مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40916‏1998ديسمبر 15‏26 من شعبان 1419 هـالثلاثاء

القدس‏..‏ ومسئولية استردادها
بقلم : جمال سلامة علي
عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي

قد ينتاب المرء في غفلة عن تمام الإيمان شيء من اليأس والقنوط أو الشعور بالهوان إذا ألمت به ملمة أو أصابته مصيبة في نفسه أو في المحيط القريب منه‏,‏ إلا أن المرء سرعان ما يسترجع ويتثبت من أن رحمة الله قريب‏,‏ وأن اليأس أو القنوط لا يمكن أن يكون يأسا من روح الله أو قنوطا من رحمته‏,‏ فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏.‏
لا أدري إذا كانت هذه المقدمة تصلح كتمهيد للكتابة عن قضية مصيرية قومية وإسلامية مثل قضية القدس الشريف‏,‏ أم هي أقرب ما تكون كتبيان لحالة البعض منا إزاء الشدائد التي يواجهها‏,‏ وهو الأمر الذي يوقع البعض منا في حيرة إلا أن هذه الحيرة سرعان ما تزول حين يتضح أنه لا يمكن فصل الخاص عن العام‏,‏ فمسألة التثبت عند الشدائد ومسألة القدس كلاهما قضيتان إيمانيتان‏,‏ ففي قضية القدس نحن نعلم علم اليقين أن نصر الله آت‏,‏ كما أخبرنا ربنا في محكم آياته فإذا جاء وعد الآخرة ليسوا وجوههكم وليدخلوا المسجد‏,‏ كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا‏,‏ وقد يثار تساؤل‏..‏ ما دمنا نؤمن ونعلم بأن نصر الله آت لا ريب فيه وأن القدس ستعود حتما‏,‏ فهل نركن بعيدا عن الانشغال بالدفاع عنها إلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا؟ إلا أننا لا نجد أي عناء للرد علي هذا التساؤل‏,‏ فنحن نعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم‏,‏ وأن ليس للانسان الا ما سعي واذا كنا علي يقين تام بأن وعد الله كان مفعولا‏,‏ وأن تحقيق النصر والغلبة يرتبط بنا أنفسنا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم وأن نصر الله يتحقق بنا وبأيدينا نحن عباد الله حينما يأتي أمر الل
وبناء علي ذلك فقد يثار أيضا عدة تساؤلات مهمة يرتبط كلاهما بالآخر وهي‏:‏ ما هي حدود المسئولية للدولة الإسلامية والعربية إزاء هذه القضية المصيرية؟ وماذا يمكن أن نفعله من أجل استرداد القدس أن كنا في وضع لا يسمح باسترداد القدس بالقوة نظرا لعوامل عديدة تحول بين ذلك؟ وهل هذه المسئولية هي مسئولية الدول والحكومات فقط؟ أم أن للفرد منا دورا لا يقل عن دور الدولة والحكومة؟
وقبل الاجابة عن هذه التساؤلات‏,‏ فإنه يجدر بنا أن نضع أيدينا ونؤكد عدة ثوابت يجب أن تكون بمثابة ركائز أو محاور أساسية للعمل الإسلامي العربي عند تناول قضية القدس‏:‏
أولا‏:‏ إنه ليس كافيا أن تكون قضية القدس قضية عربية فقط‏,‏ بل يجب أن تكون قضية كل عربي‏,‏ كما وأنه لم يعد كافيا أن تكون قضية القدس قضية إسلامية فقط‏,‏ بل يجب أن تكون قضية كل مسلم‏,‏ وأن الدفاع عن القدس‏,‏ ليس فرض كفاية‏,‏ بل هو فرض عين‏.‏
ثانيا‏:‏ إن قضية القدس ليست مسئولية أو شأنا من الشئون التي يقررها الفلسطينيون مع الإسرائيليين فيما يطلق عليه بمفاوضات الوضع النهائي‏,‏ فهذه القضية أكبر من أن يتحمل الفلسطينيون وحدهم مسئوليتها‏,‏ ونكتفي نحن بإبداء النصح والمشورة التفاوضية لهم وما إلي ذلك من أمور‏.‏
ثالثا‏:‏ إن هذه المدينة المقدسة التي تضم المسجد الأقصي‏,‏ الذي بارك الله حوله يجب أن لا تقل قدسيتها في نفوسنا عن أرض الله الحرام في مكة المكرمة‏,‏ فالمسجد الحرام والمسجد الأقصي كلاهما صنوان‏.‏
رابعا‏:‏ إن القدس هي أمانة في أعناقنا وأن التفريط أو التهاون أو التسليم باغتصاب اليهود لها لهو خيانة لله والرسول‏:‏ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون‏.‏
أما إذا انتقلنا للإجابة عن التساؤلات السابقة‏,‏ فإنه يجدر بنا أيضا أن نؤكد أن المسئولية هي مسئولية جماعية وفردية تضامنية‏,‏ بمعني أن لمجموع المسلمين دورا‏,‏ ولأفراد دورا‏.‏
فعلي مستوي المجموع للدول والحكومات‏,‏ فما أكثر ما يمكن عمله علي الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية والإعلامية‏,‏ فعلي المستوي السياسي والقانوني يجب التحرك إسلاميا وعربيا من خلال استراتيجية شاملة علي جميع المستويات والأبعاد السياسية والقانونية‏,‏ ويجب ألا نيأس من اللجوء إلي المحافل الدلية‏,‏ فحتي وأن كانت القرارات الصادرة من أجهزة الأمم المتحدة لم ولن تنفذ إلا أن مجرد صدور هذه القرارات هي بمثابة صكوك واعترافات دولية بعدم شرعية اغتصاب إسرائيل لهذه المدينة‏,‏ كما أن هذه القرارات تمثل شوكا في حلق إسرائيل تمنعها من ابتلاع الحقوق العربية في هذه المدينة‏,‏ وهنا أود أن أشيد بقرار الجمعية العامة الصادر في الثاني من هذا الشهر‏,‏ والذي يقضي ببطلان قرار إسرائيل بفرض ولايتها وتطبيق قوانينها علي مدينة القدس‏,‏ حيث اعتبرت الجمعية العامة أن هذه الإجراءات باطلة وغير قانونية‏,‏ وذلك بأغلبية‏145‏ صوتا ضد صوت واحد هو صوت إسرائيل وامتناع سبع دول عن التصويت‏,‏ وأدانت الجمعية العامة قرار بعض الدول نقل بعثاتها الدبلوماسية إلي القدس‏.‏
فالقدس من وجهة النظر القانونية الدولية هي مدينة حيادية تتمتع بالوضع الحيادي الدولي طبقا لقرار مجلس الأمن رقم‏18‏ لسنة‏1947‏ في قسمه الثالث الخاص بوضع مدينة القدس‏,‏ وأن التوصيف القانوني لها هي توصيف الإقليم الخاضع لنظام الوصاية الدولية تحت إشراف الأمم المتحدة‏,‏ ولم يطرأ علي هذا الوضع أي تغيير ذي صبغة قانونية منذ‏1947‏ وحتي الآن بل أن جميع القرارات اللاحقة الصادرة عن الأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة مثل الجمعية العامة ومجلس الأمن صدرت لتؤكد استقلالية مدينة القدس عن الكيان الإسرائيلي‏.‏
وعلي المستوي الاقتصادي يجب أن نشهر سلاح المقاطعة الاقتصادية العربية والإسلامية لكل الدول التي تعمل علي نقل سفارتها والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل‏,‏ ونلمح بذلك صراحة وعلي رأسها الولايات المتحدة التي تستأثر بنحو‏500‏ مليار دولار من حجم الودائع العربية والإسلامية في أمريكا وأوروبا والتي من خلالها يتم دفع عجلة التنمية الاقتصادية للولايات المتحدة والغرب‏.‏
أما علي المستوي الإعلامي‏,‏ فإنه يجب عمل خطة إعلامية متكاملة علي المستوي الداخلي والعالمي يتم من خلالها داخليا تبصير الناس بأهمية القدس كمدينة روحية ومغزي الأطماع الإسرائيلية في المدينة المقدسة‏,‏ كذلك أيضا يجب التركيز علي قضية القدس في القنوات الفضائية الموجهة أو التي تصل إلي المتلقي في الولايات المتحدة ودول أوروبا‏,‏ أو من خلال استغلال القنوات الفضائية العالمية الغربية وشراء ساعات من برامج ارسالها أو بث برامج تنقل وجهة نظرنا وقضايانا‏,‏ فما أكثر الأموال التي تهدر بلا طائل في بعض البلدان‏,‏ فلا يضير أن ننفق بعضه لشراء ساعات من ارسال محطات هذه الدول لإزالة الأفكار الخاطئة والسموم التي تبثها الصهيونية عنا في ذهن المجتمعات الغربية‏.‏
أما علي المستوي الفردي‏,‏ فإن هذا الدور يبدأ من البيت والمدرسة‏,‏ فكما يتحتم علينا نحن شبابا وشيوخا أن نتيقن من نصر الله وأنه آت لا ريب فيه‏,‏ فإننا يجب أن نغرس في نفوس أبنائنا ونذكرهم دائما أن هناك بيتا أسيرا يحاول اليهود ابتلاعه وهذا البيت فيه شرفنا وفيه عزنا وفيه مجدنا وفيه بركة من الله عليه وعلي من حوله‏,‏ كما جاء في سورة الإسراء وإليه أسري نبينا‏,‏ وعن فضله وفضل ما حوله أخبرنا سيدنا وسيد آبائنا محمد صلي الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق لا يضرهم من خالفهم حتي قيام الساعة قالوا يا رسول الله‏:‏ وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس‏,‏ ويجب أن يكون هذا التذكير بشكل دائم ومستمر ونحملهم الأمانة والمسئولية أن نحن عجزنا عن استردادها فما مات حق وراءه مطالب‏,‏ وحتي لا يصبح سكوتنا بمثابة رضاء عن أمر واقع يورث حقوقا قانونية للمغتصب‏,‏ ففي قواعد القانون والعرف الدولي هناك قاعدة تسمي بقاعدة السكوت من خلالها يمكن اكتساب إقليم أو إدعاء السيادة علي إقليم معين نتيجة لسكوت الأطراف وأصحاب الحقوق‏,‏ وكي لا نستحق لعنة وغضب الله نتيجة لتقاعسنا عن الدفاع عن بيته‏.‏
والله غالب علي أمره‏,‏ ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب