مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



ملفات الأهرام

السنة 123-العدد 40871‏1998اكتوبرالسبت 31

بقلم : د. يونان لبيب رزق

نظن أن حدثا تاريخيا لم يكتسب سمعة سيئة بالقدر الذي اكتسبه الدعم البشري المصري للمجهود العسكري البريطاني خلال الحرب العالمية الأولي‏,‏ فقد ارتبط هذا الدعم في الوجدان الوطني العام‏,‏ وفي الذاكرة التاريخية لجموع المصريين‏,‏ بقيامه علي القهر والإجبار‏,‏ إذ عمدت السلطة العسكرية البريطانية إلي مداهمة القري بمعونة من رجال الإدارة‏,‏ علي رأسهم المآمير والعمد‏,‏ من حيث ساقوا الفلاحين إلي ميادين القتال علي نحو غلبت عليه السخرة‏,‏ حتي انتشر في الريف هذا الموال الحزين الذي يشكو فيه أهلوه من السلطة اللي خدت ولدي‏!‏
ومع أن لهذه السمعة السيئة ما يبررها فإن القليلين الذين تنبهوا إلي أن قصة فيالق العمال المصريين التي أسهمت بجهد واضح في حروب الحلفاء في سيناء والعراق ووصلوا حتي فرنسا‏,‏ قد مرت بثلاثة فصول حتي وصلت إلي الشكل المأسوي الذي استقر في الوجدان الوطني للمصريين‏.‏
الفصل الأول‏:‏ امتد لنحو عام ونصف‏,‏ منذ قيام الحرب في صيف عام1914‏ وحتي أوائل عام1916,‏ وغلب علي العلاقة فيه بين العمال المصريين الذين قدموا جهدهم لصالح الآلة الحربية للحلفاء‏,‏ وبين السلطة العسكرية البريطانية‏,‏ قدر من التراضي‏,‏ وهو ما عبرت عنه الأهرام بقولها‏:‏ وجد العمال العاطلون وغيرهم من الأشخاص الذين ألفوا العمل الفرصة سانحة للالتحاق بخدمة السلطة العسكرية التي تعطي الفاعل أجرة في اليوم لا تقل عن سبعة قروش‏.‏ فقدموا طلباتهم وقبلتها السلطة وكشف عليهم طبيا في قسم الخليفة‏.‏ وبلغ عدد الذين كشف عليهم طبيا نحو600‏ شخص وصرفت لهم المرتبات مقدما علي يد ضابط وسيسافرون إلي الجهة التي تعينها لهم السلطة العسكرية‏.‏
وقد تم تشكيل أورطة من الأشغال من هؤلاء مؤلفة من ستة بلوكات للخدمة في حملة الحلفاء علي الدردنيل خلال شهر مايو عام1915,‏ ومع أن الحملة فشلت إلا أن العمال المصريين المستقدمين أساسا من بين صفوف الفلاحين‏,‏ قد نجحوا في القيام يواجباتهم غير القتالية علي نحو دفع قواد الجيوش البريطانية إلي المطالبة بهم بإلحاح‏,‏ الأمر الذي دفع إلي التوسع في التجربة لتغطية الاحتياجات إليهم في سائر ميادين القتال‏.‏
وشرع في تنظيم هؤلاء علي شكل مجموعات تضم في أدناها خمسين فردا يرأسها واحد منهم‏,‏ وتصل في مستواها الأعلي إلي شكل الفيالق التي تعددت نوعياتها‏..‏ أهمها فيالق العمال التي كانت تقوم بالأعمال المعاونة في ميادين القتال‏,‏ بعدها النقل بالجمال‏,‏ يليها النقل الإمبراطوري ووحدات النقل بالدواب‏,‏ الحمير والبغال‏,‏ فضلا عن وحدات أخري أقل أهمية‏:‏ الخدمات الطبية والبيطرية‏,‏ الخدمات الراكبة والشرطة‏,‏ وقد بلغ عدد هؤلاء19537‏ فردا في أواخر عام1915‏ وبدايات العام التالي‏.‏
الفصل الثالث كان الأكثر شهرة‏,‏ وقد غلب خلال العامين الأخيرين من الحرب‏1917‏ و1918,‏ وهو الذي أضفي علي فيالق العمال سمعتها السيئة حيث غلب عليها أسلوب التطوع الإجباري‏,‏ الذي عمدت السلطات العسكرية البريطانية إلي إتباعه لسببين رئيسيين‏..‏ أولهما‏:‏ عزوف الفلاحين المصريين عن التطوع الاختياري في فيالق العمال سواء بسبب تزايد المخاطر بعد زيادة أوار الحرب واستخدام الطيران علي نطاق واسع في عملياتها‏,‏ حتي أنه لم يعد هناك ثمة فرق كبير في التعرض للخطر بين العاملين في الخطوط الخلفية‏,‏ وبين المحاربين في الصفوف الأمامية‏,‏ وثانيهما‏:‏ أن تلك الفيالق بعد اتساع استخدامها وزيادة عدد أبنائها قد أصبحت تشكل عبئا علي ميزانية الجيش البريطاني‏,‏ وقد تفتق ذهن المنوط بهم قيادة هذا الجيش عن فكرة مؤداها إمكانية توفير جانب من هذه الميزانية من خلال تحويل العلاقة التطوعية القائمة علي التراضي إلي علاقة جبرية قائمة علي السخرة‏.‏
وبين الفصلين الأول والثالث هناك الفصل الأقل شهرة والذي كشفت الأهرام عن تفاصيله في أعدادها في بدايات عام1916..‏ تكوين فيالق العمال المصريين من احتياطي الجيش المصري‏,‏ أو الرديف كما كان يسمي بلغة العصر‏,‏ وهي كلمة عربية يقول قاموس مختار الصحاح في تعريفها رديف مفردها ردف بكسر الراء والدال‏:‏وهو الذي يركب خلف الراكب‏,‏ وكل شئ تبع شيئا فهو ردفه‏!‏
وهناك أكثر من ملاحظة قبل أن نتابع في الأهرام ذلك الفصل المتروك من قضية فيالق العمال المصريين خلال الحرب العالمية الأولي‏..‏ منها أن فترات الفصول الثلاثة عرفت تداخلا ملحوظا الأمر الذي يصعب معه تحديد تاريخ قطعي يفصل بين كل فترة والفترة التي تليها‏,‏ ومنها أن الفترة الثانية كانت بمثابة الجسر الذي ربط بين الفترتين السابقة واللاحقة‏,‏ ذلك أن تجنيد الرديف الذي يخضع هؤلاء لشروط الخدمة العسكرية يؤدي من ناحية ألا يحصل هؤلاء إلا علي المكافأة الزهيدة التي يحصل عليها العاملون في هذه الخدمة‏,‏ كما يؤدي من ناحية أخري أن يحصلوا علي تلك المكافأة من خزينة الحكومة المصرية مما يعفي الجيش البريطاني من تحمل عبء مثل هذه النفقات‏,‏ من ناحية ثالثة فقد مهد ذلك العمل إلي إحلال فكرة الإجبار محل فكرة التطوع التي غلبت علي المرحلة الأولي‏,‏ وهو إجبار صادر عن قانون قائم فعلا وليس بدعة بريطانية كانت ستلقي مقاومة شديدة لو بدئ بها‏.‏
تحت عنوان الخدمة العسكرية في القطر المصري‏-‏ كلمة تاريخية وفي عددها الصادر يوم الجمعة21‏ يناير عام1916‏ افتتحت الأهرام هذا الفصل بدراسة طويلة عن تطور الخدمة العسكرية منذ أن بدأت في عصر محمد علي عام1816,‏ أي قبل قرن كامل‏,‏ وقد سعي كاتب المقال في إطاره أن يرصد تاريخ فكرة الرديف‏.‏
بدأ بالخدمة العسكرية مع نشوء الجيش المصري الحديث وكانت فترة الخدمة وقتئذ غير محددة‏,‏ حتي أنه كان يمكن أن يقضي الجندي طيلة حياته في هذا الجيش‏,‏ من ثم لم تك فكرة الاحتياط محل تطبيق‏,‏ فهذه الفكرة ترتبط بفترة زمنية محددة يقضيها النفر في الجيش ليخرج منه وهو لا زال قادرا علي الخدمة‏,‏ وهو الأمر الذي انصرف أيضا علي النظام العسكري علي عهد الحاكمين اللذين توليا بعد محمد علي‏..‏ عباس وسعيد‏.‏
ظهرت الفكرة لأول مرة في عصر الخديوي المشهور إسماعيل حين حددت مدد معينة للخدمة‏..‏ في سلاح المشاة خمس سنوات وفي سلاح الفرسان ست سنوات‏,‏ وفي سلاح المدفعية سبع سنوات‏,‏ أما مدة الاحتياط أو الرديف والتي كانت تسمي بالإمدادية فهي سبع سنين وفي خلالها لا يدعون مطلقا للتمرين أو التدريب ولكن للتعبئة والتجنيد فقط‏.‏
أول استخدام للفظة الرديف حدث في عهد توفيق‏,‏ وفي عام1880‏ علي وجه التحديد حين صدر أول قانون للقرعة العسكرية قنن فترات خدمة المجندين في الجيش المصري‏,‏ وكانت علي الوجه التالي‏:‏
تحت السلاح أربع سنوات للبيادة‏(‏ المشاة‏)‏ والطوبجية‏(‏ المدفعية‏)‏ والسواري‏(‏ الفرسان‏)‏ و‏4‏ سنوات للبحرية والصنايعية‏.‏
رديف خمس سنوات للبيادة والطوبجية والسواري و‏4‏ سنوات للبحرية والصنايعية‏.‏
احتياطية ست سنوات للبيادة والطوبجية والسواري وخمس سنوات للبحرية والصنايعية فمجموع المدة لا يزيد عن15‏ سنة وبعد انتهائها تعطي لهم تذاكر بإخلاء سبيلهم وتشطب أسماؤهم من الدفاتر‏!‏
تم أيضا بمقتضي المادة الخامسة من هذا القانون تنظيم عملية استدعاء الأنفار من الرديف بالبدء بالنمرة الأصغر سنا ولا تطلب نمرة لدخولها تحت السلاح إلا بعد استيفاء النمرة التي قبلها‏.‏ وعند الاضطرار بعد استيفاء دخول نمر الرديف الاحتياطية للحضرة الخديوية أن تأمر بطلب كافة الأشخاص السليمي البنية تحت السلاح لأداء الخدمة العسكرية بدون مراعاة سنهم‏.‏
ويضيف كاتب هذا المقال المطول معلومة أخيرة وهي أن ما دخل علي قانون القرعة من تعديل في يوليو عام1888‏ أكد علي جعل مدة الخدمة15‏ سنة ولكن بتقسيم جديد‏;‏ خمس في الجيش وخمس في البوليس وخمس في الرديف‏.‏
في مناسبة لاحقة‏,‏ وفي‏4‏ نوفمبر عام1902‏ علي وجه التحديد‏,‏ صدر أمر عالي يحدد نظام الرديف بشكل أكثر تفصيلا‏,‏ والذي تضمنته ست مواد من هذا الأمر‏..‏
مادة تقول أن كل عسكري مقترع يرفت من الجيش يحال علي الرديف حالا‏,‏ تليها المادة التي تحتم علي أي من هؤلاء أن يعلن جهة الاختصاص كلما غير محل إقامته‏,‏ وأجازت المواد التالية لوزارة الحربية أن تطلب جميع رجال الرديف أو بعضهم لإجراء التمرينات العسكرية مدة لا تزيد عن ثلاثين يوما في السنة وأن تطلبهم في أي وقت من الأوقات للمساعدة علي حفظ الأمن مدة القلاقل العمومية أو لإجراء الاحتياطات الصحية اللازمة وقت الوباء‏,‏ ثم أن تطلبهم أخيرا للخدمة العسكرية في وقت الحرب أو الطوارئ الأهلية وذلك بإذن من مجلس الوزراء‏.‏
السبب الذي دفع الأهرام إلي معالجة هذا الموضوع بذلك التوسع كان الطلب الذي تقدم به قائد عموم القوة البريطانية في مصر إلي وزير الحربية‏,‏ إسماعيل سري‏,‏ يبلغه فيه أنه لما كان يشتغل بتنظيم فروع للتشهيلات اللازمة للدفاع عن القنال‏,‏ ولما كان قد نال معونة كبيرة من فروع الإدارة المدنية المصرية‏,‏ فإن الضرورة أصبحت تقتضي الحاجة إلي طائفة من العمال المتعودين علي النظام العسكري مثل الذين يمكن الحصول عليهم من أفراد رديف الجيش‏.‏
يقول سري باشا أنه حمل اقتراح القائد البريطاني لسردار الجيش المصري‏,‏ وكان بريطانيا بدوره‏,‏ وبالطبع لم يكن مفاجأة له‏,‏ إذ تشير الوثائق البريطانية أن قضية استدعاء الرديف المصري للخدمة في فيالق العمال كانت محل مداولة بين المسئولين العسكريين البريطانيين في مصر‏,‏ كذا بين هؤلاء وبين دار المندوب السامي‏,‏ وأخيرا بينهم جميعا وبين المسئولين في كل من وزارتي الخارجية والحرب في لندن‏.‏
المهم أن وزير الحربية المصري يقرر أن القضية كانت محل اتفاق كامل بينه وبين السردار‏,‏ وكان الأحري به أن يقول محل موافقة من الجانب المصري للمطلب البريطاني‏,‏ وإن لم تكن كاملة‏,‏ فوفقا لما تضمنته الوثائق البريطانية أيضا فقد عبر كل من السلطان حسين كامل فضلا عن رئيس الوزراء حسين باشا رشدي عن مخاوفهما من رد فعل ذلك علي المصريين‏,‏ خصوصا وأن قائد عموم القوة البريطانية كان قد تعهد مع قيام الحرب وإعلان الحماية ألا يتحملوا آي أعباء إضافية بسببها‏.‏
تضيف الأهرام أن سري باشا حمل طلب القائد البريطاني إلي رئيس الوزراء الذي عقد جلسة طارئة للمجلس في منزله للنظر فيه علي وجه السرعة تبعه أن صدر قرار قصير نصه‏:‏ جميع الأنفار الموجودين بالرديف ما عدا المستخدمين منهم بمصالح الحكومة مطلوبون للخدمة العسكرية بمقتضي هذا القرار‏,‏ وأن الوزراء بعد أن وافقوا علي القرار تفرقوا عائدين إلي وزاراتهم وأبلغ هذا القرار عقيب انفضاض مجلسهم إلي المحافظات والمديريات‏,‏ ولا تنسي جريدتنا في هذه المناسبة أن تذكر قارئها بأن عدد الجيش المصري وقتئذ كان يبلغ17500‏ موزعين علي الأسلحة المختلفة‏.‏
أصبح القرار الوزاري الشغل الشاغل للمصريين بعد صدوره‏,‏ وهو ما عبرت عنه الأهرام بقولها كثرت التقولات والظنون في القرار الوزاري الخاص بطلب الرديف المصري للخدمة العسكرية‏,‏ وفي تقدير العدد الذي يجمع منه والغرض من جمعه‏.‏
والواضح أن تلك التقولات والظنون قد وصلت إلي علم السلطات التي سارعت علي التأكيد بأنه ليس ثمة مقصد سوي الرغبة في جمع طائفة من العمال متعودين النظام العسكري مثل الذين يمكن جمعهم من أفراد رديف الجيش‏,‏ أما العدد المزمع جمعه فتقدره الأهرام بنحو12‏ ألفا‏,‏ بعد استبعاد ألفين من العاملين في خدمة الحكومة وألف آخر من غير اللائقين بسبب ظروفهم الصحية‏.‏
ولم يبق بعد كل ذلك سوي إعلام المصريين بالطريقة التي سوف تتبع لجمع أفراد الرديف والمهام التي سوف يناط لهم تنفيذها‏..‏
طريقة الجمع تقوم علي أساس استدعاء هؤلاء للخدمة طبقة فطبقة حسب ترتيب رفتهم من الجيش‏,‏ وتبدأ بالذين رفتوا في آخر الكل‏,‏ أما المهام فقد كانت لا تتناول سوي أعمال النقل وإنشاء السكك الحديدية ولمثلها استدعي الرديف المصري في خلال فتح السودان في سنة1896‏ فأتمها علي أحسن ما يرام‏!‏
وبدأ في أعقاب ذلك وضع القرار موضع التنفيذ‏..‏
تحت عنوان حملة الرديف المصري بدأت الأهرام في متابعة عملية استدعاء الاحتياط في الجيش المصري لخدمة المجهود الحربي لبريطانيا العظمي‏,‏ وبدت الحكمة من اللجوء لهؤلاء منذ الأيام الأولي لهذه العملية في الفروق الواضحة بين ما كان يحصلون عليه بمقتضي نظام التطوع وما أصبحوا يحصلون عليه وهم من أفراد الرديف‏.‏
في ظل النظام الأول كان الفرد من فيالق العمل يحصل علي خمسة قروش يوميا إذا خدم داخل القطر المصري ترتفع إلي ثمانية إذا خدم خارجه‏,‏ هذا فضلا عن الحصول علي تعيينات وملابس تصل قيمتها إلي خمسة قروش أخري‏,‏ أما أفراد فيالق النقل بالجمال فقد كان أجر كل منهم ستة قروش يوميا بالإضافة إلي خمسة قروش أخري قيمة التعيينات والملابس‏.‏
بالمقابل‏,‏ وكما أشارت الأهرام في عددها الصادر يوم24 يناير عام1916,‏ تقرر أن يحصل كل عسكري من أفراد الرديف المطلوبين للخدمة علي ستين قرشا شهريا‏,‏ بما يوازي قرشين فحسب في اليوم‏,‏ وتقرر إلباسهم الملابس العسكرية‏.‏
مع بداية وضع القرار موضع التنفيذ بدا وكأن الارتباك يحوطه من كل جانب‏,‏ فمن ناحية كشف الواقع عن قلة عدد الرديف في المدن الكبري فيما أشار إليه مراسل الأهرام في الإسكندرية في أحد تقاريره من أن أهالي الثغر كانوا يتوقعون أنه سوف تتألف من المجندين الجدد مواكب يراها الجمهور ولكن ظهر أن المسألة بسيطة لا تتطلب شيئا من ذلك وأن دعوة الرديف لم تكد تبدأ حتي انتهت وأن الذين طلبوا من محافظة الإسكندرية لم يزد علي46‏ رجلا‏!‏
السبب فيما جاء في نفس التقرير أن بقية المطلوبين بعضهم موجود في الأقاليم‏,‏ وقد استشيرت وزارة الحربية في كيفية استحضارهم‏,‏ والبعض الآخر يستوجب النظر في أمره ضمن دائرة القانون الذي كان قد قرر أن جنود الرديف الذين يندمجون في سلك البوليس أو خفر السواحل بعد خروجهم من الجيش يسمح لهم بالبقاء في خدمتهم الجديدة لأنها خدمة عسكرية أميرية‏,‏ والبعض الثالث اختلف علي أمره‏,‏ وكان منه علي وجه التحديد رجال المطافئ وهي مصلحة فنية تابعة للمجلس البلدي وليس لها سلك خاص في دوائر الحكومة‏!‏
في يوم السبت29‏ يناير عام1916‏ وقعت الواقعة التي لا نري أفضل من أن نسوق البلاغ الرسمي الخاص بها بكل ما له من دلالات‏,‏ وجاء فيه أنه في ذلك اليوم‏:‏
توجه فريق من رجال الرديف المقيمين بثكنات عين شمس إلي ميدان عابدين ليرفعوا إلي الأعتاب السلطانية شكواهم من التأخير في دفع المكافأة المستحقة لهم وعدم كفاية الأجور التي تقرر دفعها إليهم وعدم موافقة الغذاء‏.‏
وكان صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء موجودا وقتئذ بسراي عابدين العامرة فأعلم الشاكين بأن الحكومة ستنظر في شكواهم وأن الواجب عليهم أن يعودوا إلي ثكناتهم فأذعنوا لهذا الأمر وانصرفوا في الحال بنظام تام‏.‏
وفي اليوم التالي عادوا إلي ميدان عابدين لتجديد شكواهم التي قدموها بالأمس فأبلغهم من جانب السلطان حضرة صاحب السعادة سر ياور سعادته أن شكاواهم تحت النظر الآن وأنه يأمرهم بالعودة في الحال إلي معسكرهم فأطاعوا وعادوا جميعا إلي ثكناتهم‏.‏
وكانت الاحتياطات العسكرية قد اتخذت في خلال ذلك للمحافظة علي النظام ولكن حصل وقت وصول رجال البوليس الراكب ما يؤسف عليه وهو أن ثمانية من الرديف وبعض المارة أصيبوا بجراح وجميع الإصابات خفيفة إلا إصابة أحد المارة‏.‏
إلي هنا ينتهي نص البلاغ والذي تشير دلالاته إلي أن حملة الرديف التي بدأت السلطات الإمبراطورية في إعدادها مع دوائر الحكومة المصرية كانت تلقي مقاومة وصلت إلي حد التظاهر العسكري‏,‏ وهو ما لم تعرفه مصر منذ المظاهرة التي عرفها ميدان عابدين أيضا في‏9‏ سبتمبر عام‏1881,‏ أي قبل خمسة وثلاثين عاما‏,‏ الأمر الذي نري معه أن الحكومة المصرية قد توجست كثيرا‏,‏ وهرولت لاحتواء الموقف‏.‏
لم ينقض أسبوعان علي مظاهرة عابدين الثانية إلا وكانت وزارة الحربية المصرية قد وضعت نظاما جديدا للرديف المطلوب للخدمة والعمل في التشهيلات العسكرية اللازمة للدفاع عن قناة السويس‏,‏ فقد تم تقسيمه إلي خمس حملات وفقا للسنوات الخمس السابقة التي تم الحصول علي الرديف من دفعاتها‏,‏ وقسمت كل حملة إلي خمسة أصناف وأقسام كل منها مؤلفا من220‏ صف ضابط وعسكري وأن تكون مصر أساس الرديف العام أو مركزه‏.‏
في إطار نفس التنظيم تقرر وضع حملة الرديف تحت قيادة اللواء هربرت باشا قومندان مصر المحروسة الذي اختار عددا من الضباط المصريين المتقاعدين ممن كانوا يعاونونه في المدرسة الحربية أيام أن كان قومندانا لها‏;‏ اللواء عبد الرحيم فهمي باشا واللواء أحمد فطين باشا واللواء موسي فؤاد باشا‏.‏
الأهم من كل ذلك نظام المعاملة المالية التي وضعها قرار وزارة الحربية للرديف‏,‏ فقد دفعت لكل جندي من الذين لم يتناولوا المكافأة التي تمنح لهم عادة عند انتهاء مدة الخدمة الإلزامية خمسة جنيهات من أصل مكافأته ووعدته بدفع الخمسة عشر جنيها الباقية بعد تسريحه من الخدمة وزادت المكافأة المعينة لكل جندي منهم15‏ قرشا صاغا فأصبحت الآن75‏ قرشا صاغا في كل شهر‏.‏ علي أنه لم يكن يطمع في أكثر من40‏ قرشا صاغا بمقتضي القانون‏!‏
ولمزيد من حض أنفار الرديف علي أن ينضموا إلي صفوفه صدر أمر آخر من وزارة الحربية بمضاعفة التعيينات التي تصرف لهم بحيث أصبحت بطانيتان من بطانيات الخدمة العمومية‏,‏ جزمة بيادة‏,‏ قميص بفته من قمصان الخدمة العمومية‏,‏ زوج جرابات أزرق‏,‏ جوارب من الصوف‏,‏ طربوش وزر‏,‏ كبود بياده بالزنط‏,‏ فانيلة صوف‏,‏ شنطة جراية‏,‏ زمزمية‏,‏ جلابية زرقاء‏,‏ حزام أحمر وشرائط حسب الدرجة‏,‏ وتصرف كل هذه الملبوسات من مخازن مهمات الجيش المصري‏.‏
وتم تقسيم أنفار الرديف الذين يخدمون في المجهود العسكري‏,‏ أو ما أسمته القرارات بالتشهيلات الحربية‏,‏ إلي مجموعتين‏;‏ تخدم أولاهما في الأراضي المصرية‏,‏ وفي منطقة قناة السويس علي وجه الخصوص‏,‏ بينما تخدم الثانية في صفوف القوات البريطانية وفي ميادين خارج مصر‏,‏ وكان من الطبيعي أن يحصل أفراد المجموعة الثانية علي مزيد من أسباب الإغراءات‏.‏
جاء هذا في أمر آخر من أوامر وزارة الحربية بأن تصرف رواتب هؤلاء بواسطة صراف الخزانة الإنكليزية ويستولون علي ضعف ماهياتهم المقررة لهم بالجيش المصري وتصرف لهم العلاوات كالمقررة لجنود الجيش المصري الذين يؤدون الخدمة بالجيش الآن‏.‏
رغم كل ذلك فقد تزايدت أعداد الفارين من الرديف حتي أن وزارة الداخلية أرسلت في19‏ مايو عام1916‏ منشورا إلي المآمير والضباط ورجال البوليس والعمد والمشايخ للبحث عنهم ومن يوجد منهم يضبط ويرسل في أقرب وقت إلي حضرة قومندان قسم المحروسة بالعباسية تحت التحفظ الكافي‏,‏ وإذا كان هذا المنشور بمثابة الاعتراف بفشل حملة الرديف فإنه كان في نفس الوقت بداية للفصل الثالث من فصول تجنيد المصريين للعمل في ميادين القتال‏,‏ وكان أسوأ الفصول بحكم ما اعتوره من أسباب القهر والسخرة‏,‏ وله قصة أخري ربما تكون أهم من القصة التي رويناها في التو واللحظة‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب