوقت السيد عشري شاكر‏,‏ الذي قام مع السيد محمد عيادي أحد مفتشي الآثار هناك بمعاينة الموقع علي الطبيعة‏,‏وتمت كتابة تقرير بما حدث إلي هيئة الآثار لطلب اعتماد مالي للكشف عما تخفيه هذه النقطة التي بها هبوط أرضي‏.‏
وعلي الفور‏,‏ تمت الاعتمادات المالية‏,‏ ورصد مبلغ‏50‏ ألف جنيه تحت إشراف الدكتور زاهي حواس‏,‏ الذي شكل مجموعة بحث من مهندسي الآثار والمرممين والخبراء‏,‏ وقام بزيارة المنطقة وعمل الدراسات اللازمة‏.‏
ومنذ ذلك الوقت‏,‏ بات مؤكدا للدكتور زاهي حواس ورجاله انهم يقفون فوق أرض تخفي أسرارا وآثارا مهمة‏.‏ كما أن الكشوفات الأثرية السابقة تدعم هذا اليقين وتؤكده‏..‏ فهناك تم الكشف عن معبد كبير بمنطقة القصر القديم لـ واح أبرع‏,‏ مشيد بالحجر الرملي علي ارتفاعات شاهقة‏,‏ ويجري منذ وقت قصير إتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المساكن المهجورة التي بنيت في العصر الحديث فوقه بعد أن دفنته الرمال للكشف عن المعبد كاملا‏,‏ الذي لايظهر منه الآن سوي أسواره‏,‏ التي تشير إلي أن مساحته الكلية تبلغ حوالي‏20‏ فدانا‏..‏ وسميت تلك المنطقة بـ القصر‏,‏ نسبة إلي هذا القصر القديم‏,‏ كما تضم منطقة القصر أيضا معبد عين المفتلة الذي كشفه من قبل د‏.‏ أحمد فخري‏,‏ وهناك معبد للاسكندر الاكبر المقدوني‏,‏ وهو مكون من حجرتين ومجموعة من الملحقات السكنية‏,‏ وهو المعبد الوحيد المتبقي للاسكندر الأكبر في مصر كلها‏,‏ وبه صور جدارية تمثل الاسكندر وهو يقدم القرابين للإله آمون
ومنطقة القصر‏,‏ ليست فقط هي الشاهد الوحيد علي ما تحويه الواحات البحرية من كنوز وآثار عظيمة دفعت علماءنا الأثريين وشبابنا للذهاب هناك من أجل تسطير تاريخ أثري مصري جديد‏.‏فبجانب منطقة القصر‏,‏ كانت قرية الحيز التابعة للقصر تضم من الشواهد والاكتشافات الأثرية ما دفع الأثريين المصريين إلي الاهتمام بآثار الواحات‏.‏
وفيها تم الكشف عن مجموعة كبيرة من الآثار ترجع للعصور‏:‏ اليوناني‏,‏ الروماني‏,‏ والقبطي‏,‏ وتم الكشف عن القصر الروماني من قبل بمعرفة د‏.‏ أحمد فخري‏,‏ وقام تفتيش آثار الواحات البحرية تحت اشراف د‏.‏ زاهي حواس في بداية التسعينات بالكشف عن ملحقات هذا القصر‏,‏ والسور المحيط به‏,‏ ومصنع النبيذ الملاصق له‏,‏ وحاليا تجري أعمال الحفائر بهذه المنطقة لاستكمال ما توقفت عنده في المواسم الماضية‏,‏ حيث تم الانتهاء من عمل الصيانة اللازمة وترميم أجزاء القصر التي تم الكشف عنها‏.‏
وبالاضافة إلي القصر الروماني‏,‏ هناك كنيسة قبطية ترجع لنهاية القرن الرابع الميلادي وبداية القرن الخامس‏,‏ ويتم حاليا عمليات صيانة وترميم لها لافتتاحها قريبا‏.‏
ليس ذلك فقط هو كل ما تحتضنه الواحات البحرية وتخفيه تحت رمالها‏..‏ فربما يكون ذلك مجرد بداية لسلسلة من الكشوفات الأثرية العظيمة في القرن القادم‏,‏
وكما يقول محمد عياد كبير مفتشي الآثار بالواحات البحرية‏,‏ فإن تلك المناطق البكر مملوءة بالشواهد الأثرية‏,‏ وأن مدينة البويطي تحوي مجموعة كبيرة من المقابر التي ترجع للعصر الصاوي للأسرة‏26,‏ ويتم حاليا الاستعداد لافتتاح مقبرتين تمت صيانتهما وتجهيزهما‏,‏ إحداهما لـ با أنتيو والاخري لـ ذرأمون أفا يوعنخ والمقبرتان بهما نقوش جدارية وتوابيت من الحجر الجيري‏,‏ وهناك أيضا‏4‏ مقابر أخري لـ ساتي‏,‏ وبدع عشتار وطانفرت‏,‏ ويتم تنكيسها حاليا‏.‏
ويضيف محمد عيادي أن تفتيش الاثار بالواحات يضع يده حاليا علي‏104‏ مقابر مملوءة بالمومياوات المذهبة‏,‏ لشخصيات مهمة‏,‏ وسيتم الكشف عنها في الوقت المناسب بمعرفة د‏.‏ زاهي حواس‏.‏
من هنا فان كل الشواهد والكشوفات الاثرية‏,‏ كانت المقدمة الطبيعية التي فرضت علي رجال الاثار هناك العمل والحركة واعتماد العلم والتخطيط لفتح باطن الأرض‏,‏ وليس المصادفة
ويؤكد محمد عيادي أن منطقة الكيلو‏6‏ التي تم اكتشاف مقبرة المومياوات المذهبة بها‏,‏ تم تقسيمها كلها منذ فترة إلي مربعات مرقمة‏,‏ وتم عمل مسح أثري شامل داخل كل مربع علي حدة‏,‏ يتم خلاله إزالة الأتربة للتوصل إلي ما يحويه هذا المربع من آثار‏.‏
أما صحيفة صنداي تايمز اللندنية‏,‏ فكتبت شيئا آخر‏,‏ وقالت إن الحارس‏,‏ بعد السقوط‏,‏ حاول تحريك رجل الحمار بتوسيع الحفرة التي وقع فيها‏,‏ فلما تهاوت الارض‏,‏ رأي بعينيه المومياوات المذهبة من فوهة الحفرة‏..‏ وهو وصف قد يليق بسيناريوهات السينما الهندية فقط‏,‏ فمن غير المعقول أن يري الحارس المومياوات المذهبة التي تغطيها الرمال منذ زمن بعيد وسط ظلمة حالكة‏,‏ هي كل ماقد يظهر منها‏.‏
لذلك‏,‏ فإن الجريدة الانجليزية‏,‏ عندما تعاملت مع الكشف الأثري باعتباره ثمارا لمصادفة سقوط الحمار‏,‏ فإنها لم تجد عنوانا يتصدر التحقيق الذي نشرته علي صفحة كاملة سوي مدينة الأموات‏,‏ وهو وصف فرضته تداعيات الجهل بتاريخ وجغرافيا مدينة البويطي من جهة‏,‏ ومن جهة أخري‏,‏ نظرت الصحيفة للتاريخ باعتباره ماضيا انتهي‏,‏ ولم تفطن إلي ان التاريخ هو طريق الوصول إلي المستقبل‏,‏ أما الماضي فيصلح للأساطير فقط‏!‏
لقد أدي هذا الكشف الاثري المهم إلي فتح أبواب مستقبل الواحات البحرية علي مصراعيه فهو من ناحية أثرية تاريخية وسيعيد قراءة رحلة الاسكندر الاكبر التي قطعها لتفقد درب الاربعين البادئ من الواحات وحتي السودان‏.‏
كما أن المنطقة رقم‏6‏ تحديدا الواقعة في مدينة البويطي الصغيرة‏.‏ ستكشف مقابرها المدفونة تحت رمالها عن طبيعة الحياة الاجتماعية السائدة في عصر البطالمة‏[‏ اليونانيين‏]‏
وستؤكد ان الواحات البحرية التي ظلت لفترة طويلة خاضعة لحكم الليبيين‏,‏ فرضت عليها مصر سلطانها لأول مرة في هذا العصر‏.‏
ومن ناحية أخري‏,‏ ستنعش هذه الكشوفات الاثرية منطقة الواحات البحرية بأكملها‏,‏ فمن المتوقع ان تصبح الواحات بعد استكمال الكشوفات أحد أكبر المزارات الاثرية في مصر‏,‏ الأمر الذي سيجذب اليها كل المهتمين بعلم المصريات سواء في اوربا أو أمريكا أو اليابان وغيرها‏.‏
وهذا سيؤدي إلي حركة اقتصادية لإقامة الفنادق والاستراحات والصناعات الصغيرة لخدمة السائحين الجدد المنتظر قدومهم للواحات‏..‏ باختصار ستزداد حركة البيع والشراء هناك‏,‏ وهذا سيدفع الاجهزة المحلية بالواحات الي تقديم خدمات أفضل للسكان وللسائحين‏.‏
كما سيفرض علي المركز‏[‏ العاصمة‏]‏ أن تعطي اهتماما أكثر للواحات من حيث حركة النقل والسفر والمواصلات والاتصالات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب