مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات
واشتراكات



قضايا و اراء

السنة 123-العدد 40855‏1998اكتوبرالخميس 15

وكانت مقبرتهم الكبري في الدفرسوار‏!‏
بقلم : مرسي عطا الله

لايمكن أن يكتمل الحديث عن حرب أكتوبر المجيدة والنصر العظيم الذي حققته قواتنا المسلحة في ملحمة العبور‏,‏ دون أن نتحدث عن المغامرة التليفزيونية التي أقدمت عليها إسرائيل بهدف الحفاظ علي ماء وجهها‏,‏ ومحاولة تخفيف وحل العار الذي لحق بجيشها‏,‏ فالذي حدث في معركة الدفرسوار التي اصطلح علي تسميتها بـثغرة الدفرسوار لم تكن إلا مقبرة جديدة‏..‏ بل انها كانت أضخم مقبرة في تاريخ الجيش الإسرائيلي‏,‏ وذلك طبقا لما ورد في تقرير لجنة اجرانات الإسرائيلية التي كلفت بالتحقيق في أسباب الهزيمة الإسرائيلية في حرب أكتوبر‏.‏
نعم‏..‏ ان أضخم مقبرة في تاريخ الجيش الإسرائيلي كانت حول المزرعة الصينية ذلك الموقع المصري الحصين الذي يقع إلي الشرق من خط السكة الحديد الموازي لقناة السويس علي الضفة الشرقية‏,‏ وفي المنطقة الموازية لعنق البحيرات المرة‏.‏
ولم يكن الحصن المصري شبيها بقلاع خط بارليف‏,‏ وانما عدة مبان كانت تستخدم قبل حرب‏1967‏ كمحطة تجارب زراعية مصرية بالمساهمة مع اليابان التي أوفدت بعض خبرائها‏,‏ وكانت بعض جدران المنازل تحمل عناوين باللغة اليابانية‏..‏ ولعل هذا هو السبب الذي دعا الإسرائيليين إلي الاعتقاد ـبعد حرب يونيو‏1967‏ ـ بأن هذه الكتابة اليابانية ما هي إلاكتابة صينية واصطلحوا علي تسمية المكان باسم المزرعة الصينية‏.‏
وطبقا لما ذكره الجنرال شارون قائد المغامرة التليفزيونية في الدفرسوار‏,‏ فقد كانت المعركة في المزرعة الصينية دامية ومميتة واندحرت أكثر من مرة القوات الإسرائيلية المدرعة التي حاولت الانقضاض علي الخطوط المصرية وهي تتكبد خسائر فادحة‏.‏
ويستطرد شارون قائلا‏:‏ وحتي عندما فكرنا في استخدام المظليين بدلا من المدرعات للدخول إلي هذا الموقع المصرية بعملية انتحارية من أجل السيطرة عليه‏,‏ فقد كنت عزوفا عن سماع حجم الخسائر التي لحقت بنا بفعل التجهيزات المصرية المضادة للدبابات والأفراد‏.‏
أما اسحق تسفي قائد قوة المظليين الإسرائيليين التي تناثرت أشلاء معظم أفرادها علي أبواب المزرعة الصينية فيقول‏:‏ لقد أحضرونا إلي منطقة القتال بالأتوبيسات وطائرات الهليكوبتر‏,‏ وتلقينا أمرا من القائد العام هذا نصه‏:‏ صيادو الدبابات المصريون يحولون دون تنفيذ مهامنا القتالية‏..‏ انقضوا عليهم ودمروهم بأسرع ما يمكن‏..‏ وبدأت قواتنا تتحرك بضع مئات من الأمتار وفجأة فتح علينا أتون من النار وبدأ تساقط الرجال وصاح أحد قادة المجموعات عبر اللاسلكي قائلا‏:‏ يا الهي‏..‏ ماذا يجري هنا؟‏.‏
ويمضي بن تسفي قائلا‏:‏ انه لم يكن أمام من كتبت لهم النجاة سوي الالتصاق بالأرض والانتظار حتي تمر العاصفة‏,‏ ولكن محاولات الاختباء والتخندق لم تفلح هي الأخري‏,‏ فعندما أصدرت أمرا لأحد قادة الفصائل بالتخندق في أحد الأماكن خلال عملية الانسحاب زحفا فتح المصريون النار علي قوة المظليين واصطادوهم وهم مكشوفون علي الكثبان الرملية‏.‏
والحقيقة أن ما رسمه اسحق تسفي قائد المظليين الإسرائيليين لم يكن سوي صورة مصغرة اذ أن ماجري للإسرائيليين في هذا القطاع كان هو الجحيم بعينه‏,‏ ولم يكن باستطاعة أحد من الإسرائيليين أن يدخل ميدان المعركة حول المزرعة الصينية ويخرج سالما إلا بمعجزة‏.‏
لقد كانت كل تخوم هذا المحور مليئة بمراكز الرشاشات والمدفعية تدعمها فصائل متحركة من الدبابات وفصائل أخري من المشاة الميكانيكية والمشاة المترجلة المزودة بالصواريخ المضادة للدبابات‏,‏ لهذا السبب فشلت كل محاولات الانقاذ التي بذلتها إسرائيل لاخراج المظليين الإسرائيليين من دائرة الموت‏.‏
وقد واجهت كل فرق الانقاذ الإسرائيلية سيلا لايهدأ من النيران جعل من رجال الانقاذ أضحوكة في هذا المجال اذ كانوا هم في حاجة إلي من ينقذهم‏,‏ فقد قتل قائدهم وتناثرت أشلاء معظمهم وسقط بعضهم أسيرا في يد القوات المصرية‏.‏
ويقول الإسرائيليون في تقريرهم الرسمي عن الحرب‏:‏
لقد فشلت محاولة ارسال وحدة أخري لانقاذ سرية الطليعة أو الانقضاض علي الهدف المصري‏,‏ ولقد انهمرت علي وحدة الانقاذ نيران الهاونات وأوقعت فيها قتلي وجرحي وقتل قائد وحدة الانقاذ الذي حاول انتشال مصابيه‏,‏ واستمرت المعركة ساعات طويلة وأجبرت النيران المصرية المظليين الإسرائيليين علي التزام الأرض ولم تمكنهم من الانقضاض أو حتي من التراجع‏,‏ واستمرت عملية انتشال الجرحي الإسرائيليين طوال الليل وفي حالات كثيرة أصيب أيضا المنتشلون كما أصيبت محطة تجمع الجرحي‏,‏ وأصيب عدد كبير من الجرحي الذين كانوا فيها مرة أخري‏!‏
لقد كان المصريون يطلقون الصواريخ بسرعة اطلاق نيران الرشاشات وكانت مدفعية الجرينوف تطلق النار طوال الليل‏,‏ وأصابت قذائف المدفعية المصرية الجنود الإسرائيليين الذين بقوا ملازمين الكثبان الرملية في الطريق إلي المزرعة الصينية‏.‏
ولكن تحت ستر هذه المعارك الوحشية‏,‏ تمكن الإسرائيليون من دفع سرية مشاة ميكانيكي علي متن بعض حاملات الأفراد البرمائية الأمريكية الصنع من طراز م‏113‏ مع سرية دبابات برمائية‏,‏ وتسللت تلك القوة الصغيرة في ظلام الليل عبر الطرف الشمالي للبحيرات المرة إلي مطار الدفرسوار المهجور‏,‏ واتخذت من كثافة الأشجار والأحراش المنتشرة في هذه المنطقة ساترا ومخبأ لها‏.‏
وقامت هذه القوات المتسللة صباح‏16‏ أكتوبر بالانتشار متجهة صوب الصواريخ المضادة للطائرات مستخدمة أسلوب قتال الكوماندوز بالمدرعات‏,‏ أي تجري هنا وتضرب هناك وتختبيء في مكان آخر‏.‏
وتمكنت القوة المتسللة من اصابة بعض هذه القواعد وشلها عن العمل بإحداث ثغرة محدودة في شبكة الدفاع الجوي المصرية‏,‏ وانشاء معبر في منطقة الدفرسوار‏.‏
وقد تعرضت منطقة التسلل الإسرائيلي للقصف والهجمات الجوية المتواصلة من جانب القوات المصرية‏.‏
وفي رسالة بعث بها قائد إسرائيلي إلي قيادته في أحد هذه الأيام قال‏:‏ لئن انقضت هذه الليلة علي فإنها كانت أعجوبة‏..‏ لقد أطلقوا علينا نيران الكاتيوشا طوال الليل‏..‏ كان القصف أسوأ وأقسي الأمور التي مرت علينا هنا‏,‏ حيث رافقت ذلك القصف غارات جوية‏,‏ فعندما يكون مجرد قصف فليكن ولكن عندما يأتي مع هجوم جوي فإنه أصعب كثيرا‏,‏ عندما تسقط القذائف تريد أن تري أين تسقط لكي تهرب منها لتغير موقعك‏,‏ ثم تسقط المدفعية‏,‏ عندئذ تريد أن تدفن الرأس في الرمال‏..‏ كان مانواجهه جحيما مطلقا‏!..‏
وقال مظلي إسرائيلي يدعي ايلان كان يقف علي مقربة من الجسر‏:‏ كنا جالسين في مجنزرة وسقطت علينا قذيفة خطيرة وفجأة سمعنا واحدا يصرخ في الخارج‏:‏ رجلي‏..‏ رجلي جرحت‏..‏ وكان ذلك المشهد يتكرر كثيرا‏.‏
وبعث آخر برسالة لقيادته يقول فيها‏:‏ كان هناك مثلا قطاع كان اجتيازه احدي التجارب القاسية‏,‏ وكان هناك قصف وفجأة صراخ‏:‏ طائرات واغارات الطائرات‏,‏ وأما أنا فقفزت مذعورا وقد ألقيت قنابل نابالم وأصبت أنا بشظاياها‏..‏ ركضت باتجاه الجسر‏,‏ وبينما كنت أركض شاهدت‏4‏ طائرات ميج تغير علينا فالتصقت بالساتر الترابي ورأيت القنابل تسقط والصواريخ تنطلق‏,‏ اقتربت من الجسر‏,‏ ورأيت هناك مسلحا ونحو عشرة من الرفاق اختبأوا بين الساتر وبين جرار كان هناك‏..‏ وأغارت عليهم الطائرات وأصابتهم‏..‏ هناك كل شيء حولهم يشتعل كان منهم القتلي والجرحي‏..‏ كانت هناك تلة صغيرة داخل الساحة عليها حمالات وحمالات وحمالات‏,‏ وهي مغطاة بالبطانيات وبمرورك من هناك تشاهد أحذية حمراء وسوداء وخضراء وتشاهد أطراف خصائل الشعر الأشقر والأسود كانوا هناك وبالمئات‏,‏ وخشيت أن أرفع بطانية فإن رفعت بطانية رأيت رفيقا‏.‏
واعترف أحدهم في مذكراته‏:‏ كنت أفكر مليا في تلك الصفوف من الحمالات في الليالي الطوال وانتظرت مطلع النهار لأبتعد عن تلك المناظر ولكي أتوقف عن الركض تحت وابل القصف‏,‏ ففي الليل يطلق المصريون النار بصورة متواصلة والذي لم ينزل علينا هناك فلا شيء أقل من عيار‏160‏ مللم‏,‏ وكان يسقط بصوت يسبب علة وكانت الساعات تمر زحفا‏.‏
وقال كبير الضباط الأطباء الإسرائيليين‏:‏ انك تتلقي الضربات دون أن يكون في مقدورك أن تفعل شيئا‏,‏ وكأن أحدا يوقفك في الزاوية ويضربك بقبضته وكل ماتستطيع أن تفعله هو أن تتلقي الضربات‏,‏ لقد حدث مرة قصف شديد وخرجت بسيارة جيب إلي الجانب الآخر لأحضر الجرحي‏,‏ وعندما عدت من هناك علي الجسر سقطت قذيفة في الماء أمامي تماما ووصلت إلي محطة تجميع الجرحي واذا بقذيفة تسقط علي بعد‏10‏ أمتار‏,‏ قفزت إلي دبابة الاخلاء وطرقت لهم علي الباب فاعتقدوا أن ذلك طرق شظايا علي الباب ولم يفتحوا ولم يدخلوني إلابعد أن سمعوا صراخي‏,‏ ثم خرجت ومرة أخري سقطت قذيفة واختبأت في مكان جلوسي وطأطأت رأسي وسمعت الصفير وزعقات الشظايا‏,‏ وبعد أن خف القصف التفت وشاهدت دبابة تشتعل‏,‏ وكان هناك قبل ذلك طاقم دبابة تناول وجبته فقد تلقي أفراده الأربعة اصابة مباشرة لم يبق منه‏,‏ أحد‏.‏
ويبقي في النهاية أن تقويم أي حرب في حجم حرب أكتوبر‏,‏ يحسب باجمالي نتائجها وبحاصل الجمع والطرح لكل معاركها‏,‏ وليس بالتوقف أمام معركة بعينها‏,‏ رغم أن معركة الثغرة كانت خسارة فادحة لإسرائيل‏.‏
نعم حدثت ثغرة‏..‏ تسلل منها العدو‏,‏ ولكن هل هذا يعني أن هذا العمل كان مفاجأة لقيادتنا من ناحية التوقيت أو المكان أو شكل العملية ذاتها؟
بالقطع لا‏..‏ فلم يكن في المغامرة الإسرائيلية أية مفاجأة لنا‏..‏ كان ذلك احتمالا واردا في تخطيطنا وتقديرنا لاحتمالات رد فعل الإسرائيليين علي عملياتنا‏..‏ ومن ثم كان هناك تنبيه مشدد علي منطقة الفصل بين الجيشين الثاني والثالث باعتبارها نقطة ضعف‏,‏ وخصصنا قوات لتأمين الجانب الأيمن للجيش الثاني والجانب الأيسر للجيش الثالث‏,‏ بحيث تستطيع النيران أن تصل في الوقت المناسب اذا حدث اختراق‏.‏
كان من المستحيل أن تغطي قواتنا كل شبر من الأرض علي امتداد المواجهة ونؤمنها بقوات عسكرية‏,‏ ولكن تم تأمين المناطق الضعيفة للحماية من الاختراق‏..‏ أما عن كيف تم الاختراق فإن الإسرائيليين كانوا يقومون بهجمات مضادة عنيفة حتي يوم‏13‏ من أكتوبر علي قوات الجيشين الثاني والثالث‏,‏ وفي يوم‏14‏ من أكتوبر قررت مصر تطوير الهجوم شرقا لنحقق هدفين رئيسيين أولهما‏:‏ تخفيف الضغط علي الجبهة السورية‏,‏ وثانيهما‏:‏ تحرير مساحات جديدة من الأرض في سيناء‏.‏
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا‏:‏ هل كنا مصيبين في قرار التطوير ذاته وفي هذا التوقيت بالذات؟‏..‏ وهل لهذا القرار علاقة بحدوث التسلل الإسرائيلي؟
والجواب هو‏:‏ أن التطوير كان ضرورة وكان من المستحيل أن نتوقف وكان لابد من تنفيذ الخطة الموضوعة فضلا عن أنه لم يكن مستساغا أن تبقي قواتنا في مواقعها‏,‏ ونتحول من موقف الهجوم إلي موقف الدفاع‏,‏ لأن بقاءها مدافعة فقط تصد هجمات العدو المضادة كان سيتيح للعدو أن يخترقها من أماكن عديدة لأن هجماته كانت مستمرة‏,‏ وكان الاختراق هدفا رئيسيا من أهداف خطة العدو‏.‏
ان الإسرائيليين كانوا يحتفظون بشريط قتالي من الشمال إلي الجنوب‏,‏ يبتعد عن قواتنا‏15‏ كيلومترا ومن مواقعه هذه كان يستطيع تركيز هجماته من أكثر من محور‏,‏ ومن ثم كان واجبنا أن نواصل تحرير مساحات جديدة من الأرض‏,‏ نتقدم إليها لكي نصل إلي مواقعه ونجبره علي التقهقر شرق المضائق ونؤمن قواتنا من هجماته المضادة المستمرة‏.‏
أما القول بأن الثغرة بدأت مع تطوير الهجوم‏,‏ فذلك قول غير صحيح‏,‏ فالتطوير بدأ يوم‏14‏ من أكتوبر‏,‏ ولكن البداية الفعلية لعملية التسلل بدأت في حوالي الساعة العاشرة من مساء‏15‏ من أكتوبر‏,‏ عندما تمكنت قوة صغيرة للعدو من الوصول إلي غرب القناة في الوقت الذي كان اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني قد ترك موقعه بسبب نقله إلي المستشفي منذ صباح يوم‏14‏ لاصابته بنوبة قلبية‏.‏
لقد قاتلت قواتنا ببسالة واستشهد مقاتلون عظام خلال عملية الهجوم علي قوات الثغرة التي بدأت يوم‏17‏ من أكتوبر‏,‏ والتي كانت تستهدف أساسا حصار الثغرة في أضيق مساحة من الأرض غرب القناة‏,‏ والاسراع بتدميرها‏,‏ وفي نفس الوقت تشديد الهجوم شرق القناة لاغلاق منفذ الثغرة‏,‏ وذلك بأن يهاجم الجيش الثاني جنوبا ويهاجم الجيش الثالث شمالا لسد الثغرة وقطع خطوط الإمداد وعمل مصيدة للمتسللين غرب القناة‏.‏
ولم يكن ذلك مجرد تخطيط علي الورق‏,‏ وانما جري تنفيذه فعلا‏..‏
لقد تقدمت قوات الجيش الثاني جنوبا وتقدمت قوات الجيش الثالث شمالا‏,‏ وضاقت المسافة بينهما إلي مايقرب من‏4‏ كيلومترات فقط‏,‏ وأصبح اغلاق الثغرة وشيكا وجري قتال رهيب استخدمت فيه كل أنواع الأسلحة‏..‏ وخسر الإسرائيليون أكبر خسائرهم في الحرب في هذه المعارك‏!..‏
ويبقي انه حتي لو سلمنا بصحة التحليل الذي يقول إن هذه الثغرة تعتبر نجاحا تكتيكيا للإسرائيليين‏,‏ فإنه ينبغي ألا ننسي إلي جانب ذلك‏,‏ أن الموقف الاستراتيجي العام للقوات الإسرائيلية كان يواجه الفشل الكامل‏..‏ أي أن هذا النجاح التكتيكي لم ينقذ الفشل الكامل‏..‏ أي أن هذا النجاح التكتيكي لم ينقذ الفشل الاستراتيجي للعدو في الوقت الذي كان هناك نجاح استراتيجي كامل لمصر‏,‏ قد تحقق ولا يمكن أن ينال منه عمل محدود مثل ماحدث في الدفرسوار‏..‏
وليس سرا أن نقول اليوم‏:‏ ان ايقاف اطلاق النار بصورة فعلية لم يتم إلابعد ظهر يوم‏28‏ من أكتوبر بعد وصول قوات الأمم المتحدة إلي مواقعها بين الجانبين‏,‏ ولكن اعتبارا من يوم‏31‏ من أكتوبر بدأت قواتنا المسلحة تنفيذ خطة عمل كاملة لحرب استنزاف وازعاج ضد الإسرائيليين شرق وغرب القناة‏.‏
كان هدف الاستنزاف والازعاج المصري عدم السماح للإسرائيليين بالتمركز وتثبيت أوضاعهم في المناطق التي تسللوا إليها‏..‏ فضلا عن أن ذلك كان بمثابة تهيئة المناخ لهجوم شامل لتصفية الثغرة وفق خطة جري رسمها‏,‏ وتم التصديق عليها تحت اسم خطة شامل يوم‏24‏ من ديسمبر‏.‏
كان للخطة قوات جاهزة بقيادة مستقلة تولاها اللواء سعد مأمون‏,‏ الذي كان قد عين مساعدا لوزير الحربية‏,‏ ولم يكن من حائل دون بدء الهجوم الشامل إلاصدور قرار القائد الأعلي للقوات المسلحة‏,‏ لأن الخطة شامل تم تسليمها إلي جميع قيادات القوات المسلحة قبل تصديق القائد الأعلي عليها‏,‏ وبالتحديد في‏7‏ من ديسمبر‏,‏ وبدأ كل في موقعه يتخذ التدابير الكفيلة بتنفيذها القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي‏.‏
وبنظرة سريعة علي أوضاع قوات الجانبين في ديسمبر‏1973,‏ نجد أن كل دبابة إسرائيلية غرب القناة كان يقابلها ذبابتان مصريتان وقطعتان مضادتان للدبابات‏.‏
وكان الإسرائيليون محاصرين من كل جانب‏,‏ وليس لهم سوي منفذ وحيد في الدفرسوار لايزيد عرضه علي‏5‏ كيلومترات‏.‏
أي أن الإسرائيليين كانوا يفتقدون أبسط قواعد القدرة علي المقاومة والصمود غرب القناة‏,‏ لافتقادهم مايسمي متطلبات الاتزان الاستراتيجي فكل القوات المتسللة شبه محصورة‏,‏ والقوات المصرية شرق القناة مازالت متمركزة بثبات في مواقعها علي طول المواجهة‏,‏ تكسب كل يوم أرضا جديدة وخطوط الامداد الإسرائيلية طالت إلي أكثر من‏300‏ كيلومتر‏,‏ والممر الوحيد للإمداد أشبه بنفق ضيق ومظلم عرضه‏5‏ كيلومترات ومحاصر من الجانبين بقوات الجيشين‏.‏
ولهذا لم يكن غريبا أن يقبل الإسرائيليون اتفاق الفصل الأول للقوات في يناير‏1974‏ بسرعة وتلهف‏,‏ فقد كانوا في مأزق لم يكن بالامكان خروجهم منه بسلامة بغير هنري كيسنجر ورحلاته المكوكية المتلاحقة بين القاهرة وتل أبيب‏.‏
وكانت أمريكا كالعادة ـ جاهزة ومتلهفة علي العمل لانقاذ إسرائيل من ورطتها وفضيحتها‏..‏ فعلت ذلك في ذروة القتال بعمل جسر جوي لامداد إسرائيل بكل ماخسرته من أسلحة وعتاد‏..‏ وكررت فعلتها عندما أحست بأن إسرائيل وضعت نفسها في مصيدة الدفرسوار‏..‏
والتاريخ تكتبه الوقائع والأحداث‏,‏ وليس الأوهام والأمنيات وأساليب الدعاية الفارغة من أي مضمون‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب