مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



حرب اكتوبر

السنة 123-العدد 40846‏1998اكتوبرالثلاثاء 6

بالدين‏..‏ أعدنا البناء المعنوي للقوات

إذا كانت حرب أكتوبر‏73‏ قد أخرجت طاقات المقاتل المصري من شجاعة وإقدام‏.‏ وكشفت أيضا عن نبل وتضحية الشعب المصري بكل فئاته‏..‏فإن ذلك لم يأت من فراغ خاصة أن نكسة‏67-‏غير المتوقعة‏-‏تركت في نفس المقاتل العربي والمصري جرحا عميقا ظل غائرا حتي اندلعت حرب أكتوبر لتشفي هذا الجرح وتعالج نفسية المقاتل المصري بإعادة الثقة اليه‏.‏
وفي هذال الإطار يتحدث اللواء متقاعد جمال محفوظ مدير سلاح الشئون المعنوية الأسبق عن التخطيط والتدريب ورفع الروح المعنوية للجنود حتي تمكنوا من استعادة الكرامة وتحرير الأرض بعد ما تم اعادة البناء المعنوي والنفسي للقوات يبدأ اللواء متقاعد جمال محفوظ مدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق حواره بالاختلاف بين الأعلام العسكري قبل وبعد‏67‏ قائلا‏:‏ كان لابد لنا أن ننظر للأخطاء السابقة ومنها الصورة غير الواقعة التي رسمناها لأنفسنا باننا أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط فكان لهذه الصورة جانب دعائي أكبر من الحقيقة‏,‏
ومثال علي ذلك كنت في‏67‏ رئيس فرع العمليات بالقوات المسلحة‏..‏ ولفت نظري خلال تلك الفترة الأوامر بتحريك القوات وبعدها أوامر بإلغاء الأوامر‏,‏ وقبل‏67‏ قال الرئيس جمال عبد الناصر استعدوا للحرب لأن العدوان الاسرائيلي سوف يبدأ في الخامس من شهر يونيو‏,‏ وقبل الميعاد بيوم واحد طلبني الفريق القاضي رئيس هيئة العمليات أن أذهب معه ومع المشير عببد الحكيم عامر الي الجبهة لكي نكون هناك إذا اشتعلت الحرب‏..(‏وهذه صورة عشوائية جدا لما كانت عليه القوات المسلحة والغريب كيف يكون نائب القائد الأعلي للقوات المسلحةالمشير عبد الحكيم عامرورئيس هيئة العمليات في هذا المكان رغم أنهما يعلمان بأن هناك احتمالات بالهجوم الاسرائيلي؟ وبالفعل ذهبنا جميعا الي هناك وقبل أن نمر من القناة كانت الحرب قد اشتعلت فرجعنا الي القاهرة‏.‏
ويضيف اللواء متقاعد جمال محفوظ الذي كان مديرا للشئون المعنوية في الفترة من‏68‏حتي عام‏1971:‏ أنه خلال هذه السنوات كانت مهمتي من أخطر المهام وهي إعادة الروح المعنوية فكانت مهمة شاقة ولكن أحمد الله فبحبكم نشأتي الدينية حيث كان والدي شيخ الأزهر‏,‏ كانت الرؤية الشخصية كاملة أمام عيني خاصة أنني كنت أعمل في القوات المسلحة منذ عام‏1942‏ وعاصرت كل الحروب تقريبا

‏وماهي هذه الرؤية؟
كان التشخيص واضحا‏,‏ كما يقول اللواء جمال‏,‏ حيث كانت الروح المعنوية في حالة تدهور مستمر بين صفوف رجالنا بالقوات المسلحة نتيجة الهزيمة وكذلك حالة الشعب‏,‏ كان هناك شبه اتهام للقوات المسلحة بانها قصرت‏,‏ وكان هناك تساؤل شعبي لماذا أنهزمنا في‏67‏ ونحن‏-‏ كما تقولون‏-‏ أكبر قوة في الشرق الأوسط؟
خلال هذه الفترة علي الشاطيء الشرقي للقناة لوحات كتبها الاسرائيليون باللغه العربية‏..‏ أحدها تقول للجنود المصريين اذا كنتم تسألون عن الهزيمة فاتصلوا تليفونيا برقم‏675648‏ وكان يريد أن يقول لهم لماذا تسألون عن الهزيمة وانتم في هزائم متكررة فالأرقام ماهي الا للثلاثة حروب العربية الآسرائيلية
وكان علينا مواجهة تحديات كثيرة لدرجة أنه طلب مني أن أتقدم بسياسة التوجيه المعنوي للقوات المسلحة وإعادة البناء المعنوي باعتبارها سياسة من المهام التي يصدق عليها رئيس الجمهورية‏,‏ وبالفعل وضعت هذه السياسة وحوي موقفين الأول الاستراتيجي‏..‏ والثاني تحليل لصورة التوجية المعنوي الذي كان قبل‏67,‏ وتحليل شخصية الانسان المصري الذي بحكم تكونية النفسي يتأثر بالدين في كافة مجالات حياته‏,.‏ فكان علينا أن نغرس بذور الجهاد في نفس كل مقاتل ومواطن مصري في سبيل إعادة الأرض المغتصبة فكان الحل الدين الإسلامي‏..‏ فرغم زياراتي المتعددة للشرق والغرب الا أنني لم أشعر منهما أي شيء في وضع سياسة التوجيه المعنوي للقوات‏,‏ وبدأت في اعادة وتنظيم التوجيه المعنوي من جديد‏,‏ وأقمت في الشئون المعنوية قسم بحوث وأجرينا أول بحث للاجابة عن سؤالهل تستطيع هزيمة اسرائيل‏:‏
وكانت الاجابات بأن هناك أمالا كبير في النصر علي الإسرائيليين
ومن ضمن إعادة التنظيم الذي وضعته أن يكون للتوجيه المعنوي ضباط في كل وحدة وبينهم أمام أو واعظ‏..(‏وهذه الصورة لم تكن موجودة قبل‏67,‏ وكان يطلق عليهالواعظ الزائر‏.‏ فكان لا تتعدي مدة وجوده في أي وحدة عن ساعة‏.‏ ولكن أصبح للواعظ مكان اساسي في التركيب التنظيمي للقوات المسلحة‏,‏
وأصدرنا كتابا بعنوان دليل الواعظ في القوات المسلحة نجيب فيه علي سؤالين‏..‏ الأول ماذا تحتاج القوات المسلحة من الواعظ‏)‏ والثاني بماذا يخاطب الجنود؟ لذلك وكانت مهمته ربط كل أعمال القوات المسلحة في السلم والحرب بالدين‏,‏ بداية من حفر الخندق والانضباط واطاعة الأوامر والعمل بروح الفريق والشجاعة ولم نترك شيئا من أمور القوات المسلحة إلا وربطناها بالدين
ويستطرد اللواء جمال محفوظ‏:-‏ بالأضافة الي الجانب الديني وهو الاساسي كانت التوعية القومية لأن تراب الوطن هو الذي نحتاج تحريره‏,‏ ولذلك يجب ربط الجندي بتراب هذا الوطن فهو الذي ترعرع ونشأ فيه
وكانت سياستنا المعنوية ان يكون للقوات المسلحة عقيدة فأي دولة في العالم لها عقيدة تحارب من أجلها‏,(‏ ولم يكن لدينا في القوات المسلحة تلك العقيدة التي يحارب من أجلها أي مقاتل‏,‏ فكانت العقيدة الاساسية للقوات المسلحة التي صدرت بها تعليمات بعد‏67‏ هي عقيدة الجهاد القدس وإعلاء كلمة الله‏,‏ حتي وصلنا بالمقاتل المصري الي درجات الروح المعنوية‏.‏

انتصار العقيدة
ويضيف مدير إدرة الشئون المعنوية الأسبق لقد انفردت حرب رمضان‏1393‏ هـ ـ أكتوبر‏1973‏ م بخاصية سامية هي أن الروح المعنوية وإرادة القتال للمقاتل المصري كانت في قمتها‏,‏ قال القائد الإسرائيلي لجبهة سيناء‏:‏ كان الجندي المصري يتقدم في موجات تلو الموجات‏,‏ وكنا نطلق النار وهو يتقدم‏,‏ ونحيل ما حوله الي جحيم ويظل يتقدم‏,‏ وكان لون القناة بلون الدم ورغم ذلك ظل يتقدم‏!!‏
وقال دافيد أليعازر رئيس الأركان‏:‏ لكل حرب مفاجآتها‏,‏ وكانت أكبر مفاجأة لنا هي كفاءة الجندي المصري وتصميمه واستعداده للتضحية ووجود الدافع القوي لديه‏.‏
كما أصبحت حرب رمضان في التاريخ الحديث مثلا علي قوة الإيمان والعقيدة‏,‏ وما تولده من دوافع نفسية ومعنوية تجعل الجندي في الحرب مقاتلا لا يقهر‏,‏ كما أصبحت دليلا معاصرا علي أن منهج الإسلام الذي أخذنا به في البناء المعنوي للمقاتلين‏,‏ مازال من القوة والصحة بحيث يجعل الجيوش التي تعمل به في هذا العصر‏,‏ وفي كل عصر‏:‏ جيوشا لا تقهر‏.‏

حجم التحديات
‏ولكن ماذا عن الروح المعنوية للجنوب بعد‏67‏ ؟‏!‏
‏لعله من اللازم أن نتعرف علي الحالة المعنوية للجيس بعد حرب يونيو‏1967‏ حتي نقدر حجم التحديات التي واجهناها ونحن نعيد البناء فلقد كانت الروح المعنوية في حالة تدهور شديد لما أحدثته الهزيمة من ضغوط نفسية هائلة علي وجدان الشعب والجيش حتي لقد قدر أكثر المراقبين تفاؤلا أننا لن نفيق من تلك الحالة قبل عشر سنوات إن لم يكن أكثر‏.‏
وكان هناك ضغط نفسي آخر يتمثل في تلك الحملات الضارية من الدعاية والحرب النفسية المعادية التي كانت تستهدف توجيه ضربة قاضية الي روح المقاومة والصمود وإرادة القتال من خلال‏:‏
‏تعميق الشعور بالإحباط وفقد الثقة بالنفس والسلاح والقيادة‏.‏
‏إحداث الفرقة بين الشعب وقواته المسلحة
‏غرس الإحساس بالتدني والعجز‏,‏ وتنمية عقدة النقص في مواجهة التفوق التقني‏(‏ التكنولوجي‏)‏ للعدو ومصادر إمداده بالأسلحة والمعدات المتطورة‏.‏
‏زعزعة الثقة في قدرتنا علي إعادة البناء وإحراز النصر في أية معركة مقبلة وترسيخ الاعتقاد بأننا نواجه عدوا لا يقهر من خلال تذكير رجالنا ـ بأساليب الحرب النفسية ـ بنتائج الجولات الثلاث‏1967,1956,1948‏ لكي يدركوا أن تاريخهم كله هزائم‏,‏ وأنه لا أمل لهم في إحراز النصر في حرب جديدة‏!‏
ثم كانت هناك التحصينات والعوائق التي أقيمت علي الضفة الشرقية للقناة مثل الساتر الترابي المرتفع وخط بارليف الأمر الذي جعل أكثر الخبراء تفاؤلا يقدرون أن العبور واقتحام هذه التحصينات سوف يكلفنا من الخسائر في الأرواح لمدة عشرات من الألوف‏.‏

اسس البناء
وكيف تمكنتم من وضع اسس البناء المعنوي؟
‏أولا‏:‏ إزالة آثار الهزيمة‏:‏ لقد كان لنا في توجيهات الإسلام خير منهج لوقاية رجالنا من أساليب التدمير الذاتي‏,‏ فقد امتحن المؤمنون‏,‏ وامتحن أنبياء الله‏,‏ فكانوا بإيمانهم أقوي من الأحداث التي واجهتهم كما يقول الله تعالي‏:‏ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا‏.‏
من أجل ذلك كان اهتمامنا بتربية روح الصبر وتجنب الضعف النفسي والاستسلام للحزن عملا بقول الله تعالي‏:‏
ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين‏.‏
ولقد أثبت رجالنا أنهم أقوي مما تعرضوا له من ضغوط‏,‏ فتحملوها في صبر وكبرياء‏,‏ وعبروا الجسر بسرعة الي العمل الإيجابي والإعداد لانتزاع النصر‏.‏

المقاتل العقيدي
وكانت قوة الايمان والعقيدة هما الأساس المتين لبناء المقاتل العقيدي الذي يمتليء وجدانه بشرف الهدف الذي يقاتل من أجله ألا وهو إعلاء كلمة الله‏,‏ وبأنه يقاتل في سبيل الله‏,‏ وقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم‏:‏ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا لهو في سبيل الله‏.‏
وكل الدول تعمل علي تنمية دافع الوطنية في نفوس أبنائها لكي يقف الجندي مدافعا عن وطنه ممتليء النفس بالعاطفة الوطنية ومستعدا للتضحية بالروح في سبيله‏.‏
فإذا كانت النفس يزيدها حب الوطن قوة بمقدار ما في الوطن كله من قوة‏,‏ فما أكثر ما يزيدها الإيمان بالوجود كله‏,‏ وبخالق الوجود كله من قوة وعلي هذا الأساس العقيدي فقد شعر رجالنا بأنهم جند الله وليس هناك أعظم من هذا الإحساس ولا أقوي في توليد الحوافز المعنوية والدوافع النفسية نحو الاستبسال في القتال في سبيل الله‏,‏ إنه إحساس لا يقتصر أثره علي المقاتل وحده‏,‏ بل يجعل روح المقاتل وسلوكه مصادر إشعاع لكل عمل بطولي وجلال خلقي‏.‏
وتبلغ الحوافز المعنوية كمالها في نفس المقاتل بشعوره وثقته في معية الله له وفي وعده بالنصر لجنده حيث يقول جل شأنه‏:‏ وكان حقا علينا نصر المؤمنين‏..‏
واتخذت قواتنا المسلحة النصر أو الشهادة شعارا لها‏:‏ قل هل تربصون بنا إلا إحدي الحسنيين فالمقاتل في سبيل الله يضع نصب عينيه إما شرف النصر أو شرف الاستشهاد ولا ثالث لهما‏.‏

الله اكبر
ويضيف اللواء محفوظ ر‏..‏ لقد كانت لنا في الماضي صيحة لا تنطوي علي أي حافز معنوي أو نفسي‏,‏ ولذلك اتخذت قواتنا صيحة الله أكبر وتم تدريبهم عليها منذ عام‏1968‏ واستمرت خمس سنوات قبل المعركة فشكلت بذلك جزءا لا يتجزأ من وجدان رجالنا‏,‏ حتي ظهر ذلك بأجلي صورة يوم المعركة علي امتداد الجبهة وفي كل المعارك التي دارت في البر والبحر والجو‏,‏ وقال عنها مراسل وكالة رويتر‏:‏ إن صيحة الله أكبر كانت أصيلة وقوية التأثير الي الحد الذي تصورنا معه أن الجنود ليسوا وحدهم الذين يهتفون بها بل أيضا الجبال والرمال والذخيرة‏,‏ والأفق بأسره‏!‏
ولأول مرة في تاريخنا الحديث دخل الوعاظ في صلب التركيب التنظيمي لقواتنا المسلحة‏,‏ مما أتاح لهم معايشة الجنود في مواقعهم والعمل بمنهج محكم لغرس عقيدة القتال وربط جميع أعمالهم بها‏,‏ والتحريض علي القتال‏,‏ كما نظمت القوافل من علماء الدين من الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف لزيارة رجالنا مما أثري الحشد المعنوي الذي كان من أهم مقومات النصر‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب