مواقع مصرية
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات و اشتراكات


الكتاب

السنة 123-العدد 40799‏1998اغسطسالخميس 20

مع الأيام
التاريخ‏...‏ شهادته الأعمال‏!!‏
بقلم : سكينة فؤاد

إننا لم نصنع بيوتا لنسكنها‏..‏ ولكن أفرانا لتحرقنا‏..!!‏ وفيها يدفع القادرون أرقاما فلكية‏..‏ أما الذين لا يستطيعون فعليهم أن يسكنوا عش العصفور ـ كما تقول أغانيناـ أو يسكنوا جحور اليأس والإحباط ـ كما يقول الواقع ـ الواقع نفسه الذي يقول وبشهادات كثيرة منها أبحاث وتطبيقات العالمة المصرية زينب الديب أن ناسنا يستطيعون أن يبنوا بأيديهم ويتملكوا ويسكنوا بيوتا جميلة وإنسانية وصحية وفيها وسع ورحابة ويزرعوا ويأكلوا ويطمئنوا لاستقرار الثوابت الأساسية لوجودهم فيلتفتوا للإنتاج والإتقان ومواجهة التحديات التي يمتلئ بها زمانهم‏.‏ فالوعي بمفردات حضارتنا القديمة ليس مجرد استعادة لذاكرة أحداث ووقائع مضت ولكن إحياء لقوة مستقبل متفرد‏,‏ وهذا سر وجوهر إصرار هذا القلم المتواضع أن يقف ظهرا يستند إليه هذا الحلم العلمي والواقعي والحقيقي ويطمئن فيه ويحل به الملايين من شبابنا مشكلاتهم إلي جانب مشروعات وطنية أخري لا شك تواصل حمل الأهداف نفسها‏,‏ وإن اختلفت الطرق إليها‏.‏
ان علم الإنثروبولوجيا أو علم الإنسان إذا كان علما حديثا علي مستوي أوروبا وأمريكا‏,‏ فإن أصوله في مصر ترجع إلي العصور القديمة‏.‏ وكما يقول العالم كون لقد ترك المصري القديم أهم سجل تاريخي حافل أو أهم متحف انثروبولوجي خالد بالصورة واللون والنحت والجداريات وشواهد العمارة التي أنجزها القلب المصري العامر بالإيمان والبصيرة والقيم الإنسانية‏.‏ لقد كانت الفلسفة المصرية حقيقة معاشة تزخر بها جميع مفردات الحياة اليومية‏..‏ فلسفة تؤمن بما تري من صنع الله وتعيش بما تحقق من صنع الإنسان‏.‏ وإذا كانوا في جامعات العالم يعطون له الآن الأهمية الأولي للفهم العلمي العميق لقضايا الإنسان فهل يغيب دوره واستثماره في حياة حفدة أول من عرفوه وأهدوه للدنيا وباستعادة صفاته الأساسية الأولي التي وضع لها كعلم لمعرفة الإنسان‏..‏ ثم بناء الإنسان والذي كان حاصل جمعه أعظم حضارة في تاريخ البشرية‏.‏
هل يفسر هذا التقديم أو يدعم الدعوة التي انتهيت إليها الأسبوع الماضي بإزالة جميع العقبات من طريق الصرح العلمي والتعليمي الذي يحقق هذه الأهداف وترجوه مستقرا لأبحاثها ودراساتها وتطبيقاتها الميدانية وحصيلة ربع قرن من السعي للدرس والفهم والتعلم والتسجيل لكل شبر علي أرض مصر ثم التطبيق العملي للمنهج العلمي الذي حقق معجزات مستكملة رسالة أستاذها سيد البنائين حسن فتحي الذي ركز عمارته علي ضرورة العودة الحتمية وحلوله العلمية والإنسانية والبيئية مع ربطه بأهم علوم العصر واكتشافاته في هذا المجال‏..‏ إنها حوالي عشرة آلاف مخطوط تركها لمثل هذا المركز العلمي التعليمي وحلم إقامته واحتضان مصر له مسجلا في وصيته‏..‏ تلك المخطوطات التي حول بعضها حفر بيته في درب اللبانة بالقلعة إلي وقود للتدفئة‏..‏ حتي اقتنتها الجامعة الأمريكية لتؤكد في دراساتها تلك العودة الحتمية للعالم التي تفرضها الكوارث والمشاكل لتوثيق الروابط بالطبيعة والموارد الطبيعية واحترام البيئة والتراث الحضاري للإنسان في كل مكان فما بال أصحاب الأروع والأعظم منه‏..‏ هل كتب علينا أن نتحول إلي مستوردين حتي في رءوس أموال حضارتنا وفكرنا وإبداعنا‏..‏ ممن عرفوا قيمته وسارعوا لاقتنائه واستثماره ويناشدنا المخلصون منهم الانتباه إليه والحفاظ عليه‏..‏ هل أعيد التذكرة بالنداء الذي استمتعت عبر دائرة الاتصال من القاهرة مع اثنين من أكبر العلماء الفرنسيين في الإنثروبولوجيا‏.‏
قالت الأستاذة جيرمان دي تيرلان‏:(‏ احترموا تاريخكم وتراثكم الإنساني ولا تتركوه يضيع من بين أيديكم‏..‏ ففيه القوة الحقيقية لخطاكم إلي المستقبل‏..‏ انها الحقيقة التي أعادت تأكيدها موسوعة د‏.‏ زينب الديب‏,‏ التي بين ما قرأت كانت الأكثر أهمية في التأكيد علي أن مصر أم حضارات أفريقيا والعالم لقد استدعت بالغ احترامنا وهي تلهث في هذا الطريق الصعب في صحاري بلادها وراء الروح المصرية‏..‏ وراء أمحتب وحسن فتحي والإنسان المصري وتعيد للتجربة المصرية روحها وأصالتها وتعطيها ثمرة العلوم الحديثة‏..‏ وما وصل إليه العصر من تفوق علمي مؤكدة الجوانب الإيجابية والإنسانية وغير المدمرة وتتشبث بالمقدسات المصرية وتبذل المستحيل لتكون في متناول الناس مثل حقهم في الهواء الذي يتنفسون‏..‏ رأيناها وهي تتجاوز التجربة المعمارية لحسن فتحي حين ربطتها بمظاهر التنمية ومفردات الحياة التي جمعتها واستوعبتها وصهرتها خلال عشرين عاما ثم أعادتها للحياة بعد أن ربطتها بآخر ما وصل إليه العلم الحديث المتيقظ لقضايا البيئة ومشكلات الإنسان‏.‏
ولماذا لا نذهب إلي مزيد من تبسيط ما تعنيه العمارة الإنسانية المتوافقة مع البيئة وتكنولوجيا البناء القائمة علي الاحترام الأمثل للموارد الطبيعية وقيمة تأصيل وإحياء مفردات الحضارة القديمة والوعي العلمي بأبجديات الطبيعة والبيئة المصرية منذ العصور الأولي وحتي اليوم واستخدامها في إيجاد مفردات زراعية وصناعية وحرفية تجمع بين عبقريات القديم ومنجز الحداثة‏..‏
هل نريد مثالا حيا علي ما يؤدي إليه انقطاع هذا التواصل؟
يقول المهندس حسن فتحي إن استخدام مواد عالية التقنية مثل قوالب الخرسانة المسلحة والحوائط الزجاجية جريا وراء التحديث متجاهلين الأسس العلمية والحضارية التقليدية والبيئية القديمة والتي تعاملت مع معطيات البيئة وحلت مشكلاتها أدي بنا إلي كارثة مادية وإنسانية‏..‏ فمثلا وجود حائط زجاجي‏3*3‏ معرض للشمس في يوم حار سوف يسمح بدخول‏2000‏ كيلو كالوري في الساعة مما يلزم باستخدام‏2‏ طن من التبريد للحفاط علي إمكانية المعيشة في هذه الحجرة بشكل صحي وإنساني يسمح للجسم بالتحمل الحراري المحيط‏,‏ وبالتالي بالحياة الطبيعية والمقبولة‏..‏ ان المعماري الذي يجعل المبني فرنا ثم يعوض ذلك بتبريد جهاز تبريد ضخم يرتكب خطأ وجهلا قاتلا للبيئة وللأنسان‏.‏
لقد حلت العمارة التقليدية أو الوطنية خاصة في المناطق الحارة‏,‏ المشاكل المناخية بطريقة راعت فيها الجمال الوظائفي والحل العلمي الذي يخدم العمارة اجتماعيا‏,‏ ولقد طورت هذه المجتمعات خلال أجيال عديدة عناصر العمارة للحصول علي مناخ ملائم ومريح باستخدام الطاقة الطبيعية وأيضا المواد الطبيعية مما يقتضي الاعتراف بفضل العلم التقليدي والتراث الشعبي في حل مشاكل معاصرة كثيرة يعني ذلك أن مهمة المعماري ليست فرض أفكار غريبة بحجة المعاصرة‏,‏ وإنما احترام الموقع والناس والثقافة التي تسود باستخدام أسس علمية وتفهم الاحتياجات البيئية والاجتماعية والثقافية‏,‏ فقد تفاعل الإنسان مع بيئته منذ القدم مستخدما ملكاته لتطوير وسائله وتقنياته باتزان سيكولوجي داخلي مع الطبيعة لذلك عرفت الإنسانية التناغم والتواؤم مع البيئة علي مر التاريخ ومع دخول النظم الصناعية العالمية بدون وعي وفهم وإدراك للاختلاف البيئي والحضاري للإنسان ضاعت التقنيات الموروثة والإبداع الذي يصنعه احياء التراث الحضاري والتطعيم بمنجز التقنيات العلمية الحديثة‏..‏ لقد اتهمت الآلات والطاقة الضخمة في انتماء الإنسان إلي الطبيعة وانتمائها إليه ومشاركاته الدقيقة في صناعة الحياة وتشييد البناء وزراعة الطعام وكل ما استند إليه توازن وجوده‏,‏ بينما كان لابد أن يكون التقدم في التقنية نحو سيادة الإنسان علي بيئته وتواؤمه معها وكل ما يحقق اتزانه الجسدي والروحي بالعالم المحيط به‏..‏ إن الإخلال بهذا التوازن أحدث تأثيرا عكسيا علي الإنسان جينيا ونفسيا وجسديا‏.‏
هذا مثال من الأفكار ومناهج التطبيق التي تريد زينب الديب أن تضعها في المؤسسة العلمية والتعليمية للتنمية الإنسانية وعلوم البيئة التي تدعو إليها لتحفظ وتضع هذه الدلائل العلمية بين يدي أصحابها الذين لا يبتغي العلم الحقيقي قبلة إلا الوصول إليهم وحل مشكلاتهم‏..‏ وإذا كانت هذه الكوارث التي أشار المهندس حسن فتحي إليها وحذر منها تحدث لمن يقدر ومن يملك‏..‏ فماذا يحدث لمن لا يقدر ولا يملك‏..‏ ان المنهج التطبيقي الذي مارست تلميذته زينب علي مدي حوالي سبع سنوات في المراكز الإرشادية التي نشرتها من أقصي شمال الوادي إلي أقصي جنوبه قالت وبشهادة الخبراء الدوليين والمصريين د‏.‏ فاروق الباز‏,‏ ود‏.‏ محمود شريف‏,‏ ود‏.‏ الجويلي‏,‏ واللواء عبد السلام المحجوب ـ رجل الإسكندرية المحبوب الآن ـ الفنان والمعلم الكبير حامد سعيد الفنان الكبير زكريا الحقاني‏..‏ بعض الأسماء التي أتذكر انها عايشت تجربة تطبيق منهجها الفكري في صحارينا‏..‏ تلك التجربة التي أكدت أنه في ظل هذا الفكر الإنساني والعلوم المرتبطة بالبيئة ومعطياتها وتستلهم مفردات الحضارة القديمة ينتهي من مصر وجود من لا يقدر ولا يملك‏..‏ فإذا كانت اليونسكو قد اعتبرت المشروع بشقيه البحثي والتطبيقي تجربة رائدة في البحث والتوثيق والتطبيق تعود به مصر رائدة للعالم في رأي أن الأكثر أهمية من ريادة العالم أن تواصل فتح بوابات الأمل أمام أبنائها تلك البوابات التي ملأتها كتل اليأس والعجز والبطالة ومنطق السوق وأرقامه وشراسة السباق والتنافس‏.‏
هل نحتاج إلي دلائل أكثر علي أهمية إقامة هذا الصرح العلمي للتنمية الإنسانية وعلوم البيئة لا للباحثة وأبحاثها وأستاذها وتراثه‏,‏ وإنما أولا لمصر وللمستقبل‏..‏ ورغم ما اقتنته الجامعة الأمريكية من هذا التراث‏..‏ فلدي تلميذته التطبيق العملي لمنهجه والوثائق المصدرة لرحلته من سقارة في الشمال حتي بيت ولادة إيزيس في أسوان وهو يجمع مفردات العمارة المصرية‏..‏ انها الوثائق المصورة لأول بحث أكاديمي ميداني تطبيقي في اثنوجرافيا البناء المصري‏,‏ وكذلك أول بحث أكاديمي ميداني تطبيقي في اثنوجرافيا الزراعة المصرية موصولة بأحدث منجزات العلم وما يحققه وصل المصريون بهذه المعارف وكيف تغنيهم عن استيراد خبراء يعلموهم فنونهم الأولي‏!‏ وما يعنيه حرص منظمات وجامعات دولية علي المشاركة في إقامة هذا الصرح‏..‏ فماذا يعطل أو يؤخر موافقة مصر لدي اليونسكو علي المشروع؟‏!‏
إن مبادرات الإنقاذ تلوح من بعيد ومشاركة وزارة البحث العلمي بدأت منذ شهور وطالب وزيرها أ‏.‏ د‏.‏ مفيد شهاب بإعطائه أولوية في الاهتمام‏...‏ وحيث تنتمي جوهر أبحاث المشروع إلي دراسات معملية وكيميائية وأسس رياضية ودراسات في الاركيولجي والجولوجيا وعلم الجينات والأجناس إلي أسس البحث العلمي‏..‏ أما قطعة الأرض المخصصة للمشروع والتي اشترتها زينب الديب بجزيرة الدهب فتتعرض لمشكلات وتنتظر الإنقاذ الذي لا يستطيعه إلا أ‏.‏ د‏.‏ يوسف والي الأكثر التصاقا بقيمة التجربة عندما نفذ شقها التطبيقي تحت مظلة وزارة الزراعة ونائب المنطقة وزير التموين د‏.‏ جويلي يعرف التفاصيل ومن شهود التجربة ووعد بالمشاركة في إزالة العقبات‏.‏
هل يحتاج العلم والعلماء إلي كل هذا الجهد لإنقاذهم ومن يحميهم التيه والتجديف في مجاهل المشكلات ومن يحمي أبناءنا من الحرمان من ثمار طرح ثرواتهم البشرية والطبيعية والعلمية؟‏!‏ وهل تحتاج مشروعات يسطع نجاحها وأهميتها كضوء الشمس إلي كل هذا الجهاد؟‏!‏ وماذا سيضيع إذا لم توضع قواعد محكمة للحماية والتطبيق؟‏!‏
‏ يقول الحكيم المصري في وصاياه الخالدة‏:‏ يا أبناء طيبة‏..‏ جنة الله علي الأرض تفقدوا هذا الخلق البديع‏..‏ ولتأخذوا منه الحكمة والمثل الأعلي في أعمالكم‏..‏ فإذا كنتم الخلفاء حقا بدت الأعمال قرينة لأرواحكم‏,‏ شبيهة لداخلكم وكتب الله لها ولكم الخلود‏..‏ والتاريخ الحق شهادته الأعمال‏,‏ ولا تقنطوا عواصف النفوس الشريرة‏,‏ سقيمة الشبه‏,‏ فهم مؤقتون كالعواصف‏..‏ هالكون معها بالموت والزمن المحدود‏..‏ أما أنتم يا أبناء طيبة‏..‏ يا شبهها الصادق‏..‏ فلكم الخلود‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب