مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40950‏1999يناير 18‏1 من شوال 1419 هـالأثنين

أنت بالفضل أجدر
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

سيدنا الحسين بن علي وأخوه محمد بن الحنفية أنجبته من سيدنا الامام علي فهما أخوان غير شقيقين‏.‏ كانا جالسين يتناجيان وثار بينهما موضوع اختلفا فيه واحتدم الخلاف واكانا في بيت سيدنا الحسين فقام سيدنا محمد بن الحنفية مغضبا وذهب الي بيته‏.‏
وحين استقر به المقام كتب الي أخيه يقول ما معناه‏.‏ إنني وانت ننتسب الي أب واحد ولكن أمي لو أن الأرض امتلأت من مثيلاتها ووضعن جميعا في الميزان في كفة وأمك بنت سيد البشر أجمعين في كفة لرجحت كفة الزهراء وقد كنت أنوي أن أعود الي بيتك فأعتذر وأزيل ما شجر بيننا من خلاف‏..‏ ولكنني وجدت أنك بأمومتك أجدر بهذا الفضل فاذا بلغك خطابي هذا فتعال الي منزلي من فورك وكن أنت صاحب المأثرة في ازالة خلاف وقع بينك وبين أخيك فأنت أولي بهذا الشرف مني واخضلت عينا سيدنا الحسين من الدمع والتأثر وقام من فوره الي بيت أخيه وانتهي ما كان بينهما من أثر المناقشة‏.‏
قصة كلما قرأتها وجف قلبي وتزاحمت الدموع في عيني أين هذه الأخوة وأين هذا الحب وأين هذا الايثار؟
لقد أكلت الحياة الكثير من جمالها في صلات الناس بعضهم ببعض‏.‏ ولكن هل تحجرت القلوب التي خلقها الله سبحانه وتعالي حبا ورحمة وأصبحت لا تنبض بحب إلا حب المنفعة الشخصية ولا تختلج لمعني إلا اذا كان ماديا صلبا جامدا من حديد أو صلب أو حجر أو ذهب أو فضة‏.‏ هل توقفت الحياة ان تجعل المعني الانساني المجرد الذي يهز المشاعر ويمر علي القلوب فيجعلها ترق وتسجح وعلي العيون فيسيل الدمع السعيد من محاجرها‏.‏
وهل أصبحت الحياة قائمة علي الجمود المالي وحده بعيدا كل البعد عن الغني النفسي الذي شعر به الانسان يملأجونحه وإن كان لا يملك من المال شيئا إذن فبئس الحياة هذه‏.‏
وأقرأ فيما أقرأ أن أحد أثرياء العرب وقع في ضائقة مالية حادة‏..‏ ولم يجد من بين اصدقائه من يطيق انقاذه منها‏.‏ ولكنه كان يعرف أن واحدا فقط كان من اصدقائه ثم نشب بينهما خلاف جعله من ألد أعدائه هو الذي سيقيل عثرته كان علي رغم الخلاف يعرف أنه رجل رفيع الخلق وأنه لن يتأخر عن تقديم كل معونة إليه‏.‏
أرسل اليه أبنه يطلب مائتي ألف درهم‏.‏ فما سأل الصدق العدو ابن صديق الأمس وعدو اليوم فيما يريدها أبوه ولم يزد عن أن التفت الي خازنه وأمره أن يسلمه المبلغ الذي طلبه وقال الخازن‏:‏

ألا نكتب ورقة بالدين‏.‏
فغضب السيد وثار بخازنه‏.‏
لو كنت اريد ان تكتب لأمرتك أعطه المال وحذار أن تستكتبه أي ورقة‏.‏
وأخذ الابن المال وانصرف الي أبيه واستطاع الأب بالمال أن يعود الي مكانته من الغني فكان أول شيء صنعه أن أعطي الدين الذي استدانه من الصديق العدو الي ولده وقال له‏:‏
أذهب الي عمك ورد له المبلغ واشكره علي فضله وذهب الابن الي الرجل الكريم وقدم المبلغ بين يديه فاذا الرجل يلتفت اليه في انفة وكبرياء‏.‏
أكنت خازن أبيك يأخذ حين يريد ويرد حين يشاء إنما قدمت هذا المال الي أبيك هدية لا دينا والهدية لا ترد‏.‏

ويجمع الابن المال ويعود به الي أبيه‏.‏
أين نجد اليوم هذه النجدة والشهامة والرجولة والكبرياء والعفة والترفع‏.‏
ولاشك أن المدين كان يعرف هذا جميعه في عدوه الذي كان صديقه فلو لم يكن يعرفه حق المعرفة ما قصد اليه دون اصدقائه اجمعين هل في الحياة اليوم رجال مثل هؤلاء الرجال‏.‏ أم أقفرت منهم الدنيا فأقفرت من المعاني النبيلة والخلق الرفيع والشرف الأسمي‏.‏
أين نجد مثل عمر حين يأتي اليه قاتل أخيه وعمر أمير المؤمنين وقاتل أخيه واحد من الرعية صاحب مسألة ويقول عمر‏:‏

إنك قاتل أخي؟
فيقول‏:‏
نعم

فيقول عمر‏:‏
لا أحبك حتي تحب الأرض الدم‏.‏

ويسأل الرجل‏:‏
أو مانعي هذا حقا؟

ويقول عمر في حزم‏:‏
‏ لا

فيقول الرجل‏:‏
فانه لا يأسي علي الحب إلا النساء‏.‏
أقص هذا القصص مثلا عليا رواها لنا التاريخ وما رواها إلا لأنها قمم رفيعة ولكن النظر الي القمم يجعل الحياة جديرة بأن تعاش خليقة بأن يحياها الانسان وكان في الحياة غير هذا كان فيها صاحب البيت العنيف الطريف‏.‏
وكانوا بنو عمي يقولون مرحبا
فلما رأوني مفلسا مات مرحب
وكان فيها صاحب الأبيات الخالدة‏:‏
وان الذي بيني وبين بني أبي
وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وان طلبوا هدمي بنيت لهم مجدا
يعيرني بالدين قومي وإنما
ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
فليس كبير القوم من يحمل حقدا
وهذه الأبيات تجمع الآباء والعفة والترفع متمثلة في الشاعر نفسه والصغار والحقد والحسد متمثلة في بني أبيه وبني عمه‏.‏
فالحياة لم تخل يوما من الشر ولكنها أيضا لم تكن تخلو من الخير والجمال والسموق واستغفر الله ما أحسبها اليوم قد خلت ولكنها اتسعت وتزاحمت‏.‏
وأصبح الخير يتواري في غبار المادية الحقيرة‏.‏
إنما ستظل الانسانية تجمع في جوانحها مع الكراهية والحقد والحسد الحب والعطاء والايثار وربما كان بين جماعتنا من يمثل هذا الخلق الأرفع ولكنه يتواري في شرف الحياء وترفع البعد عن اذاعة ما يقدمه من الخير جاعلا منه قربي الي رفيع السماوات ذي العرش فعنده سبحانه لا يضيع أجر المحسنين وكفي بالله وكيلا لهؤلاء وحسيبا‏....‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب