|
|
|
قضايا و اراء
| السنة 123-العدد 40813 | 1998 | سبتمبر | الخميس 3 |
|
شاهدة عصر تراجم سيدات بيت النبوة رضي الله عنهن زينب بنت الزهراءعقيلة بني هاشم بقلم : د. بنت الشاطئ
|
|
|
وفي الطريق إلي مكة جاز أهل البيت بالمواقع التي شهدت جدهم صلي الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا منذ ستين عاما! ولفهم الليل, وأسدل عليهم سترا, وساد الصمت فلم يعد يسمع سوي وقع أخفاف الإبل تسير حثيثا علي الرمال. بسم الله الرحمن الرحيم (ولما توجه تلقاء مدين قال عسي ربي أن يهدين سواء السبيل) صدق الله العظيم لم تلق عصاها ولم يستقر بها النوي, فإن مقتل الإمام علي كرم الله وجهه لم يكن سوي حلقة من سلسلة الفواجع التي ألمت بآل البيت النبوي, ودفعت بهم طعاما لنار الفتنة العمياء.. ثكلت زينب أباها كرم الله وجهه. وجاء دور شقيقها الحسن بدأ هذا الدور بخطبة مؤثرة قال فيها: لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل, ولا يدركه الآخرون بعمل, ولقد كان يجاهد مع رسول الله صلي الله عليه وسلم وآله, فيقيه بنفسه, ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره, فلا يرجع حتي يفتح عليه. وماخلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقية من عطائه, أراد أن يبتاع منها خادما لأهله. ثم خنقته العبرة فبكي, وأبكي الناس معه... وانتهي هذا الدور ـ دور الحسن ـ بعد عشر سنين.. حاول في أولها أن يقف لخصمه الداهية معاوية, فخذلته سيوف الجند الكوفة, فكان أن تنازل عن الخلافة صلحا لمعاوية بعد أن شد بعض شرطة العراق علي فسطاطه فانتهبوه حتي أخذوا مصلاه من تحته, وامتدت يد أحدهم فنزعت مطرفه عن عاتقه, فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء, وامتدت يد أخري فأخذت بلجام بغلته وطعنته في فخذه! فازداد لهم بغضا ومنهم رعبا, وولي عنهم وهو يقول: ياأهل العراق, إنه سخا بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي, وطعنكم إياي, وانتهابكم متاعي. ومرضت زينب أخاها الجريح, فلما اندملت الجروح نسيت مواجعها إلي حين, وظنت أن نزول أخيها الحسن عن حقه منجيه من الهلاك وحاقن دماء آلها من سيوف النفاق والغدر! ولكن معاوية كان يريد الخلافة ملكا أمويا, ولن يستطيع أن يأخذ البيعة لابنه يزيد والحسن بن علي حي يتنفس!.. ولم يكن عهده للحسن أن يلي الأمر من بعده, هو الذي يشغله ويهمه, بل اليقين بأن المسلمين لا يرضون بيزيد بن معاوية, بديلا من الحسن بن علي سبط النبي صلي الله عليه وسلم. وإن معاوية ليذكر تماما, يوم خطب في الناس ـ بعد أن تنازل له الحسن ـ فذكر عليا فنال منه, ونال من الحسن فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه, ثم قام فقال: أيها الذاكر عليا, أنا الحسن وأبي علي, وأنت معاوية وأبوك صخر. وأمي فاطمة الزهراء وأمك هند, وجدي رسول الله صلي الله عليه وآله, وجدك حرب, وجدتي خديجة, وجدتك قتيلة, فلعن الله أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا وأقدمنا كفرا ونفاقا. فرددت طوائف من أهل المسجد: آمين... وارتفع صوت يقول: ونحن نقول: آمين! وردد آخرون: ونحن أيضا نقول آمين! أيمكن أن يحقق معاوية مأربه و الحسن ملء قلوب هؤلاء الناس وإن خذلته سيوفهم رهبة من معاوية ؟! قالوا: وانصرف الحسن بعد تنازله عن الخلافة إلي المدينة فأقام بها نحو ثماني سنوات, وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي فيشاع ـ والله أعلم ـ أنه مات مسموما. وأن الذي تولي ذلك من الحسن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندية. فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها, فكانوا إذا وقع بين أولادها وبين بيوت قريش كلام, عيروهم وقالوا: يابني مسمة الأزواج والله أعلم.. وشيعت زينب أخاها, ثم آبت إلي البيت الحزين, بعد أن أرقدوا فقيدها بالبقيع. وقد صلي عليه سعيد بن العاص أمير المدينة. وفي الخبر أن الإمام الحسين قدمه للصلاة علي أخيه, رضي الله عنهما, وقال: لولا أنها سنة, ماقدمتك. وجاء الدور علي الإمام الحسين... الرحيل قال أبو عمر بن عبد البر: وكان معاوية قد أشار بالبيعة إلي يزيد, ابنه, في حياة الحسن وعرض بها, ولكنه لم يكشفها ولا عزم عليها إلا صلح الحسن وموته. وروينا من وجوه أن الحسن بن علي لما حضرته الوفاة قال للحسين: ياأخي, إن أبانا رحمه الله تعالي لما قبض رسول الله صلي الله عليه وسلم, استشرف لهذا الأمر ورجا أن يكون صاحبه, فصرفه عنه ووليها أبو بكر. فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضا فصرفت عنه إلي عمر. فلما احتضر عمر جعلها شوري بين ستة أحدهم علي فصرفت عنه إلي عثمان. فلما هلك عثمان, بويع علي ثم نوزع حتي جرد السيف في طلبها فما صفا له شيء منها. وإني والله ماأري أن يجمع الله فينا, أهل البيت, النبوة والخلافة. فلا أعرفن مااستخفك فلا يستخفنك أهل الكوفة فأخرجوك.
جاء دور الحسين فتهيأت زينب لترعي أخاها وهو يري الأمر يخرج من بيت النبوة إلي بيت بني أمية ملكا موروثا. ذلك أنه لم تكد تمضي علي وفاة الحسن ست سنوات, حتي دعا معاوية جهرا إلي البيعة لابنه يزيد من بعده, فاستوثق له الناس راضين أو مكرهين, غير خمسة نفر لم يكن فيهم من هو أحق بالغضب لهذه البيعة من الحسين بن علي ولد الزهراء وسبط النبي صلي الله عليه وسلم. وعاش معاوية أربع سنوات بعد أخذه الناس بالبيعة لابنه, والإمام الحسين عند موقفه, لا يرضي أن يعترف بيزيد ولي عهد للأمة.. والصفوة النبلاء من أهل الرأي والشوري ينكرون معه الموقف الشاذ ممن جحدوا حق غذي النبوة, في الخلافة, وهو التقي النقي العالم الفقيه, لكي يرثها فتي من بني أمية خليع رقيق الدين, صاحب لهو وشراب ؟ أيورثه أبوه الخلافة ملكا عضودا هرقليا, وينحي عنها الإمام الحسين؟ رضي الله عنه؟ يأبي الإسلام ذلك, ويأباه الإمام الحسين. وإن معاوية ليعرف هذا حق المعرفة: يعرف من الحسين ومن يزيد, فكانت وصيته الأخيرة لولي عهده: إني قد كفيتك الرحلة والترحال, ووطأت لك الأشياء, وذللت لك الأعداء, وأخضعت لك أعناق العرب... وإني لست أخاف عليك من قريش إلا ثلاثة: الحسين بن علي, وعبد الله بن عمر, وعبد الله بن الزبير. ويمضي معاوية فينظر في أولئك الثلاثة, ويقيس مدي خطرهم علي وارثه وولي عهده فلا يري فيهم من هو أخطر علي يزيد من الحسين فإن له رحما ماسة وحقا عظيما, وقرابة من محمد صلي الله عليه وسلم وآله, ومن ثم يوصي معاوية ولي عهده بأن يدع ابن عمر لعبادته فإنه رجل قد تفاني في العبادة, فليس ملتمسا شيئا قبل يزيد وأن يأخذ ابن الزبير بالشدة... وأما الحسين فإن معاوية يلوذ بالأمل. ويدعو ليزيد: أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه... ولا أظن أهل العراق تاركيه حتي يخرجوه إليهم.
استقبلت زينب مع بني هاشم, خلافة يزيد بن معاوية في شهر رجب من سنة60 هـ. وماكان ليزيد حلم أبيه, أو رزانته, أو دهاؤه السياسي. لم يكفه أنه ورث الخلافة عن أبيه, فكان أول وارث لها عرفه الإسلام, ولم يشأ أن يدع الإمام الحسين معتكفا في المدينة كما فعل معاوية من قبل, بل أصر علي أن يأخذ بيعة الحسين والذين امتنعوا بالحجاز وأبوا أن يحيبوا معاوية إلي بيعة ابنه يزيد. كان همه الأول أن يفرغ من هؤلاء, فكتب إلي أمير المدينة ـ الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان ـ غداة موت معاوية: أن خذ حسينا, وعبد الله ابن عمر, وعبد الله بن الزبير, أخذا شديدا ليس فيه رخصة حتي يبايعوا.. والسلام. وكبر الأمر علي الوليد فاستشار مروان بن الحكم ـ وكان قد قدم المدينة ـ فكانت مشورته: أن تبعث الساعة إلي هؤلاء النفر فتدعوهم الي البيعة والدخول في الطاعة, فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم, وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية, فإنهم إن علموا بموت معاوية, وثب كل امريء منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلي نفسه...
وجاء الإمام الحسين في رهط من شيعته ومواليه, فأبقاهم بباب الوليد علي أهبة, ودخل إلي الأمير وعنده مروان بن الحكم. فدعاه الوليد إلي البيعة, فقال رضي الله عنه: ـ إن مثلي لا يعطي بيعته سرا ولا أراك تجتزيء بها مني سرا دون أن تظهرها علي رؤوس الناس علانية! قال الوليد: أجل قال الحسين: فإذا خرجت إلي الناس فدعوتهم إلي البيعة, دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا. فقال له أبو الوليد ـ وكان يحب العافية ـ فانصرف علي اسم الله حتي تأتينا مع الجماعة. وهم الحسين بالانصراف, لكن مروان بن الحكم اندفع يقول للوليد محذرا: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع, لا قدرت منه علي مثلها أبدا حتي تكثر القتلي بينكم وبينه. احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتي يبايع أو تضرب عنقه. فوثب الإمام الحسين عند ذلك وهو يسأل في إنكار: ـ أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله وأثمت... ثم خرج.. و مروان يقول للوليد مؤنبا: ـ عصيتني ؟ لا والله, لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا.. فرد عليه الوليد: وبخ غيري يامروان, إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني, والله ماأحب أن يكون لي ماطلعت عليه الشمس وغربت عنه, من مال الدنيا وملكها, وأني قتلت حسينا. سبحان الله! أقتل حسينا أن قال: لا أبايع ؟ والله إني لأظن أن أمرا يحاسب بدم حسين, خفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
خرج الإمام الحسين حتي أتي منزله فألقي إلي أهله بالنبأ, وأسر إليهم بعزمه علي الرحيل... ورنت مدينة الرسول في الليلة التالية, إلي ابن الزهراء يتسلل بأهله منها, حذرا يترقب تحت جنح الظلام, قبل أن يبزغ القمر فينم عنهم.. لم يكد يترك منهم بالمدينة غير أخيه محمد بن الحنفية فإنه قال للحسين: ـ ياأخي, أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي, ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك. تنح بمن معك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار مااستطعت. ثم ابعث رسلك إلي الناس فإن بايعوا لك حمدت الله علي ذلك, وإن أجمع الناس علي غيرك لم ينقص بذلك دينك ولا عقلك, ولم تذهب به مروءتك وفضلك, فإني أخاف أن تدخل مصرا من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفوا فيما بينهم فمنهم طائفة معك وطائفة عليك, فيقتتلون فتكون لأول الأسنة هدفا, فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما, أضيعها دما وأذلها أهلا. قال الحسين: فإني ذاهب ياأخي... قال محمد: فأنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك, وإن نبت, لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلي بلد حتي تنظر إلي مايصير إليه أمر الناس ويفرق لك الرأي, فإنك أصوب ماتكون رأيا حين تستقبل الأمور استقبالا, ولا تكون الأمور عليك أبدا أشكل منها حين تستدبرها استدبارا. فودعه الحسين وهو يقول متأثرا: ياأخي قد نصحت وأشفقت, فأرجو أن يكون رأيك سديدا وموفقا إن شاء الله. وفي الطريق إلي مكة جاز أهل البيت بالمواقع التي شهدت جدهم صلي الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا منذ ستين عاما! ولفهم الليل, وأسدل عليهم سترا, وساد الصمت فلم يعد يسمع سوي وقع أخفاف الإبل تسير حثيثا علي الرمال. ولم يكن ثمة حداء ولا غناء. وإنما هو الحسين يتلو هامسا قوله تعالي:( رب نجني من القوم الظالمين). فيؤمن رهطه وهم يلقون علي مدينة جدهم ومغاني صباهم وشبابهم نظرة وداع, فيرتد إليهم البصر خاشعا دون أن يميز من معالم المدينة في هذا الظلام الدامس, سوي هامات النخيل... ولو قدر للنساء أن ينظرن إلي ماوراء ستار الغد, لملأن سمع الليل عويلا ونواحا, فإن الإمام الحسين, وآله وصحبه, يخرجون الليل من المدينة المنورة إلي غير مآب... مضت ساعات وركب الإمام الحسين يغذ المسير ويشق الظلام, حتي إذا أوغلوا في الصحراء وأوغل الليل, بزغ القمر وأطل عليهم فإذا فيهم مع الحسين بنوه وإخوته, وبنو أخيه, وجل أهل بيته وكبار أصحابه. وفي جانب, كانت عقيلة بني هاشم تسير مع جماعة النساء, تنتظر بزوغ نور القمر, كيما يبدد الوحشة التي رانت عليها وعلي الدنيا من حولها... وأجهدهم السير أياما وليالي ذات عدد, حتي شارفوا مكة فتلا الإمام الحسين قول الله عز وجل: ( ولما توجه تلقاء مدين قال عسي ربي أن يهدين سواء السبيل). ولم يقيموا إلا ريثما تلقوا رسل أهل الكوفة مبايعين إمامهم الحسين, وجاءته كتب القوم تتري: أن قد حبسنا أنفسنا عليك, ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي, فاقدم علينا. والنعمان بن بشير الأنصاري, وقتئذ, أمير الكوفة. وبدأ أهل البيت يتهيأون للرحيل من جديد..
( وعلي الله قصد السبيل) صدق الله العظيم.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|